
بين «إكرامية» تُدفع بعد إنجاز معاملة، و«هدية» تُقدّم لموظف، ومبلغ مطلوب تحت عنوان «تيسير الأمور»، تتعدد المسميات التي يستخدمها البعض للتخفيف من حقيقة ممارسات قد تدخل في نطاق الرشوة عندما ترتبط بالوظيفة العامة أو تكون مقابلاً لإنجاز عمل من أعمالها.
ولا تقف المسألة عند اختيار الكلمات، إذ يمكن لتكرار استخدام هذه المسميات أن يمنح ممارسات مخالفة غطاءً اجتماعياً يجعلها أكثر قبولاً، وصولاً إلى شعور بعض المراجعين بأن دفع مبلغ إضافي جزء من الطريق الطبيعي لإنجاز معاملاتهم، رغم أن الحصول على الخدمة العامة حق لا يفترض أن يرتبط بأي مقابل خارج الرسوم المحددة قانوناً.
ومن هذه الزاوية أطلقت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش سلسلة توعوية أسبوعية حملت عنوان «سمِّها باسمها»، في محاولة لإعادة تعريف بعض الممارسات بأسمائها الحقيقية، بالتوازي مع تعزيز قنوات التواصل وتلقي الشكاوى من المواطنين.
الاسم لا يغيّر حقيقة الفعل
مدير مديرية الإعلام في الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش مؤيد حمادة يوضح لـ«الثورة السورية» أن السلسلة تنطلق من ظاهرة لا تحتاج إلى إحصاء لإثبات وجودها، في ظل تداول ألفاظ مثل «الإكرامية» و«الهدية» و«تيسير الأمور» واستخدامها أحياناً لتجميل أفعال يجرّمها القانون.
ويرى حمادة أن «الاسم المجمّل هو أول خطوة في تبرير الفعل، ومع التكرار يتحول إلى عادة»، موضحاً أن السلسلة جاءت لإعادة الأفعال إلى أسمائها الحقيقية، انطلاقاً من أن ما يُسمّى بوضوح يصبح أصعب تبريراً.
ويأتي إطلاقها، بحسب حمادة، ضمن توجه الهيئة لتعزيز تواصلها مع المواطنين بعد إطلاق منصة الشكاوى الإلكترونية، على أساس أن إدراك المواطن لحقيقة الممارسة التي يتعرض لها يشكل خطوة تسبق اتخاذ قرار الإبلاغ عنها.
ولا تتوقف المصطلحات التي ترصدها الهيئة عند «الإكرامية»، إذ يضع حمادة «الهدية» و«الحلوان» و«تيسير الأمور» ضمن أكثر المسميات تداولاً، مؤكداً أنها تكون في حقيقتها رشوة حين تُقدم لموظف عام بسبب وظيفته أو مقابل عمل من أعمالها.
وتتسع السلسلة لتتناول أشكالاً أخرى من المخالفات التي قد تختبئ خلف مسميات متداولة اجتماعياً أو وظيفياً، ويشير حمادة إلى «الواسطة» التي قد تخفي المحسوبية، و«السلفة من الصندوق» التي قد تخفي اختلاساً، على أن تتناول الحلقات هذه الألفاظ تباعاً.
ووفق الخطة التي تحدث عنها، ستنتقل السلسلة تدريجياً من ألفاظ الحياة اليومية إلى ما يجري عند نوافذ تقديم الخدمات، ثم إلى المصطلحات والممارسات داخل الدوائر العامة والشؤون المالية والمشتريات، مع اعتماد قاعدة مفادها أن تغيير اسم الفعل لا يغيّر حقيقته.
ووفق حمادة، لا تستهدف الحملة جهة عامة أو قطاعاً أو أشخاصاً بعينهم، فهي تركز على الأفعال وتخاطب طرفي المعاملة، الموظف والمواطن، بينما تبقى الوقائع المتعلقة بأشخاص أو جهات محددة ضمن إجراءات التحقق الرسمية وليس المحتوى الإعلامي للسلسلة.
المساءلة تطال الآخذ والدافع
ومن القضايا التي تطرحها السلسلة مسؤولية طرفي عملية الرشوة، وعدم حصرها بالموظف الذي يتلقى المال أو يطلبه.
ويشير حمادة إلى أن قانون العقوبات يعاقب الموظف الذي يطلب المنفعة أو يقبلها، حتى عندما يقتصر الأمر على الطلب دون قبض شيء، كما يعاقب من يقدمها بالعقوبة ذاتها، ومن يعرضها حتى لو رفضها الموظف، وهو ما اختصرته الحلقة الأولى من السلسلة بعبارة: «يُحاسَب عليها من يأخذها ومن يدفعها».
وفي المقابل، تحاول الهيئة، وفق حمادة، ألا تقدم المواطن في خطابها باعتباره متهماً، وإنما شريكاً في مواجهة الممارسة عندما يرفض الدفع ويلجأ إلى قنوات الإبلاغ الرسمية.
وتطرح هذه النقطة جانباً مهماً في التعامل مع الرشوة اليومية، إذ إن مواجهة الظاهرة لا تتصل بملاحقة الموظف المخالف وحده، وإنما بكسر دائرة يصبح فيها الدفع متوقعاً من المراجع، والقبول به أو طلبه ممارسة قابلة للتكرار.
ماذا يفعل المواطن عند طلب المال؟
عندما يطلب موظف مبلغاً أو هدية مقابل إنجاز معاملة، تحدد الهيئة منصة الشكاوى الإلكترونية على موقعها الرسمي باعتبارها القناة الرئيسة لتقديم الشكوى، وهي المنصة التي أطلقتها في أيلول 2025، وتتيح للمواطن تقديم شكواه ومتابعة مراحل معالجتها.
ويصبح التحقق من الشكوى أسرع كلما كانت مكتملة التفاصيل، ومن بينها اسم الجهة والقسم، وتاريخ الواقعة ومكانها، ورقم المعاملة، ووصف ما طُلب من المواطن، إلى جانب أي وثيقة أو شاهد متاح، وفق حمادة.
والأصل، بحسب ما يوضحه، أن تكون الشكوى موقعة باسم صاحبها، في حين لا يُنظر في الشكوى التي لا تحمل اسماً إلا عندما تكون مرفقة بأدلة تدعم مضمونها.
لكن طلب الرشوة لا يترك دائماً مستنداً أو أثراً مادياً، فكثير من هذه الوقائع يجري شفهياً، وهو ما يثير سؤالاً عن قدرة المواطن على الإبلاغ عندما لا يمتلك تسجيلاً أو وثيقة تثبت ما جرى.
ويؤكد حمادة أن عدم وجود دليل مادي مباشر لا يعني إهمال البلاغ، إذ يجري تقييم كل واقعة في ضوء المعلومات والقرائن والشهادات المتاحة، وتتخذ الهيئة إجراءات التحقق وفق الأصول.
وتصبح التفاصيل في هذه الحالات عنصراً أساسياً في البلاغ، بدءاً من موعد طلب المبلغ ومكانه، مروراً بالعبارات المستخدمة، وصولاً إلى الأشخاص الذين كانوا حاضرين أثناء الواقعة.
ويضرب حمادة مثالاً بعبارة «المعاملة تحتاج إلى تيسير»، التي يمكن أن تشكل معلومة مهمة ضمن سياق البلاغ، مع ضرورة الفصل بين تلقي الشكوى وثبوت المخالفة، إذ يبقى البلاغ نقطة بدء للتحقق وليس حكماً مسبقاً على الموظف المشكو منه.
الشكوى لا تصل إلى الجهة المشكو منها
ويبقى الخوف من انعكاس الشكوى على معاملة المواطن أو تعرضه للضغط أحد العوامل التي قد تدفع بعض المتضررين إلى التردد في الإبلاغ، خصوصاً عندما تكون معاملاتهم لا تزال قيد الإنجاز لدى الجهة ذاتها.
وفي هذا الجانب، يشير حمادة إلى أن منصة الشكاوى صُممت للعمل ضمن بيئة رقمية تحفظ الخصوصية والسرية وتحمي هوية المشتكي والمبلّغ، وأن البلاغ يصل إلى الهيئة مباشرة وليس إلى الجهة المشكو منها.
وعندما تقتضي المصلحة العامة ذلك، يوضح أن الهيئة تمتلك بموجب قانونها صلاحية كف يد العامل عن العمل، كما يعد أي تعطيل متعمد لمعاملة المبلّغ أو تضييق عليه بسبب البلاغ مخالفة مستقلة تضاف إلى الملف.
وتنصح الهيئة المواطنين الذين ما تزال معاملاتهم قيد الإنجاز بالإشارة إلى ذلك ضمن الشكوى وإضافة رقم المعاملة، حتى يؤخذ هذا الأمر في الحسبان أثناء المتابعة.
التوعية والرقمنة لتقليل منافذ الرشوة
ولا تقدم الهيئة سلسلة «سمِّها باسمها» بديلاً عن إجراءات الرقابة والتفتيش، إذ يؤكد حمادة استمرار الهيئة في ممارسة اختصاصاتها، بما يشمل متابعة الشكاوى والتحقيق فيها والإحالة إلى القضاء عند ثبوت المخالفات.
ويضع العلاقة بين المسارين في إطار متكامل، فالرقابة تحاسب على الفعل بعد وقوعه، فيما تسعى التوعية إلى منع وقوعه، وإلى أن يصبح رفضه سلوكاً اجتماعياً لا قراراً فردياً.
ويقول حمادة إن أثر السلسلة لا يُقاس بعدد المشاهدات وحده، وإنما بمدى وصول رسالتها وتغيّر اللغة المستخدمة تجاه هذه الممارسات، بحيث يتردد الناس قبل تسمية الرشوة «إكرامية».
وتراقب الهيئة أثر السلسلة من خلال مجموعة من المؤشرات، من بينها نسبة إكمال مشاهدة حلقاتها، وحجم مشاركتها، والمصطلحات الجديدة التي يقترحها المتابعون، إضافة إلى مستوى الإقبال على منصة الشكاوى.
وفي موازاة ذلك، تنشر الهيئة إحصائيات شهرية عن عملها الرقابي، مع الإشارة إلى أن ارتفاع عدد البلاغات لا يعني بالضرورة ارتفاع معدلات الفساد، إذ يمكن أن يكون مؤشراً إلى زيادة ثقة المواطنين بقنوات الإبلاغ أو ارتفاع مستوى الوعي بها.
ويبقى الجانب الوقائي مرتبطاً أيضاً بالإجراءات التي يمر بها المواطن للحصول على الخدمة، ولا سيما عندما تكون طويلة أو معقدة أو تتطلب احتكاكاً متكرراً مع الموظفين.
ويضع حمادة تبسيط الإجراءات ورقمنتها ضمن المسار الموازي للتوعية، موضحاً أن من صلب اختصاص الهيئة دراسة الإجراءات المعمول بها لدى الجهات العامة وكشف الثغرات واقتراح معالجتها.
وتقلل الرقمنة وتبسيط الإجراءات من التعقيد والاحتكاك المباشر غير الضروري بين الموظف والمراجع، وهما من المداخل التي يمكن أن تهيئ بيئة لمثل هذه الممارسات، وفقاً لحمادة.
وتكشف هذه المقاربة أن مواجهة «الإكرامية» تتجاوز لحظة انتقال المال من يد إلى أخرى، لتشمل الإجراءات التي تسبق تلك اللحظة، ومدى وضوحها، وعدد المراحل التي يحتاجها المواطن لإنجاز معاملته، وحجم الاتصال المباشر المطلوب مع الموظفين.
وفي المحصلة، تحاول سلسلة «سمِّها باسمها» نقل النقاش من التسميات المخففة إلى حقيقة الممارسة نفسها، فيما يبقى الاختبار الأوسع مرتبطاً بقدرة الرقابة والإجراءات الإدارية والرقمنة وقنوات الشكاوى على تقليل المساحات التي تسمح بتحول الدفع مقابل الخدمة إلى سلوك متكرر.
فالخدمة العامة، وفق الرسالة التي تطرحها الهيئة، حق لا يُشترى، وكسر العرف المرتبط بـ«الإكرامية» يحتاج إلى مسارين متلازمين: موظف لا يطلب مقابلاً خارج القانون، ومواطن يعرف حقه ويرفض الدفع ويلجأ إلى الإبلاغ عندما يتعرض لمثل هذه الممارسة.
الثورة









