
قضت محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، اليوم الإثنين، بالسجن المؤبد مدى الحياة على المتهم أحمد حسون مفتي النظام البائد ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة، بعد إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب بحق الشعب السوري خلال عهد النظام البائد، وذلك خلال الجلسة السادسة من المحاكمة المخصصة للتدقيق والنطق بالحكم.
وترأس الجلسة القاضي فخر الدين العريان وحضرها عدد من أعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وممثلون عن منظمات قانونية وإنسانية دولية.

وأشار القاضي العريان في مستهل الجلسة إلى السياق التاريخي للدعوى وقال: في بداية عام 2011 خرجت مظاهرات سلمية في عدد من المحافظات السورية مطالبةً بالإصلاح، وقد واجهتها القوات الأمنية والعسكرية باستخدام الرصاص الحي والأسلحة الفتاكة، وقد سخر النظام مختلف القوات العسكرية والأجهزة الأمنية في عمليات القمع إلى جانب تشكيلات مسلحة غير نظامية وميليشيات استقدمت من خارج البلاد، وقد ارتُكبت أفعال شملت القتل واسع النطاق والتعذيب والعنف الجنسي والنهب وتدمير الممتلكات والتهجير والإخفاء القسريين بحق السكان المدنيين، وذلك على نحو شكّل هجوماً واسع النطاق ومنهجياً موجهاً ضد السكان المدنيين.
مؤسسة الإفتاء وفرت غطاء للعمليات العسكرية
وأضاف القاضي العريان: وتشير المعطيات إلى أن المؤسسة الدينية الرسمية وعلى رأسها دار الإفتاء في الجمهورية العربية السورية قد وُظّفت ضمن هذه السياسة العامة لإعطاء غطاء ديني للعمليات العسكرية والأمنية وتبريرها أمام الرأي العام ومن بين ما نسب إليها تبريرها لاستخدام البراميل المتفجرة، وهي ذخائرٌ غير موجهة يؤدي إلقاؤها على المناطق المأهولة إلى إحداث دمار واسع وعشوائي لا يميز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، بما يشكل انتهاكاً لمبدأ التمييز وحظر الهجمات العشوائية المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني.
ولفت القاضي العريان إلى أنه بحسب قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان تم توثيق مجزرة بحق المدنيين خلال فترة زمنية أعقبت تصريحات للمتهم يحرض فيها على القتل وتزامنت مع موجة تصعيد لاحقة لها، وذلك في الفترة ما بين 23 أيلول و24 تشرين الأول عام 2019، مبيناً أن المتهم ظهر في مقطعٍ مصورٍ مع عصام زهر الدين وهو ضابط هالك بالنظام البائد وينسب إليه ارتكاب جرائم حرب وانتهاكات بحق السوريين وهو يدعو له بالتوفيق والحماية والنصر.
مبالغ مالية وهدايا لإخلاء سبيل موقوفين
وأكد القاضي ثبوت تلقي المتهم مبالغ مالية وهدايا عينية من أجل إخلاء سبيل موقوفين مدنيين عند الأجهزة الأمنية للنظام البائد.
دعم مالي لـ”لواء القدس” وتحريض على استخدام القوة والعنف
وأشار إلى إقدام المتهم بصورة دورية على تقديم دعم مالي لقيادة وعناصر لواء القدس وهو تشكيلٌ مسلح شارك في العمليات العسكرية التي شهدت ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق السكان المدنيين.

وقال القاضي العريان: تؤكد المحكمة أن هذا الدعم لم يكن عملاً اجتماعياً أو خيرياً مجرداً وإنما شكّل مورداً مادياً ساهم في تعزيز قدرة ذلك التشكيل على الاستمرار في نشاطه العسكري، لافتاً إلى أن المتهم ظهر في تسجيلات مصورة يثني فيها على التدخل الإيراني والروسي في سوريا، وتضمنت تصريحات وخطابات متكررة له دعوات صريحة أو ضمنية لاستخدام القوة والعنف ضد فئات محددة من الأشخاص.
وبيّن القاضي أنه ثبت للمحكمة أن الأفعال موضوع الدعوى وقعت في سياق نزاع مسلح غير دولي واسع النطاق شهد ارتكاب جرائم قتل وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين وأن المتهم كان عالماً بحكم موقعه وصفته بطبيعة القوى المخاطبة والأفعال التي ترتكبها ومع ذلك صدرت عنه عبارات من شأنها تعزيز عزيمة المنفذين أو إضفاء المشروعية على أفعالهم أو تشجيعهم على الاستمرار فيها.
المساعدة والتشجيع والدعم المعنوي
ولفت إلى أن المحكمة ترى أن الوقائع الثابتة في هذه الدعوى تقوم على نظرية المساعدة والتشجيع والدعم المعنوي، ولا سيما أن جانباً أساسياً منها يتمثل في أفعال قولية وعلنية تشكّل مساهمة فعلية في ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
أفعال المتهم جرائم حرب وضد الإنسانية لا يشملها التقادم أو العفو العام

وأضاف القاضي: لذلك تقرر المحكمة أن الأفعال الثابتة بحق المتهم تشكل أفعالاً تندرج ضمن إطار جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في سياق نزاعٍ مسلحٍ واسع النطاق ومنهجي، ولمّا كانت هذه الجرائم من الجرائم التي استقر القانون الدولي العرفي والاتفاقي على عدم جواز إفلات مرتكبيها من العقاب فإن الدعوى العامة لا يشملها التقادم ولا العفو العام، كما تقرر المحكمة عدم منح المتهم الأسباب المخففة التقديرية المنصوص عنها في المادة “244” من قانون العقوبات العام، وذلك بالنظر إلى جسامة الأفعال الثابتة بحقه والتي تُكيّف قانوناً بوصفها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
الحكم.. السجن المؤبد ومصادرة الأموال
وتابع: عملاً بأحكام المواد “533” و”298″ و”307″ و”342″ و”216″ و”218″ من قانون العقوبات العام، والمواد “309” و”310″ وما بعدها من قانون أصول المحاكمات الجزائية، وباسم الشعب العربي في سوريا تقرر بالإجماع ما يلي:
أولاً: تجريم المتهم أحمد بدر الدين حسون ابن محمد أديب والدته حميدة تولد 1949 بجناية الاعتداء الذي يستهدف إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي والمعاقب عليها بموجب المادة”298″ بدلالة المادة “216” من قانون العقوبات العام، والحكم عليه من أجل ذلك بالسجن المؤبد مدى الحياة.
ثانياً: تجريمه بجناية التحريض على القتل قصداً والمعاقبة عليها بموجب المادة”533″ بدلالة المادة”216″ من قانون العقوبات العام، والحكم عليه من أجل ذلك بالسجن المؤقت 20 سنة.
ثالثاً: تجريمه بجناية التدخل الأصلي بالقتل قصداً وفق أحكام المواد “533” بدلالة المادة 218 فقرة (ب- د) من قانون العقوبات، والحكم عليه من أجل ذلك بالسجن 10 سنوات.
رابعاً: إدانته بجرم إساءة استعمال الوظيفة المعاقب عليها بموجب المادة “342” من قانون العقوبات العام تبديلاً للوصف الجرمي من المادة “347”، والحكم عليه من أجل ذلك بالسجن المؤقت 3 سنوات، وبالغرامة البالغة 3 أضعاف قيمة ما أخذ، وقدرها 195 ألف دولار أمريكي.
خامساً: إدانته بجرم إثارة النعرات المذهبية والعنصرية المنصوص عليه في المادة”307″ من قانون العقوبات العام، والحكم عليه من أجل ذلك بالحبس 6 أشهر والغرامة ألف ليرة سورية، والحرمان من الحقوق المدنية عملاً بالمادة “65” من قانون العقوبات العام.
سادساً: دغم العقوبات المانعة للحرية وتنفيذ الأشد وهي السجن المؤبّد مدى الحياة عملاً بالمادة “204” من قانون العقوبات العام، وجمع الغرامات وتنفيذها.
سابعاً: تؤكد المحكمة على حرمان المحكوم عليه من الاستفادة من أي عفو عام وخاص، ومن إطلاق السراح المشروط، ومن وقف تنفيذ العقوبة ووقف الحكم النافذ، وذلك نظراً لجسامة الأفعال الثابتة بحقه، والتي تكيّف قانوناً بوصفها جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
ثامناً: إلزامه بالتعويض للمدعين الشخصيين الذين قبلت دعواهم وفق الجدول المرفق بباب التعويضات المدنية.
تاسعاً: الاحتفاظ بحقوق كل متضرر لم يدّع شخصياً حتى تاريخه، ولذوي الضحايا و المفقودين، بالمراجعة أمام المرجع لقضائي المختص، ولا يحول هذا الحكم دون ذلك.
عاشراً: تثبيت الحجز الاحتياطي الواقع على أموال المحكوم عليه المنقولة وغير المنقولة وقلبه إلى حجز تنفيذي.
أحد عشر: مصادرة أموال المحكوم عليه المنقولة وغير المنقولة لصالح الخزانة العامة، وذلك بعد أن يتم تنفيذ فقرات الإلزامات المدنية.
اثنا عشر: الاحتفاظ بحق الجهات الرسمية المختصة بالمراجعة والمطالبة بما لحق بالمال العام وبالمرافق العامة من أضرار.
ثلاثة عشر: الاحتفاظ بحق النيابة العامة في تعقب سائر المسؤولين والمساهمين و الشركاء الذين لم تشملهم هذه الملاحقة، وفتح ملفات بحقهم كلما توافرت الأدلة لذلك.
أربعة عشر: استمرار سريان تدابير حماية الشهود المقررة أثناء المحاكمة بعد صدور هذا الحكم.
خمسة عشر: حفظ الهويات الحقيقية للشهود المشمولين بالحماية في ملف سري مغلق لدى ديوان المحكمة، لا يُطّلع عليه إلا بقرار قضائي معلّل.
ستة عشر: حظر نشر أو تداول أو إذاعة أي بيان من شأنه الكشف عن هوية شاهد مشمول بالحماية أو عن مكان إقامته تحت طائلة المساءلة القانونية.
سبعة عشر: تضمين المحكوم عليه الرسوم والنفقات القضائية، قراراً وجاهياً بحق النيابة العامة، والجهة المدعية والمتهم وبمثابة الوجاهي بحق المدعين الغائبين قابلاً للطعن بالنقض.
بدء المحاكمة وأبرز التهم
وكانت عقدت أولى جلسات محاكمة حسون في الـ25 من حزيران الماضي ويواجه تهماً عدة أبرزها:
-استغلال منصبه كمفتٍ للجمهورية لمصالحه الشخصية وإقامة علاقات موسعة خارج إطار العلاقة الرسمية مع رأس النظام المخلوع بشار الأسد، ومع مدير إدارة المخابرات العامة علي مملوك، وكبار ضباط الجيش، وزعماء الميليشيات الطائفية التي كانت تقاتل في سوريا.
-حث عناصر وضباط جيش النظام البائد على دعم النظام في مواجهة معارضيه.
- الإدلاء بتصريحات إعلامية تضمنت تحريضاً على المدنيين في المناطق الثائرة واللاجئين الفارين من بطش النظام البائد، ولا سيما في حلب الشرقية وإدلب، كما تضمنت طلباً من جيش النظام بتدمير هذه المناطق.
-التأييد العلني بصفته الرسمية والرمزية كمفتٍ للجمهورية لضباط وشخصيات متورطة بجرائم حرب، من بينهم عصام زهر الدين وقاسم سليماني، إضافة إلى تأييده التدخلين الروسي والإيراني في سوريا، رغم ما ارتكبته تلك القوات والميليشيات من انتهاكات ومجازر بحق السوريين.
وتأتي محاكمة حسون استكمالاً لمسار العدالة الانتقالية لمحاسبة المتورطين بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري في عهد النظام البائد.
وكانت قضت محكمة الجنايات الرابعة في الـ18 من آب الجاري بإعدام وسيم الأسد ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة، لإدانته بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، كما أصدرت في الـ11 من الشهر نفسه حكماً بالإعدام حضورياً بحق المتهم عاطف نجيب، وغيابياً بحق المجرمين الفارين بشار الأسد وماهر الأسد وخمسة مجرمين فارين آخرين، لإدانتهم بارتكاب جرائم قتل وتعذيب وحرمان من الحرية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.
سانا









