حرب اقتصادية خطيرة جداً..!.

*عبد اللطيف عباس شعبان / عضو جمعية العلوم الاقتصادية السورية
حرب اقتصادية كبيرة خطيرة جدا معمول بها ولها منذ سنوات، وأخطار من يمارسونها على الوطن ومواطنيه لا تقل عن أخطار الإرهابيين المسلحين، وكل مواطن يراها ولا يفضح ممارسيها جبان أو غبي أو كليهما، وكل مسؤول يراها ولا يعمل لبترها – في ضوء صلاحياته وإمكاناته – هو شريك لممارسيها أو مأجورا أو متخاذلا، هذه الحرب الخبيثة موجهة ضد المنتج لتعيقه عن الإنتاج، إذ يجهد منفذوها للحد من توفير مستلزمات الإنتاج للمنتج بالكمية والنوعية الجيدة، في الوقت الذي يناسبه ذلك، وخاصة للمنتج الزراعي والحيواني / المادة الغذائية اليومية للإنسان / ويعمدوا لرفع أسعار مستلزماته ما يضعف من قدرته على شرائها ويحد من إنتاجه، وبنفس الوقت يعمدوا لخفض أسعار منتجاته قياسا بالكلفة، لغاية التضييق على استمراره في الإنتاج، وهذه السياسة واضحة بشكل مفضوح في الدواجن والثروة الحيوانية، فجميع من راقبوا الواقع خلال السنوات المنصرمة لاحظوا التذبذب الكبير في أسعار المستلزمات والمنتجات الحيوانية، مع الحد من وجودها بين حين وآخر، وأن تقنين توفير الأعلاف والأدوية البيطرية وزيادة أسعارها المتتابع، عدا عن الغش الموجود في بعضها، أوقع الكثير من المربين في خسائر مريبة، أسفرت عن إخراج الكثيرين من مربي المواشي ومربي الدواجن من ميدان الإنتاج، وفي أكثر من عام تعرض مزارعو الحمضيات والتفاحيات لخسائر كبرى، نتيجة عدم التنسيق لتسويق منتجاتهم في مواسمها، ما أسفر عن قصور الكثيرين عن الاهتمام بحقولهم.

هذه الحرب الاقتصادية سبقت الحرب الإرهابية، يوم عانى منتجو الذرة الصفراء والشوندر السكري من تسويق منتجهم ما أسفر عن تضاؤل زراعة هذين المنتجَين الهامين، وسكان المحافظات الشرقية الذين عانوا من الجفاف، ولم يحظوا بالمساعدة اللازمة ما اضطر بعضهم للهجرة إلى المحافظات الأخرى في دمشق وحلب وحمص وحماه والساحل، وأغلب من يهجر العمل الزراعي الصعب الممارسة في الحر والقر، لا يعود إليه بعد أن لمس نعيم السكن في المدن، لا بل سبق أن طرح بعض الرسميين ضرورة تخفيض زراعة القطن بحجة استهلاكها الكبير للمياه، بعد أن وصل إنتاجنا منه إلى المليون طن، وأصبح عداد بلدنا في المراتب الأولى عالميا، وسميناه الذهب الأبيض، بل أن البعض اقترحوا تخفيض إنتاج القمح تحت نفس الحجة، بعد أن وصل إنتاجنا منه إلى حوالي / 4.5 مليون طن/، واعترف قادة الامبريالية الأمريكية أن إركاع سورية مستحيل، لأنها تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع، فعمدوا للتآمر مع عشرات الدول الأخرى، وبالتعاون مع عملائهم في الداخل لشل الحياة الاقتصادية الزراعية والصناعية باعتماد الحرب الإرهابية، ما تسبب بتوقف شبه كامل للإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي في المناطق التي دخلها الإرهاب، نتيجة أعماله التخريبية والشلل الذي أصاب عوامل الإنتاج البشرية والمادية، لا بل عمدوا لتمرير سرقة الحبوب المنتجة والمصانع القائمة، وفي العام الماضي لم يتوفر السماد اللازم لكثير من مزارعي القمح في حينه، حتى في المناطق الآمنة، عدا عن الشكوى من نقص توفر المحروقات وسوقهما السوداء، ومؤخرا صدر قرار حكومي بوقف دعم السماد وبيعه للمزارعين بسعره المرتفع، هذا القرار الذي يشجع البوار والفرار، والمؤسف أنه قد تكون لهذا السعر سوق سوداء أيضا.

منذ سنوات وممارسي هذه الحرب القذرة يجهدون لشراء إناث المواشي – وخاصة الصغيرة منها- بأسعار عالية، وتصدير وتهريب الكثير منها لتشجيع المربين القدامى على بيعها، وإضعاف قدرة المربين الجدد على شرائها، وبنفس الوقت عمدوا على رفع أسعار البقر المستورد، ما أضعف قدرة المربين القدامى في العودة للتربية، وإضعاف قدرة المربين الجدد، ما أضغف نمو الثروة الحيوانية، وكثيرا ما تم رفع سعر الصوص لمربي الدواجن، وأعقبه انخفاض سعر الفروج الناتج عنه، ما أضعف همتهم لتربية الموسم اللاحق، عدا عن ظهور أمراضا حيوانية نتيجة استخدام المواد العلفية والأدوية البيطرية واللقاحات المغشوشة، وقد حدث أكثر من مرة أن تعرضت شاحنات تصدير الخضار المحمية والفواكه الاستوائية التي يتم إنتاجها في الساحل السوري للعرقلة على الحدود تحت حجة وأخرى، ما ألحق أضرارا كبيرة بالمنتجين، وقد تعرضت العديد من الصناعات لمعاناة في الإنتاج والتسويق، وخاصة صناعات النسيج والألبسة.

هذه الحرب الاقتصادية الخبيثة الممارسة ضد المنتجين، موجهة ضد المستهلك لتعيقه عن تأمين حاجاته، بما فيها لقمة عيشه، وتتفاقم في هذه الأيام، إذ يجهد منفذوها للحد من توفير المواد الاستهلاكية بالكمية والنوعية الجيدة، نتيجة إضعاف كمية الإنتاج المحلي، ما تسبب في رفع مُذِلِ للأسعار، بل كثيرا ما تعمَّد منفذو هذه الحرب لشراء كميات من المنتجات الزراعية والحيوانية بأسعار عالية بحجة التصدير، وحقيقة الأمر ما كان ذلك إلا لغاية حرمان المستهلك المحلي منها، ويتعمدون رفع أسعار المواد المستوردة لإضعاف إمكانيته من الحصول على حاجته الضرورية، والمؤسف أن لكثير من التجار المحليين وشركائهم المتنفذين دور سلبي في ذلك.

*منشور في صفحة اقتصاد من صحيفة البعث ليوم 9 / 10 / 2021

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات