الزراعة السورية والمصير المجهول!!

بانوراما سورية- عبد العزيز محسن:
لا أدري كيف يمكن لعاقل او مجنون أن يستوعب فكرة أن يكون سعر كيلو الفجل او البصل أو أي منتج زراعي آخر أكثر من ألف ليرة فيما يكون سعر كيلو الخيار أو البندورة المنتج في البيوت البلاستيكية ٤٠٠ ليرة!!!.. ماذا يحدث بالله عليكم..؟؟!! هل أعود لأذكر المسؤولين والمروجين لفكرة ديمومة الأمن الغذائي الوطني وتنوع المنتج الوطني وشعار حماية ودعم الفلاح بأن الزراعة ومن يعمل بها في انحدار خطير ويتجاوز الخطوط الحمراء.. بدون أي مبالاة أو اكتراث من المعنيين وكأن شيئا لا يحدث.. قد يبررون بأن أسعار غالبية السلع والمنتجات الزراعية خاضعة لقانون العرض والطلب في الأسواق.. ولكن ماذا عن مسؤوليتهم في تأمين مستلزمات الانتاج بأسعار تتناسب مع “شعارتهم” عن الدعم.. وماذا عن قراراتهم برفع الدعم عن السماد “مع عدم توفيره”.. وماذا عن قرارهم برفع سعر المازوت الزراعي “مع عدم توفيره”.. وماذا عن رفع سعر الكهرباء اللازمة للري “طبعا مع عدم تأمينها”، وماذا عن تجاهلهم وغض نظرهم عن الفوضى السائدة في توريد ومبيع البذار والادوية والمستلزمات الزراعية والأسعار الفلكية لها؟؟؟ وماذا عن قصورهم في ايجاد قنوات مناسبة وفعالة للتصدير وتقديم التسهيلات الحقيقية للمنتجين والمصدرين..
تساؤلات كثيرة لا أجوبة عليها سوى أننا واقعون في مستنقع من العجز والفوضى واللامبالاة وانعدام محالات البحث عن حلول في إنقاذ القطاع الزراعي والعاملين فيه من الانهيار.. نعم الانهيار.. فمن هو المزارع القادر على الاستمرار في هذا الوضع المأساوي اذا ما بقيت الأمور كما هي عليه الآن… وكلنا رأينا ما حدث ويحدث لقطاع الدواجن.. وللأسف نرى السيناريو ذاته يتكرر الآن في قطاع الزراعة المحمية وبعض الزراعات الأخرى، ومعلوم أن كلا القطاعين يحتاجان الى رأس مال والى امكانات مادية كبيرة لتغطية النفقات والتكاليف المرتفعة، ومن البديهي إذا لم يكن المردود يتناسب مع حجم هذه التكاليف فمن الطبيعي حينها أن يقع المزارع أو المنتج في العجز ويتوقف عن متابعة دورة الانتاج، وكلنا تابعنا كيف خرج أكثر من 85 بالمئة من المداجن عن الخدمة نتيجة لارتفاع تكاليف الانتاج بصورة جنونية.. واعتقد أن الموسم القادم ستكون الزراعات المحمية ايضا على نفس الخطى وسيكون مصير الكثير من العاملين فيها في مهب الريح في ظل عدم وجود أية بدائل أو حلول.. وفقط الأمل بالله وحده بأن تتغير الظروف لصالح هذه الشريحة التي لا تتلقى سوى الوعود الخلبية ولا ينالها سوى الإهمال والتقصير.. وبنفس الوقت وهذا المضحك والمبكي أن يشار إليهم من قبل القائمين على رأس الهرم الزراعي بأن أوضاعهم جيدة ولا خوف عليهم!! ولا أدري كيف يمكن الرد على أصحاب هذا الكلام سوى الأسف على هذا الكلام غير المسؤول من هذا المسؤول!!
ومن جانب آخر أريد التذكير بما اوردته في مقالات سابقة بأن الزراعة السورية ليست قمح وقطن فقط.. ورغم الأهمية الاقتصادية البالغة للمحصولين المذكورين إلا أن ما قدمته الدولة لهذين المحصولين الفائت من دعم وسخاء كبير في الموسم الماضي ذهب غالبيته بلا طائل او جدوى.. فلا “عام القمح” حقق الغاية المرجوة منه ولا محصول القطن كذلك الأمر، رغم توفير الحكومة لكافة مستلزمات الانتاج ورغم رفع سعر الاستلام الى مستويات جيدة جدا.. وجميعنا يتذكر كيف تم تحويل جميع مخصصات السماد والمحروقات الى مناطق زراعة هذين المحصولين وحرمان باقي المناطق منها.. فكانت هذه النتيجة المخيبة!! فهل سيتكرر هذا العام نفس السيناريو.. لا ندري ولكن لا نرى أنه قد تغير شيئا من المعطيات على ارض الواقع..
أخيراً.. أريد التنويه والتذكير بما اوردته منظمة الأغذية العالمية وماةحذرت منه مراكز الدراسات الاقتصادية في العديد من دولةالعالم بأن العالم سيشهد في المستقبل القريب أزمة غذاء كبرى وارتفاع كبير في الأسعار نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والشحن والانتاج.. ولا أدري إن كانت الحكومة ووزارة الزراعة أخذتا هذه المعلومات على محمل الجد وتتعامل مع تداعيات السيناريو المنتظر، مع العلم أننا كبلد زراعي لدينا فرصة ذهبية للاستفادة من هذا الأمر فيما لو تم تقديم الدعم المناسب وبحدوده الدنيا للعاملين في القطاع الزراعي وتأمين مستلزمات صموده واستقراره وإعادة وتيرة النمو إليه، فالانعكاس هنا سيكون إيجابياً وكبيراً على الزراعة السورية بشكل خاص وعلى الاقتصاد السوري بشكل عام إذا ما نجحنا في الاستفادة من هذه “الفرصة” سواء على صعيد تصدير منتجاتنا الى اسواق الدول المتأثرة بهذه الازمة، أو على صعيد الاكتفاء الذاتي وضمان عدم تأثرنا بانعكاساتها وبالتالي توفير حاجاتنا من السلع والمنتجات الزراعية المحلية بأسعار مناسبة على مدار العام..
نمر اليوم في ظروف معقدة وصعبة للغاية، ونحتاج الى تخطيط سليم وإدارة حكيمة لجميع الملفات والقضايا التي تهم جميع شرائح المجتمع، ولا بد من تحقيق التوازن فنحن على متن سفينة واحدة مُنتجين وتجار ومستهلكين ومسؤولين… ومصيرنا جميعا مصير واحد في هذه العاصفة الهوجاء التي نمر بها فأما أن ننجو معاً أو نغرق معاً ولا خيار آخر أمامنا..

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات