تخطى إلى المحتوى

حكــايـة كـــل عـــام تسويق المحاصيل الزراعية في طرطوس: الوسطاء سادة الموقف.. الفلاح أرهقته التكاليف.. والذرائع الحكومية حاضرة

images (1)

في ظل واقع فرضته ظروف الأزمة التي يمر بها بلدنا على كافة القطاعات والمجالات، تبرز مشكلة التسويق للمحاصيل الزراعية التي تعاني من صعوبة الوصول إلى مناطق الإنتاج وأسواق التصريف، وظروف الشحن والنقل السيئة، ومع عجز المؤسسات العامة عن تسويق المحاصيل الزراعية، ووقوفها مكتوفة الأيدي حيال ما يصيب المزارعين من خسائر نتيجة لتدني أسعار مواسمهم، تزيد المعاناة التي تسمح لفئة من السماسرة بالقيام بدور هو ليس لها في الأصل، ولتتحكم بأسعار سوق تلك المحاصيل، بدءاً من الحقل، وانتهاء بباعة المفرق، وليدفع المستهلك ثمن ما يشتريه مضاعفاً.. فمع بداية كل موسم يقف الفلاح شاهد عيان حزيناً على خسارته في تسويق محصوله، ولا يجني من المعنيين بالمسألة التسويقية سوى الوعود الخلبية بفاعلية الإجراءات والاستعدادات المتخذة في كل موسم لاستجرار محاصيله التي غالباً ما يسوقها التاجر عبر الوسطاء والسماسرة بأسعار لا تتناسب وكلف الإنتاج، ويبقى لسان حال الفلاح: “الرمد أحسن من العمى”، في الوقت الذي أصبح فيه التسويق علماً مستقلاً بحد ذاته في العديد من البلدان المتقدمة.

ماذا يقول المزارعون؟
عدد من المزارعين الذين التقيناهم لم يكن لديهم مطلب سوى أن تقوم الدولة، ممثلة بمؤسساتها العامة، بالعمل على تسويق محاصيلهم الزراعية، سواء كانت حمضيات – تفاح – زيت الزيتون، مؤكدين أنه في كل عام يعانون المعاناة نفسها، إلا أن معاناتهم كبيرة هذا العام نتيجة ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، وتحكم السماسرة بأسعار محاصيلهم، لذلك فهم يأملون أن تجد المؤسسات العامة حلاً لهذا الموضوع.
ويؤكد المزارع أبو محمد بأن هناك معاناة كبيرة في تسويق الإنتاج كل عام، والأسعار التي يباع بها الإنتاج في أسواق الهال تقل عن التكلفة في معظم الأوقات، بالإضافة إلى أن أجور النقل باتت مرتفعة، ناهيك عن الظروف المناخية والجفاف، وبالرغم من ذلك نتفاجأ بأن الإنتاج يباع للمواطن المستهلك بأضعاف ما نبيعه لأسواق الهال، وهذا الفارق الكبير يذهب لجيوب التجار والسماسرة في ظل غياب أي دور لأجهزة وزارة الاقتصاد والتجارة في هذا المجال.

غير معنيين
أسعد محمد رئيس دائرة التسويق في مديرية زراعة طرطوس قال: يعد التسويق إحدى المشكلات المستعصية التي تعود على الفلاح والمزارع بالهم نتيجة لتدني أسعار المنتجات الزراعية، ولأسباب يتعلق معظمها بارتفاع كلف الإنتاج من أسمدة وبذار ومحروقات وأدوية زراعية ويد عاملة، وعليه يفترض دعم جميع محاصيل المزارعين، إضافة إلى دعم الأسمدة، مشيراً إلى أن المديرية ليست لها علاقة بالعملية التسويقية، فأسواق الهال هي من تتحكم بهذه العملية، ونحن نقوم بجولات ميدانية، ونرفع الأسعار للوزارة بشكل دوري، منوهاً إلى أن هناك العديد من المزارعين ممن يشتكون التلاعب بالسعر والوزن من قبل السماسرة، لذلك فالحل يكون من خلال قيام وزارة التجارة الداخلية باستجرار كميات محددة عن طريق جهات تصديرية، وفتح أسواق جديدة، وبذلك يكون التسويق من المنتج للمستهلك، وفي بعض الدول موجود ذلك، كما أنه من الضروري، حسب محمد، إيجاد أسواق يقوم المنتجون بتسويق إنتاجهم من خلالها في مراكز المدن ولو لمرة واحدة في الأسبوع، بالإضافة إلى منح المزارعين فرصة لتخزين إنتاجهم في فترة الإنتاج والوفرة، وطرحه في الأوقات الحرجة لتمكينهم من تحقيق أسعار مقبولة.

تنزيل (2)

استراتيجية وليست أساسية
أحمد سليمان رئيس الرابطة الفلاحية بطرطوس قال: جميع المزارعين يعتبرون منتجين في قطاع الزراعة، ولا أعتقد بوجود شخص يقوم بإنتاج محصول لمجرد الإنتاج، وإنما لتسويقه وتحسين ظروفه المادية، مضيفاً: لدينا في محافظة طرطوس أنواع رئيسية من المنتجات، وهي شجرة الزيتون والحمضيات، إضافة إلى محاصيل الزراعات المحمية، وهذه الأنواع الثلاثة هي من المحاصيل الأساسية، ونحن في التنظيم الفلاحي نسعى منذ زمن لتصنيف تلك المحاصيل على أنها استراتيجية، وذلك لتقوم الدولة بتسويقها بشكل إلزامي، ولكن مع الأسف لم تزل تلك المحاصيل حتى اليوم ضمن تصنيف المحاصيل الأساسية، حيث تخضع عند التسويق لسلسلة العرض والطلب في سوق الهال، وهنا المشكلة الأساسية، فعندما تزداد نسبة الإنتاج تنخفض الأسعار الى ما دون سعر التكلفة، ويرتب ذلك خسارة هائلة على الفلاحين تمنعهم من العمل لتحقيق إعادة دورة إنتاجية جديدة!.

وأشار سليمان إلى أن مشاكل التسويق في سوق الهال كثيرة، وتشكل عبئاً على الفلاح، فأجور النقل إلى سوق الهال من البساتين مرتفعة، كما يتم حسم 3{844ffa2143412ea891528b2f55ebeeea4f4149805fd1a42d4f9cdf945aea8d4e} من وزن الإنتاج في سوق الهال، واقتطاع نسبة 6{844ffa2143412ea891528b2f55ebeeea4f4149805fd1a42d4f9cdf945aea8d4e} عمولة للوسيط التجاري في سوق الهال من قيمة المحصول المسوق، إضافة إلى وجود كلفة إضافية قبل عملية التسويق، وتبدأ من مرحلة الزراعة، وتهيئة الأرض للزراعة كقيمة البذور والأسمدة والمبيدات، وحراثة الأرض، وأجور الري وجني المحصول، وقيمة العبوة، وهي مرتفعة جداً، حيث إن عبوة الفلين الواحدة يزيد سعرها عن 90 ليرة، وهي بوزن 15 كغ، ومثل هذه النفقات تجعل الأعباء الملقاة على كاهل الفلاحين كبيرة جداً، ولا يستطيع أي فلاح تعويض هذه الخسائر إلا إذا كانت قيمة المنتج مرتفعة.

غياب الرقابة التموينية
ويقول سليمان: من خلال ملاحظتنا لأسعار المنتجات الزراعية في سوق الهال، ومقارنتها للأسعار لدى البائع النهائي، نجد أنها تصل للمستهلك النهائي (المواطن) مضاعفة عما هو في أسواق الهال، وهو دليل على أن التاجر الوسيط يحصل على أرباح هائلة دون أي جهد أو تعب، وهو ما يدل أيضاً على غياب الرقابة التموينية في هذا الموضوع، فالمنتج في هذه الحالة خاسر، والمستهلك النهائي غير قادر على تسديد قيمة الخضروات التي يحتاجها لمنزله!.

دعم الجمعيات النوعية
وبين سليمان أنه لابد للجهات المعنية من القيام ببعض الإجراءات التي تحد من النفقات الخاصة بالعملية الإنتاجية وفق معايير محددة، منها تأمين البذور عن طريق مؤسسات الدولة، وذلك لمنع تجار الأزمة من التحكم بمصير المزارعين، كما أننا نأمل من مؤسسة الخزن والتسويق بأن تأخذ دوراً أكبر، بحيث تصبح منافساً حقيقياً للقطاع الخاص في تسويق الفائض، وخاصة من الحمضيات، بالإضافة إلى تأمين أسواق خارجية لتسويق الفائض، وذكر سليمان أن المنظمة الفلاحية أنشأت جمعيات نوعية في القطاعين النباتي والحيواني، وأناطت بالجمعية النباتية في طرطوس المساهمة في تسويق الإنتاج الزراعي، ولكن إمكانياتها المادية ضئيلة، ولذلك يجب دعمها مادياً حتى تشكل منافساً قوياً للقطاع الخاص، وتتدخل بالسوق بشكل أوسع.
وفق الإمكانيات
يتفق محمود معيطة رئيس اتحاد فلاحي طرطوس مع الجمعية الفلاحية بأن الدولة غير مسؤولة عن تسويق المحاصيل الأساسية في المحافظة، فالمحصول الوحيد “المسؤولة الدولة عن تسويقه” هو (التبغ)، ويرى معيطة أن هناك جهات رسمية عديدة معنية بالتسويق، لكن كافة الجهات من مؤسسة الخزن والجمعيات التسويقية لم تتمكن من تسويق سوى كميات قليلة جداً، ولكل جهة مبرراتها الخاصة، ويعطي معيطة أمثلة عن تضاعف مستلزمات الإنتاج عبوة بذار بندورة أو خضار كانت في السابق بـ 250 ل.س، أما حالياً فوصل سعرها ما بين 20 إلى 25 ألف ليرة، العبوة الفارغة كانت بـ 14 ليرة أما الآن بـ 90 ليرة، والعبوة هي لصالح التاجر، ويخسر قيمتها المزارع.. شريحة النايلون قفز سعرها من 10 آلاف إلى 70 ألفاً، إضافة إلى أسعار المبيدات الزراعية، وتكلفة اليد العاملة، يضاف إلى ذلك قيام سوق الهال بحسم 6{844ffa2143412ea891528b2f55ebeeea4f4149805fd1a42d4f9cdf945aea8d4e}، وعن دورهم بهذا الخصوص بين معيطة أن اتحاد الفلاحين قام بالدور المطلوب منه وفق الإمكانيات الإدارية والمالية البسيطة، حيث قام عن طريق الجمعية التسويقية التابعة له في الموسم السابق بتسويق ألف طن حمضيات، و500 طن تفاح، و6 أطنان رمان، ولا تمتلك الجمعية المبالغ المادية التي تخولها بتسويق كميات أكثر مما سوقت، إضافة إلى عدم وجود وسائط نقل أو مقرات.

مقترحات وحلول
معيطة ذكر أن هناك العديد من المقترحات للنهوض بعملية التسويق كتكليف جهة رسمية تمتلك مقومات التسويق من خبرة، وأسطول نقل، وبرادات، ورأس مال، وقدرة على التصدير، إلى الداخل والخارج، ودعمها إعلامياً عن طريق وسائل الإعلام، وفي سفاراتنا في الخارج للتعريف بالمنتج السوري، إضافة إلى إشادة معامل عندما تسمح الظروف لتصنيع الفائض من الإنتاج كمعلبات عصير طبيعي، وضبط الأسعار، بحيث يكون السعر مناسباً لجهد الفلاح المنتج، والتاجر الوسيط، والمستهلك ذي الدخل المحدود، وتخفيض أسعار مستلزمات الإنتاج، بحيث يكون سعر المبيع من قبل الفلاح أكثر من التكلفة لكي لا يبيع بخسارة، وأن يمنح المصرف الزراعي قروضاً موسمية فقط لتجهيز البيوت المحمية.
بشكل مقتضب
وعند سؤال مديرية الخزن والتسويق في المحافظة عن دورها على اعتبار اتفاق آراء الجميع على أهمية دورها في عملية التسويق، جاءتنا الأجوبة عن أسئلتنا مقتضبة جداً، وبين رئيس الدائرة بأن مؤسسة الخزن والتسويق تقوم بتسويق المنتجات الزراعية بما يحقق إعطاء سعر مناسب للمزارع، ووصول المادة عن طريق طرحها في منافذ البيع التابعة للمؤسسة بأسعار مدروسة، كما يتم اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة عند العمل على تسويق أي منتج زراعي، وذلك من خلال دراسة كمية الإنتاج المتوقعة والنوعية، وارتفاع الأسعار، وتأمين وسائط النقل والعبوات اللازمة، بالإضافة إلى دور المؤسسة في حماية المنتجات الزراعية الأساسية، حيث إن تدخل المؤسسة في تسويق أي منتج زراعي يؤدي إلى حماية هذا المنتج بشكل جيد، مشيراً إلى أن الكميات المسوقة لهذا العام بلغت ما يقارب 160 طناً من الخضار، والمؤسسة حالياً تعمل لاستكمال الاستعدادات اللازمة لتسويق محصول التفاح، ومن ثم محصول الحمضيات، وذكر أنه لابد من إقامة سوق جملة نموذجي وفق المقاييس الدولية الحديثة كونه أمراً ضرورياً لعملية التسويق الداخلي والخارجي، وأن يكون للمؤسسة دور هام في هذا السوق.

حلقة مفرغة
واقع التسويق الزراعي يشير إلى أنه لا أفق لحل مشاكله، فالمؤسسة العامة للخزن والتسويق لم تجد خلال السنوات السابقة سوقاً خارجياً ثابتاً تستطيع من خلاله تصدير ما يفيض من المنتجات الزراعية، وكذلك وزارة الصناعة التي تتعرض مؤسساتها للخسائر المتلاحقة، ولعقود مضت، وعدم قدرتها على إصلاح شركاتها، وإيجاد صناعات حديثة تواكب وفرة هذه المنتجات، ناهيك عن دور “المطنش” الذي تلعبه وزارة الزراعة، وهي تفكر حتى اليوم في إيجاد آليات جديدة للتسويق من خلال عقد الاجتماعات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، في الوقت الذي يبقى فيه السماسرة هم سادة الموقف، وملك اللعبة في “شطرنج” تسويق المحاصيل الزراعية؟!.

طرطوس – ميس خليل

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك