نريده إصلاحاً متوازناً وشاملاً..

بانوراما سورية- عبد العزيز محسن:

بالأمس انهى مؤتمر الإصلاح الإداري أعماله والذي أُقيم على مدى عشرة أيام من خلال ورشات عمل شبه مغلقة محققاً رقماً قياسياً بطول فترة الانعقاد وبحجم المشاركة ورقماً قياسياً ايضا بشح المعلومات المتوفرة عن مضمون ما دار من نقاشات باستثناء ما تضمنه البيان الختامي والتوصيات… وهذه خاصية جديدة ولكنها ليست ذات أهمية مقارنة بالنتائج التي يُفترض أن يحققها المؤتمر…. ومن حيث المبدأ فأن ما ورد في البيان الختامي وتوصياته أمر جيد، ولكنه برأيي الشخصي لا يشكل حدثاً أو نقطة تحول حاسمة في مسيرة الإصلاح الإداري، ولم تكن هذه النتائج بحجم التوقعات أو الآمال المعقودة.. وهذا الكلام ليس من قبيل التقليل من أهمية المؤتمر ودوره.. ولكنه يأتي من باب النقد البناء وطرح الأفكار الموازية والمساهمة في إعادة تصويب البوصلة بشكا أكثر دقة، وإعطاء المزيد من الدفع لمشروع الإصلاح الإداري والمؤسساتي الشامل الذي اطلقه السيد الرئيس بشار الأسد حفظه الله.. فرغم أهمية المقررات الصادرة عن المؤتمر إلا أن معظم مواضيعها معروفة وقسماً منها تم طرحه ودراسته ضمن الوزارات والمؤسسات المعنية وكان بالإمكان معالجتها بقرارات أو بمشاريع قوانين من مجلس الوزراء، ومن بينها على سبيل المثال ما يتعلق بفصل إدارة التفتيش القضائي عن البنية الإدارية لوزارة العدل وهذا مطلب مطروح منذ عقود طويلة.. ايضا بما يخص إقرار إصلاحات في الإجراءات الإدارية والمالية المتعلقة بالتعاقد والترخيص في الوزارات فهذا مطلب يتم طرحه باستمرار ولكن لا بأس من إعادة طرحه من جديد على أمل التطبيق الفعال..

أما الأهم.. ورغم وفرة مقررات المؤتمر وتنوعها إلا أنها خلت من أهم بند يمكن أن يحقق العدالة والإنصاف للكوادر الوظيفية ويخفف الى حد كبير من حالات الفساد والإفساد وهو ما يتعلق بإصلاح نظام الرواتب والأجور والمكافآت والحوافز.. وغيرها، وكان من المهم أن يكون هذا البند في أعلى سلم الأولويات كونه يشكل نقطة انطلاق لإصلاح واقع الوظيفة العامة ويحافظ على الخبرات والكفاءات ويسهم في تحسين بيئة العمل في القطاع العام..

وبنفس السياق لا بد من الإشارة إلى بعض المقررات والتوصيات التي لا تتوافق مع سياسة التخفيف من الروتين والبيروقراطية وخصوصاً فيما يخص بمسابقات التوظيف المركزية في الوزارات ما سيفاقم من المشكلة الناجمة عن الحجم الهائل من أعداد المتقدمين على هذه المسابقة ومعاناتهم في التقدم والتنقل من مسابقة الى مسابقة ومن وزارة الى أخرى وكان الأجدى البحث عن حلول أكثر جدوى وفعالية وأقل معاناة للمواطن الباحث عن فرصة عمل…. كما أن تعميم حالات ضم ودمج المديريات والجهات العامة بغض النظر عن طبيعة عملها الانتاجية أو الخدمية أو الإدارية يعد إشكالية كبيرة يمكن أن تعيق العمل الإداري والانتاجي في بعض الجهات العامة إذا لم تراعي خصوصيات عمل كل جهة وظروفها… وطبعا هذه قراءة أولية لبعض النتائج المعلنة.. ونحن بانتظار معرفة الآلية التي سيتم وفقها التعامل مع هذه المقررات سواء على صعيد إمكانية إعادة دراستها وخصوصاً من الناحية القانونية وبحث إقرارها وتصديقها من الجهات الدستورية والتشريعية في الدولة..

أخيراً نقول بأن أي خطوة باتجاه الإصلاح الحقيقي والفعال تبدأ بتوفير البيئة المناسبة وبإعداد القوانين والتشريعات ومن ثم تطبيقها بدقة متناهية وبدون استثناءات.. وبهذا فقط نضمن أننا نسير على السكة الصحيحة والمتينة نحو النمو والتطور في مختلف المجالات.. أما عندما تكون هذه التشريعات غير مدروسة بشكل كاف ومليئة بالثغرات فعندها من الطبيعي أن تكون فرص نجاح هذا الإصلاح ضعيفة جداً، وهذا أمر بديهي… وانطلاقاً من هذه القاعدة فأن تباطؤ وقصور عمليات الإصلاح الإداري وغير الإداري في السابق كانت إما بسبب قصور التشريعات أو بسبب سوء التطبيق أو الاثنين معاً.. ومن هنا فليس مهماً أن نخرج من المؤتمر بتوصيات ومقررات رنانة وجاذبة ولا نستطيع تطبيقها لسبب أو لآخر، أو أن تطبيقها سيخلق مشكلة أكبر من عدم تطبيقها!.. إنها معادلة صعبة وحساسة وتحتاج الى جهد علمي وعناية فائقة متخصصة.. ولذلك نختصر الكلام بالتأكيد على أن أكثر ما نحتاجه اليوم هو عملية إصلاح شاملة ومتكاملة ومدروسة بدقة متناهية ومتوازنة تستند على بنية تشريعية وقضائية سليمة ومحورها الرئيسي الإصلاح الإداري والاقتصادي والاجتماعي الشامل..

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات