
رغد خضور
تستعد دمشق لوضع رؤية حضرية وعمرانية جديدة تعيد النظر في آليات تخطيط المدينة وتحديد أولوياتها، بالاعتماد على البيانات والمشاركة المجتمعية، في ظل تحديات تتعلق بالنمو العمراني والخدمات والسكن والمناطق المتضررة وحماية النسيج التاريخي والبيئي.
وفي هذا السياق، أطلقت محافظة دمشق برنامج «دمشق تستعد» كمرحلة أولى من برنامج التطوير الحضري، بهدف توفير أدوات فنية تدعم اتخاذ القرار، وربط التخطيط باحتياجات السكان والواقع المكاني للمدينة، وصولاً إلى تحديد أولويات التطوير وإعادة التأهيل والاستثمار ضمن رؤية تراعي الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
التخطيط يبدأ من التشاركية والبيانات
وفي تصريح لـ«الثورة السورية»، ذكرت أروى شرف الدين، المشرف الفني لمسار الرؤية في برنامج التطوير الحضري، أن برنامج «دمشق تستعد» يمثل المرحلة الأولى من برنامج التطوير الحضري في دمشق، ويعمل مركزاً لدعم القرار وذراعاً استشارية للمحافظة، ومنصة للتشاركية وبيتاً للخبرة، بهدف تقديم أدوات فنية لمتخذ القرار تساعده على اتخاذ قرارات تعتمد على الأدلة وأدوات التخطيط.
وأوضحت أن البرنامج يأتي في ضوء التغيرات السياسية والقضايا الملحّة، وفي مقدمتها عودة السكان وتحسين نوعية الحياة ودخل الفرد، بما يؤدي إلى تعافٍ اقتصادي واجتماعي وبيئي منصف ومستدام، قائم على السياق المحلي ومملوك محلياً.
وأشارت شرف الدين إلى أن ما يميز منهجية التفكير في البرنامج هو ارتباطها بالمجتمع، والانتقال من التخطيط كحالة فوقية منفصلة عن همومه، تقوم على نظريات فلسفية لمدن مثالية، إلى منظومة قرار تبدأ من آراء المجتمع وتراعي مستويات عدة من التشاركية.
وبينت أن أولى ورشات البرنامج بدأت بالمفكرين الحضريين والنخبة، وضمت 150 خبيراً وممثلاً للمجتمع الدمشقي، على أن تتسع المشاركة لتشمل ورشات المحليات والجهات العامة وغيرها.
ويربط البرنامج التعافي وإعادة التأهيل بحقوق السكان ومنع الإزاحة، وفق شرف الدين، ويعمل على تشكيل وحدة دعم وخبرة مرتبطة بالحقوق والملكية في مدينة دمشق، خاصة مع وجود أكثر من 50 بالمئة من السكان في العشوائيات، إلى جانب مناطق مدمرة تحتاج إلى توثيق حقوق سكانها وملكياتهم، منعاً لتكرار أخطاء شهدتها مناطق سابقة جرى فيها تجاهل حقوق السكان وملكياتهم.
ولفتت إلى أن البرنامج يعتمد تكامل الحلول في مختلف القطاعات وفق تقاطع مكاني مدروس، بحيث لا يأتي الحل السياحي على حساب السكن في المدينة القديمة، أو الحل الاستثماري على حساب البيئة، وإنما يجري التعامل مع هذه القطاعات بصورة متكاملة، مع دراسة الأثر الاجتماعي والبيئي لكل منها.
وأكدت شرف الدين أهمية الاعتماد على بيانات دقيقة تستند إلى فهم المجتمع وخصوصية الأحياء، والعمل على إعادة الروابط الاقتصادية والاجتماعية التي فككها التخطيط السابق في بعض الأحيان، إلى جانب سد الفجوات المعرفية في البيانات بطرق علمية معروفة، وعدم استغلال نقصها لتوجيه التخطيط وفق آراء شخصية.
كما أشارت إلى أنه خلال فترات سابقة تم العمل على إقصاء الريف عن المدينة والتمييز بين الأحياء، والسماح بخلق تشكيل اجتماعي حول دمشق بشكل مقصود وموجه لتطويق المدينة وعزلها عن محيطها الحيوي والطبيعي.
وأضافت أن البرنامج ينطلق أيضاً من إدراك أن بعض حلول دمشق قد تكون خارج حدودها، نظراً إلى كونها العاصمة، وذلك من خلال طرح حلول تنموية في المدن السورية الأخرى، أو اعتماد حلول تقنية وإلكترونية للخدمات الإدارية.
المرصد الحضري.. من البيانات إلى القرار
وفيما يتعلق بالمرصد الحضري، لفتت شرف الدين إلى أنه سيعمل منصة موحدة للبيانات المكانية في المحافظة، بالتوازي مع تطوير حزمة من الخرائط الأساسية ومنتجات التحليل المكاني، لدعم قرارات التخطيط وتحديد أولويات الإعمار والاستثمار، إضافة إلى إعداد مؤشرات أساسية قائمة على هذه البيانات، بما يوفر مدخلات محدثة لاتخاذ القرار.
وأوضحت أن المرصد الحضري يمثل إحدى الشبكات العابرة للسياسات المكانية، وتستمر وظيفته في توفير البيانات والخرائط ومتابعة المشروعات التنفيذية بعد الانتهاء من إعداد الرؤية والمخطط التوجيهي، فيما تضع الرؤية الحوكمة والبيانات ضمن القضايا الأساسية، وتربطهما بمشروعات خاصة بالمرصد والرقمنة.
وعن انعكاس نتائج المرصد على توزيع الخدمات والمشروعات في أحياء دمشق، أوضحت شرف الدين أن الفكرة الأساسية تقوم على استخدام البيانات وتحويلها إلى قرارات مكانية، من خلال توفير قاعدة معلومات موحدة تساعد البرنامج والمحافظة على تحديد الاحتياجات والأولويات استناداً إلى المعطيات المتاحة.
وبينت أن المنهجية تعمل وفق سلسلة تبدأ بالبيانات، ثم المؤشرات وتحديد الأولويات، يليها الإسقاط المكاني وصولاً إلى المشروعات، ما يتيح معرفة المناطق التي تعاني أكبر فجوة في الخدمات أو الشبكات، والمواقع التي تواجه قيوداً مائية أو بيئية، وتوجيه مشروعات التحسين الحضري والاستثمار إلى المناطق ذات الحاجة والأولوية الأكبر، بدلاً من توزيعها وفق الانطباعات أو الضغط السياسي وحده.
وأضافت أن البيانات ستُحوّل إلى معلومات من خلال بناء مؤشرات مركبة لقياس الاختلال الخدمي، وفق معادلات ترتبط بعدد السكان والمستخدمين ونصف قطر التخديم، الذي يختلف بحسب طبيعة كل خدمة، ومنها الخدمات التعليمية والصحية والدينية.
وعن المعايير التي ستحدد أولوية إعادة تأهيل المناطق المتضررة، أوضحت شرف الدين أن اختيار الموقع داخل القطاع يستند إلى ستة معايير علمية أساسية، أولها الحاجة والفجوة، ويشمل حجم احتياجات السكن والشبكات والخدمات وإمكانية الوصول، إضافة إلى معيار المياه والبيئة المتعلق بالقدرة المائية والفاقد وحماية الغوطة والمخاطر البيئية.
وأضافت أن المعايير تشمل أيضاً الحقوق المرتبطة بالملكية والإشغال والعودة والهشاشة الاجتماعية، والتراث من حيث القيمة المادية واللامادية والمشهد العمراني، إلى جانب الاتصال الذي يأخذ في الحسبان القرب من النقل العام والمراكز والخدمات، وأخيراً الجدوى المرتبطة بالكلفة وتوفر الأرض والتمويل وإمكانية التشغيل.
حماية التراث وحقوق السكان
وفيما يتعلق بالموازنة بين إعادة الإعمار والحفاظ على النسيج العمراني التاريخي، قالت شرف الدين إن الرؤية الحضرية المعروضة تتعامل مع التراث باعتباره «تراثاً حياً»، بما يشمل حماية المباني والعناصر المادية، إلى جانب السكان الذين يعيشون في المناطق التاريخية والحرف التقليدية والمشهد العمراني ككل باعتباره أحد أصول المدينة.
وأشارت إلى أن القلب التاريخي المركزي يشكل أحد أهم ملامح الرؤية التي جرى التركيز عليها، إذ تجمع الرؤية في هذا الجانب السكن والصيانة والحرف والأسواق والمشهد والمجال العام، مع وضع ضوابط تمنع الإخلاء والتحول السياحي الأحادي.
وأكدت أن الرؤية تنص على أن إعادة الاستخدام يجب أن تتوافق مع قيمة المكان، وأن الحماية التراثية التي تفصل الأبنية عن السكان والحرف غير مقبولة.
تراكمات التخطيط وتحديات الاستدامة
يرتبط نجاح أي رؤية جديدة بقدرتها على معالجة المشكلات التي تراكمت في المدينة على مدى عقود، في وقت ما يزال فيه مشهد التخطيط العمراني الحالي في دمشق ضبابياً، رغم وجود العديد من الدراسات والخبرات الوطنية المنجزة، وفقاً لنائب عميد كلية الهندسة المعمارية بجامعة دمشق للشؤون العلمية، الدكتورة ريما حداد.
وفي حديثها لـ«الثورة السورية»، أشارت حداد إلى غياب رؤية واضحة ومستدامة تحدد ما ينبغي العمل عليه في المدينة، وأهم المحاور والملفات ونسب الإنجاز في أهداف التنمية المستدامة، مشددة على ضرورة تحديد برنامج دمشق تجاه أهداف التنمية المستدامة الـ17، ولا سيما ما يتعلق برفع نسب الاعتماد على الطاقة المتجددة، وزيادة المساحات الخضراء، وتقليل التلوث والفقر.
ولفتت إلى وجود أخطاء تخطيطية تراكمت وتحولت، نتيجة استمرارها لفترات طويلة، إلى مشكلات متجذرة وعميقة، ومنها التجاوزات والمخالفات بمختلف أشكالها المكانية والبصرية، والاعتماد لفترة طويلة على النهج التقليدي في التخطيط والتمسك بأداة المخطط التنظيمي، في حين تبنت دول عديدة رؤى تخطيطية جديدة عبر تغيير أدواتها وتطويرها.
وأضافت حداد أن الأخطاء تشمل أيضاً تداخل الصلاحيات ووجود عدة مؤسسات مسؤولة عن الملف نفسه، بما قد يؤدي إلى صراعات أو تنازع في الصلاحيات، إضافة إلى تعدد الأطراف في العملية التخطيطية، وطول مسار إعداد المخطط التنظيمي وتصديقه وتنفيذه، والمركزية الإدارية، وعدم تدريب الكوادر وخلق كوادر شابة تحمل فكراً متجدداً، وقلة التحديث أو غيابه، والتأخر في التحول الرقمي.
كما اعتبرت أن استمرار هذه الأخطاء طوال تلك المدة حولها إلى مشكلات عميقة، وجعل التعامل معها أمراً بالغ الصعوبة.
وحول برنامج «دمشق تستعد»، رأت حداد أنه يقدم طريقة جديدة للتعامل مع مسألة وضع رؤية للمدينة، معتبرة أن من أبرز نقاطه الإيجابية محاولته جمع العديد من الأصوات وتوفير مساحة أوسع للحوار وتعدد الأطراف، رغم اختلاف الآراء أو تعارضها.
ولفتت إلى أن البرنامج يسعى إلى فتح المجال أمام مختلف الخبرات والأصوات والمدارس التخطيطية، للاطلاع على أكبر قدر ممكن من وجهات النظر، كما يستعين بخبرات جامعة دمشق ويوجه الدعوات إلى المختصين في هذا المجال، مشيرة إلى مشاركتها في جلسة حول محور العمران والبيئة.
ورأت حداد أن تعدد الآراء ووجهات النظر قد يشكل في الوقت نفسه تحدياً أمام البرنامج، لجهة كيفية الوصول إلى منصة تحقق المصلحة العامة، وبلورة هذه الآراء ضمن رؤية محددة لمدينة دمشق أو متفق عليها بالأغلبية.
ونوهت بأن البرنامج الزمني يمثل تحدياً آخر، في ظل وجود متطلبات والتزامات تجاه المدينة التي لم تعد تحتمل المزيد من الوقت، في حين يحتاج إعداد الرؤية إلى اتباع منهجية واضحة، ما قد يؤدي، وفق رأيها، إلى إطالة مدة البرنامج للوصول إلى الهدف المطلوب.
وفيما يتعلق بإعادة تأهيل المناطق المتضررة والحفاظ على هويتها المعمارية، بينت حداد أن عملية إعادة التأهيل تقوم على أسس ومبادئ تعتمد على فهم سياق المناطق اجتماعياً واقتصادياً وفكرياً وثقافياً، ومعرفة تاريخها وطبيعة سكانها، والاستفادة من ذلك عند تحديد آليات إعادة تأهيلها.
وأوضحت أن عملية التشخيص تتطلب معرفة تاريخ المنطقة وسكانها وعاداتهم وثقافاتهم وخلفياتهم، مشيرة إلى وجود العديد من مشاريع التخرج التي تحاول الأجيال الشابة من خلالها تقديم أفكار لإعادة تأهيل المناطق المتضررة، انطلاقاً من فهم طبيعة سكان هذه المناطق وعاداتهم وتقاليدهم.
وأضافت أن ذلك يساعد على إعادة إحياء الهوية المعمارية للمناطق، وتحديد الجوانب السلبية لاستدراكها، والجوانب الإيجابية لتعزيزها وإظهارها ضمن هذه الهوية.
وحول المعايير الواجب اعتمادها عند إعادة بناء المناطق المتضررة وتحقيق التوازن مع الحفاظ على دمشق القديمة، أكدت حداد أن هذه المعايير تنطلق من مفهوم الاستدامة بأنواعها الرئيسية: الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وأوضحت أن ذلك يشمل القرب من الخدمات وأنصاف أقطار التخديم، ومدى توفر المساحات العامة والخضراء ونصيب الفرد منها، والقرب من الأسواق، وتوفير الخدمات بمختلف أشكالها، إلى جانب الجاذبية العمرانية وإدارة النفايات في المدينة والمرور والمواقف، معتبرة أن هذه المعايير تساعد في وضع تصور لإعادة بناء الأحياء المتضررة.
وبشأن الموازنة بين حماية المدينة القديمة والتطوير، أوضحت حداد أن تحقيقها يرتبط بالقرارات التخطيطية التي تتخذها السلطة المحلية لضمان حماية المدينة القديمة، على ألا تتحول هذه الحماية إلى قيد يمنع التطوير ومواكبة الحداثة.
وفيما يتعلق بمفهوم الأبنية المستدامة، رأت حداد أنه يرتبط بعدة جوانب، منها مواد البناء المستخدمة، وتقنيات إعادة التدوير، وتقنيات الطرقات المتجددة، وتنظيم الأسطح، والطابع العمراني، وعوامل الأمن والأمان، وهي جوانب تدخل ضمن مفهوم العمارة الخضراء أو الأبنية المستدامة.
وأشارت إلى إمكانية تطبيق هذا المفهوم في دمشق من خلال مزيد من التنظيم وفتح الأسواق، وإيجاد آليات تضمن ألا تكون هذه التقنيات مرتفعة الكلفة بما يحد من استخدامها، إلى جانب استقدام المواد اللازمة والتشجيع عليها وتقديم حوافز مقابل استخدامات معينة.
وشددت حداد على أن الإجراءات التي ينبغي تضمينها في أي مشروع عمراني يجب أن تصب في الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، موضحة أن تحقيق الاستدامة الاجتماعية يتطلب مشاركة المجتمع والاستماع إلى السكان الذين يُنفذ المشروع العمراني من أجلهم، بما يجعلهم معنيين به ومشاركين فيه وداعمين لقرارات السلطة المحلية.
وأضافت أن هذه المشاركة تسهم في جعل المجتمع والسلطة المحلية يعملان ضمن فريق واحد، بما يدعم استدامة المشروع، فيما ترتبط الاستدامة الاقتصادية بمدى توفيره فرص العمل وجذب الاستثمارات لصالح المجتمع والمصلحة العامة، وترتبط الاستدامة البيئية بالإجراءات والتقنيات المتبعة للحفاظ على الموارد وإتاحتها للأجيال القادمة.
من إعادة البناء إلى إعادة التنظيم
يرى المختص في تخطيط المدن، المهندس عمر القوتلي، أن الإنسان يجب أن يكون الهدف الرئيسي من جميع الدراسات المتعلقة بمدينة دمشق، بما يتطلب إعادة إنتاج المدينة المعاصرة من منطلق إنساني وبيئي يحمي الإنسان والأجيال القادمة.
وأوضح القوتلي لـ«الثورة السورية» أن دمشق لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء ما تضرر، وإنما إلى إعادة تنظيم طريقة نمو المدينة في ظل مشكلات متراكمة في المرور والسكن والبيئة والعشوائيات والخدمات، مؤكداً أن معالجة هذه الإشكاليات لا يمكن أن تتم من خلال مشروعات منفصلة عن الواقع أو غير مندرجة ضمن استراتيجيات التطوير المتكامل والعلمي للمدينة، أو عبر مشروعات استهلاكية لا تحمل في مضمونها أبعاداً ثقافية واجتماعية وجمالية.
وشدد على ضرورة تقديم دراسات عمرانية قيمية تشكل قاعدة تقدم قيمة مضافة للمدينة على الصعيد الفكري والاجتماعي والبيئي، ووجود رؤية تمتد لعقود تربط النقل والسكن والبيئة باستعمالات الأراضي.
كما دعا إلى نقل الإدارات والمؤسسات، ولا سيما التي تستقبل المراجعين من المدينة ومحيطها القريب والبعيد، نظراً إلى ما تشكله من عبء بيئي ومروري وزيادة في نسب التلوث، بما يسهم في تخفيف الضغط السكاني عن المدينة.
وفيما يتعلق بالفرق بين التخطيط التقليدي والتخطيط المبني على البيانات، أوضح القوتلي أن التخطيط التقليدي يعتمد بدرجة كبيرة على التقديرات والمخططات الثابتة، في حين يقيس التخطيط المبني على البيانات ما يحدث فعلياً داخل المدينة، من خلال تحديد أماكن تركز الازدحام ونقص السكن والخدمات، ورصد تغير الكثافات والمخالفات، ما يجعل القرارات أكثر دقة وأقل عشوائية.
وحول أهمية وجود مرصد حضري، اعتبر القوتلي أنه يمثل مختبراً للمدينة، يجمع البيانات المتعلقة بالسكان والنقل والبيئة والعمران، ويحولها إلى مؤشرات تساعد المسؤول على تحديد مواقع المشكلات، وقياس مدى تحقيق السياسات والمشروعات لنتائجها، وتقييم قدرة المشروعات المقترحة على أداء دور إيجابي في بناء مستقبل المدينة بمختلف مكوناته.
وعن أبرز التجارب العالمية التي يمكن لدمشق الاستفادة منها، أشار القوتلي إلى تجارب المدن اليابانية في إعادة الإعمار وإدارة الأراضي والبيانات، وكوبنهاغن في النقل والمشاة، وبرشلونة في إعادة تنظيم النسيج العمراني للمدينة، وخاصة البلوكات التي أوجدها مخطط سيردا (CERDA PLAN) بما يتماشى مع المتطلبات المعاصرة والمستدامة، إضافة إلى باريس في إدخال المفهوم الإيكولوجي الحضري، ولندن في إدارة النقل.
وأكد أن دمشق لا ينبغي أن تنسخ أياً من هذه التجارب، وإنما تستفيد منها بما يتناسب مع خصوصيتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية.
وفيما يتعلق بالمخاطر التي قد تعيق تنفيذ الرؤية، رأى القوتلي أن أخطرها أن تبقى الرؤية وثيقة دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ، إلى جانب ضعف التمويل، وتضارب الصلاحيات والمستثمرين، واستمرار المخالفات، وغياب البيانات الدقيقة.
وأشار إلى أهمية تجنب إعادة الإعمار وبناء مكونات المدينة بطريقة تعيد إنتاج مشكلات الماضي عوضاً عن معالجتها.
وشدد القوتلي على ضرورة عدم قياس نجاح الرؤية بعدد الأبنية والطرق المنفذة أو المشروعات الاستثمارية التي لا تحقق جدوى، وإنما بمقدار التغير الذي ينعكس على حياة المواطن، من حيث زمن التنقل، وتحسن النقل العام، وزيادة المساحات الخضراء، وتراجع مساحة المخالفات والعشوائيات، وتحسن جودة البيئة والخدمات. الثورة السورية









