لا تجعلوا الرغيف حقل تجارب.. ولا تتجاوزوا الخطوط الحمراء!!

بانوراما سورية عبد العزيز محسن:

لطالما كتبت عن محاسن ومزايا مشروع البطاقة الذكية وتطبيقاتها ومساهمتها في تنظيم وتوزيع المواد المقننة وإدارتها للنقص الحاصل في المواد والسلع المختلفة الموزعة من بعض الجهات والمؤسسات الحكومية.. ولطالما دافعت –بقوة-عن البطاقة واعتبرتها “مشروع المستقبل” للدولة في الكثير من المجالات في حال التطبيق السليم لها..

ايضا كتبت الكثير من المقالات الصحفية عن الهدر الهائل وحجم الفساد الكبير المرافق لصناعة الرغيف، وكم حلمت وتمنيت أن نجد حلاً سحرياً يضع حداً لاستنزاف موارد الدولة ويحافظ على خصوصية الرغيف وللشعار الذي رافقنا لعقود طويلة ( الخبز خط أحمر…) .. ولكن اليوم –للأسف- يتم اليوم تجاوز حدود هذا الخط تحت حجة تخفيف فاتورة الدعم المخصص لهذا القطاع، وللأسف تتحمل البطاقة “الذكية” ظلماً تبعات مجموعة من القرارات غير المدروسة، وتبتعد تطبيقاتها عن العدالة التي كنا نتوقع وننتظر أن تتحقق في التوزيع وستلغي الاستثناءات ونقاط الضعف والثغرات… فلماذا يحدث كل ذلك ومن هو المسؤول..

بلا شك المسؤول عن ذلك هي القرارات الأخيرة لوزارة التجارة الداخلية وتجاربها والتي كان آخرها ما يسمى بتوطين مادة الخبز وضبط توزيعها على المواطنين بما يسمى الربط المكاني وهو مصطلح يحمل في طياته الكثير من الثغرات والسلبيات.. فأولا هذا الربط سيمنع المواطن من الاستفادة من مخصصاته في اوقات السفر والتنقل .. كما ان هذا الربط سيؤدي الى حرمانه من الحصول على رغيفه” المدعوم” من أي معتمد او فرن اذا تعطل الفرن المخصص منه أو اذا حدث امر طارئ لأحد الموزعين أو المعتمدين.. أما الطامة الكبرى والغلطة التي لا تغتفر فهي تحديد مخصصات الفرد بكميات أقل من حاجته الفعلية بكثير.. فهل يعقل مثلاً أن تكون مخصصات المواطن رغيفين وربع الرغيف فقط، دون مراعاة لأية ظروف او اعتبارات أخرى.. وهل من المعقول أن يتم تخصيص العائلات التي عدد افرادها اربعة اشخاص مثلاً بنفس الكمية المخصصة للعائلات التي عدد أفرادها خمسة أو ستة أشخاص؟؟.. إضافة إلى ثغرة أخرى تتعلق بعدم وجود مخصصات ليوم العطلة الأسبوعية للفرن، والذي سيجبر المواطن على الصيام عن الخبز في هذا اليوم.. ايضا لا تزال قضية الأبناء الذين يدرسون او يعملون في مدن او مناطق بعيدة عن منازل ذويهم.. هل عليهم ان يشتروا الخبز السياحي أو السمون أو الكيك والكاتو مثلاً..!! أين هو المنطق في هذه القرارات وفي هذا التوزيع غير العادل الذي أقرته الوزارة وستبدأ بتطبيقه تباعاً؟؟!! ..

وعندما تقول الوزارة أن الربط المكاني سيمنع المتاجرة بالخبز على الطرقات فهي بذلك تجافي الحقيقة تماماً.. بل على العكس ستنشط هذه الظاهرة وستتفاقم، وسيكون باعة الخبز على الطرقات هم الملجأ والمقصد لألاف العائلات التي ستبحث عن سد النقص الحاصل في احتياجاتها او مخصصاتها الشحيحة بعد هذا التوطين أو التقنين غير المدروس وغير المنطقي على الإطلاق…

نعلم أن الهدر والفساد الكبير في صناعة الرغيف يرهق ميزانية الدولة ويبدد المال العام وهذه حقيقة مؤلمة جداً.. ونعلم أن هناك قراراً حكومياً متخذاً للحد من هذا الهدر ولتخفيف فاتورة الدعم الباهظة المقدمة لهذا القطاع، وكانت أولى الخطوات هي الاتجاه نحو الأتمتة في التوزيع وتحديد المخصصات وهذا أمر جيد لكن بشرط أن تكون هذه المخصصات عادلة وتراعي النقاط التي ذكرناها آنفاً، مع العلم أن الهدر والفساد المشار إليه بمعظمه موجود بمفاصل وأماكن أخرى ابتداءً من صفقات وعقود وعمليات استجرار حبة القمح المحلية او المستوردة مروراً بمراحل تصنيع الدقيق وتوريده وانتهاءً بعملية تصنيع الرغيف في المخابز العامة والخاصة وجميعنا يعلم حجم الهدر والفساد الهائل في كل مرحلة من تلك المراحل… ولذلك كان الأجدى معالجة حالات الهدر المذكورة بدلاً من الاستسهال بتحميل المواطن تبعات هذا الهدر وهذا الفساد، فالموضوع برمته موجود بمكان آخر وليس لدى المواطن المستهلك..  

أخيراً.. نأمل أن تستدرك وزارة التجارة الداخلية هذه الملاحظات وتعيد النظر في قراراتها لناحية حجم المخصصات وطرق الحصول على المادة، مع الأخذ بعين الاعتبار بأن الظروف المعيشية الصعبة جداً لغالبية المواطنين لا تخولهم شراء الخبز السياحي بشكل يومي.. وبالتالي لابد من إيجاد حلول مناسبة وهي فعلاً موجودة وبمتناول اليد في حال تم إعادة دراسة القرارات الأخيرة وتصويبها في الاتجاه الصحيح والالتفات لمعالجة التجاوزات والثغرات في جميع مراحل العملية الانتاجية..

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات