تخطى إلى المحتوى

بين الانكماش وتراجع الإنتاجية.. ملامح الاقتصاد السوري وخارطة التعافي  

يعاني الاقتصاد السوري من حالة انكماش واضح، تتجلى في تراجع الإنتاجية، وضعف القدرة الشرائية، ومحدودية الاستثمارات. ويبدو الواقع الاقتصادي متردياً، وهو نتاج عدة عوامل، منها سوء الإدارة والتخطيط في بعض المواقع، وليس انتهاءً بالفساد في مواقع أخرى.

وعن هذا الموضوع، كان للباحث الاقتصادي والاختصاصي في التخطيط الاستراتيجي مهند الزنبركجي حديث لـ«الحرية»، حيث تحدث بشفافية في توصيفه المشهد، قائلاً: «يمكننا وصف الحالة الاقتصادية السورية حالياً بأنها حالة من الانكماش الإنتاجي، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وتزايد الضغوط المعيشية». ويعود ذلك إلى أسباب عديدة.

غياب التخطيط

تفتقر السياسات الحكومية إلى «خارطة طريق» اقتصادية تربط بين المسارات المالية والنقدية والإنتاجية.

ووفق الباحث الاقتصادي الزنبركجي، يؤدي اتخاذ القرارات بصفة منفصلة، مثل رفع أسعار الطاقة دون مراعاة أثرها على تكاليف الإنتاج والقدرة الشرائية، إلى نتائج عكسية، حيث يتم سحب السيولة من السوق، ما يفاقم الركود والتضخم.

عشوائية إدارة الموارد

ولفت الزنبركجي إلى موضوع توزيع الموارد المحدودة على قطاعات متعددة، بدلاً من حصرها في المشاريع ذات القيمة المضافة العالية أو البنية التحتية الأساسية، وكذلك ضعف الجدوى، حيث تعاني إدارة المشاريع العامة من غياب دراسات الجدوى الحقيقية ومؤشرات الأداء، ما يحول العديد من الاستثمارات الحكومية إلى أعباء مالية بدلاً من أن تكون محركات للنمو.

أزمة البيانات والشفافية

وأوضح الزنبركجي أن السياسة الاقتصادية تُدار في غياب بيانات موثوقة ومتاحة، مثل مؤشرات التضخم والإنتاج والالتزامات المالية، هذا الغياب يمنع اتخاذ قرارات مبنية على حقائق، ويُفقد المستثمرين والمواطنين الثقة في القرارات الحكومية، ويصعّب تقييم الأداء أو محاسبة المقصرين.

عوائق البيئة الاستثمارية

تساهم البيروقراطية المؤسسية، وتداخل الصلاحيات، وبطء الإجراءات الإدارية حسب الباحث الزنبركجي في طرد الاستثمارات، حيث يرى المستثمر في التعقيدات الإدارية تكاليف إضافية ومخاطر تدفعه للعزوف عن السوق، ما يحرم البلاد من فرص عمل حقيقية.

ولا يقتصر الإصلاح المالي على جباية الإيرادات، بل يتطلب إعادة هيكلة نوعية الإنفاق. يجب توجيه الأموال نحو القطاعات المنتجة، كالتعليم والصحة والبنية التحتية، وإخضاع المؤسسات العامة الخاسرة لمعالجات هيكلية جذرية، بدلاً من مجرد دعمها، لضمان تحولها إلى وحدات ذات جدوى اقتصادية.

ومن وجهة نظر الزنبركجي تتطلب استعادة العافية الاقتصادية في سوريا إلى تبني سياسة متوازنة، من خلال اعتماد استراتيجية تقوم على عدة عوامل.

التصنيف الجمركي والتجاري

من خلال التمييز بين السلع الأساسية غير المتوفرة محلياً، والمواد الأولية اللازمة للصناعة، والسلع التي يمكن استبدالها ببدائل محلية ذات جودة تنافسية. بموازاة تطبيق قوانين واضحة لمكافحة الإغراق والممارسات غير العادلة، بالتوازي مع منح القطاعات الإنتاجية الوطنية مهلة زمنية كافية لتطوير تقنياتها وخفض تكاليفها.

التركيز النوعي

ولفت الباحث الاقتصادي إلى أهمية التركيز النوعي والتخلي عن محاولة «إنتاج كل شيء»، والتركيز بدلاً من ذلك على القطاعات ذات الجدوى الاقتصادية العالية، كالصناعات الغذائية والنسيجية والدوائية، بالإضافة إلى الزراعة والسياحة والخدمات اللوجستية والتقنية.

إشراك القطاع الخاص

وختم الباحث الزنبركجي قائلاً إن بناء اقتصاد حديث لا يتوقف عند إصلاحات أحادية الجانب، كتعديل الرواتب أو تحرير الأسعار، بل يتطلب مقاربة شاملة تصل إلى قواعد تتضمن الشفافية والمنافسة في نشر العقود، ووضوح معايير التراخيص، والتدقيق الصارم، والأهم العدالة والرقابة من خلال تفعيل القضاء المستقل، وحماية المبلغين عن الفساد، وضمان تساوي الجميع أمام القانون.

وأشار إلى أهمية التركيز على الكفاءة والتخلي عن المحسوبية والاعتماد على الكفاءات المتخصصة في المواقع الإدارية والاقتصادية، ويكون ذلك بمسؤولية مشتركة بين الحكومة وبمشاركة القطاع الخاص، الذي يجب ألا تكمن وظيفته في السعي خلف الأرباح، وإنما في الاستثمار الحقيقي في الإنتاج والتدريب، بوصفه شريكاً أساسياً في التنمية الاقتصادية وتأمين فرص العمل.

الحرية – باديه الونوس

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك