
تعد الزراعة المحمية من الزراعات الأساسية التي اعتمد عليها سكان الساحل السوري عامة ومحافظة طرطوس خاصة كمصدر دخل رئيسي لعدد كبير من السكان ويعيش عليها الكثير من الأسر الريفية الذين تركوا قراهم وعملوا كمزارعين في القرى الساحلية لتأمين دخل ثابت يسد رمقهم ورمق أطفالهم وقد تطورت هذه الزراعة خلال السنوات العشر الماضية وانتشرت في أغلب أراضي المحافظة حتى انتشرت في المناطق الجبلية.
وخلال الموسم الماضي 2012 -2013 شهدت هذه الزراعة تراجعا كبيرا في عدد البيوت المزروعة وفي كمية الإنتاج من هنا أصبح عدد كبير من المزارعين مهددين بفقدان مصدر رزقهم وانضموا إلى قائمة العاطلين عن العمل وبالتالي انخفض الإنتاج وارتفعت أسعار الخضراوات لقلة الانتاج، فما هي الأسباب التي ادت إلى تراجع هذه الزراعة المهمة وما هي الصعوبات التي تواجه المزارع وما تداعيات تراجع هذه الزراعة على الأمن الغذائي والأسعار؟
أرقام إحصائية
بلغ عدد البيوت البلاستيكية في محافظة طرطوس خلال موسم 2012 حسب المهندس علي محمد مدير التخطيط في زراعة طرطوس 126869 بيتاً منها 124125 بيتاً مستثمر منها 73 ألف بيت مزروعة بندورة، وبلغ إنتاج المتر المربع الواحد من موسم البندورة 12.7 كيلو غراماً بينما انخفض إنتاج المتر المربع الواحد إلى 11.4 كيلو غراماً بندورة خلال الموسم الماضي 2013، وبلغ إنتاج المتر المربع من الخيار موسم 2012 «11.2» كيلو غراماً لينخفض إلى 9.8 كيلو غرامات موسم 2013 و7 كيلو غرامات للفليفلة موسم 2012 و6 كيلو غرامات موسم 2013.
ويعزو محمد هذا الانخفاض إلى ارتفاع تكاليف الانتاج وبالتالي تراجع اعتناء المزارع بالموسم وتوقع خلال الموسم الحالي أن تزداد هذه الفروق أي تراجع إنتاج المتر المربع .
40{844ffa2143412ea891528b2f55ebeeea4f4149805fd1a42d4f9cdf945aea8d4e} نسبة البيوت المزروعة
من جهته أكد المهندس رفعت عطا الله رئيس دائرة الإنتاج النباتي في زراعة طرطوس أن هذا الموسم يشهد تراجعا واضحا في الزراعة المحمية فخلال الموسم الماضي ولنفس الفترة الزمنية اي نهاية تشرين الأول الماضي بلغ عدد البيوت المزروعة نسبة 70{844ffa2143412ea891528b2f55ebeeea4f4149805fd1a42d4f9cdf945aea8d4e} وخلال الموسم الحالي لم تتجاوز نسبة البيوت المزروعة الـ40{844ffa2143412ea891528b2f55ebeeea4f4149805fd1a42d4f9cdf945aea8d4e} ليبلغ عدد البيوت المزروعة حتى اليوم من مجمل البيوت في المحافظة 57500 بيت فقط.
الخراب والزراعة المحمية
ومن المعروف أنه من بلدة الخراب التابعة لمنطقة بانياس انطلقت الزراعة المحمية وكانت أولى المناطق التي شهدت هذه الزراعة فكان من المهم التوجه اليها ومعرفة واقع هذه الزراعة اليوم من هنا التقينا المهندس الياس سمعان رئيس ارشادية الخراب فقال : يبلغ عدد البيوت البلاستيكية في الخراب 15821 بيتاً زرع منها خلال الموسم الماضي 2012-2013 «15229» بيتاً منها 14422 بيت بندورة 17 بيت موز 206 نباتات زينة 307 بيوت فليفلة من هنا نجد أن 30-40{844ffa2143412ea891528b2f55ebeeea4f4149805fd1a42d4f9cdf945aea8d4e} من البيوت خرجت عن الخطة الزراعية فحتى اليوم لم يتجاوز عدد البيوت البلاستيكية المزروعة للموسم القادم 2013-2014 «4500» بيت فقط وعادة مثل هذا التوقيت تكون نسبة البيوت المغطاة في الخراب تتجاوز 80{844ffa2143412ea891528b2f55ebeeea4f4149805fd1a42d4f9cdf945aea8d4e} وهذا يشير إلى تراجع واضح في هذه الزراعة.
ارتفاع تكاليف الإنتاج
يشكو المزارعون من الارتفاع الكبير لمستلزمات الإنتاج هذا الارتفاع الجنوني الذي تجاوز الحد وجعل هذه الزراعة عبئا على المزارع وليست مصدر دخل له وهذا ما قاله السيد جورج نعمة رئيس جمعية خراب مرقية. وأضاف: إذا ما حسبنا الأسعار الحالية لمستلزمات الإنتاج مقارنة مع الموسم الماضي يتضح كل شيء فتكلفة البيت البلاستيكي وصلت إلى ما بين 220-240 الف ليرة سورية بينما لم تكن تتجاوز 50 الف ليرة سابقا فبكرة النايلون سعرها الآن 30 الف ليرة، والسماد ما بين 13-15 الف ليرة بينما سابقا الكلفة 5 آلاف ليرة فقط ، ظرف بذار ما بين 15-32 الف ليرة بينما سابقا كان سعره لم يتجاوز 5 آلاف ليرة ، الناموسية 5 آلاف ليرة خيوط 5 الاف ليرة تورب 2000 ليرة أسمدة مصرفية 20-25 الف ليرة سابقا كانت بـ6-7 الاف ليرة، مبيدات رش 10 الاف ليرة ، تعقيم للتربة 11-15 الف ليرة، نايلون مستخدم لتعقيم الشتول 17 الف ليرة ، ري وكهرباء 15 الف ليرة إضافة إلى كلفة الحراثة والعبوات وأجور النقل إضافة إلى 20{844ffa2143412ea891528b2f55ebeeea4f4149805fd1a42d4f9cdf945aea8d4e} حصة المزارع وبحسبة بسيطة نجد إن كلفة سعر الكيلو من البندورة يتجاوز 75 ليرة أي كي يغطي الكلفة يجب أن يباع الكيلو في سوق الهال بـ100 ليرة على الأقل كل هذا أثقل كاهل المزارع مما أدى إلى ابتعاد الكثير من المزارعين عن الزراعة وبقي بعضهم يزرع موسماً واحداً بدلا من موسمين كما كان سائداً خلال السنوات الماضية وهذا ما يفسر، كما ذكر نعمة، قلة العرض لمادة البندورة تحديدا لمثل هذه الفترة من السنة وبالتالي ارتفاع سعر الكيلو إلى 200 ليرة سورية.
ارتفاع جنوني للبندورة
ويضيف نعمة: أوقفت الدولة تصدير البندورة حتى 31/12/2013 وعلى الرغم من ذلك المواطن يشتري كيلو البندورة المحمية بـ200 ليرة وهي من إنتاج الساحل السوري أي لا يوجد أجور النقل والسبب في هذا يعود لتراجع الإنتاج بسبب الغلاء الفاحش لمستلزمات الإنتاج والذي أدى لزراعة موسم واحد فقط وسابقا كنا نغمر السوق بالمنتج في هذا الوقت كل هذه الأمور مجتمعة أدت إلى ارتفاع سعر البندورة بل جميع منتجات الزراعة المحمية.
المزارع هو الخاسر
يتابع السيد نعمة: انه في ناحية الروضة يوجد ما يقارب 3300 عائلة تعمل في الزراعة من خارج المحافظة وإذا انتهت هذه الزراعة انتهى دخلهم وبالتالي ساهمنا في زيادة البطالة ويقول المزارع فادي ميهوب من قرية حريصون المزارع هو الخاسر الأول والمستهلك هو الخاسر الثاني وأصبح من المعروف أن السمسار وتجار سوق الهال هم من يتحكموا بالسوق ويتلاعبوا بالأسعار ولكن خلال السنوات الماضية كنا نزرع موسمين وكانت الأسعار تغطي التكلفة ولكن مع الارتفاع الجنوني للأسعار عدد كبير من المزارعين تركوا هذه الزراعة وأنا منهم لان السعر لا يغطي التكلفة وخاصة في ذروة الإنتاج وهذا ما خفنا منه فلم نقدم على الزراعة خلال الموسم الحالي والكثير منا انهى عمل المزارع الذي يعمل لديه في البلاستيك وبالتالي تحول إلى عاطل عن العمل وهذا ما أكده المزارع محمد أحمد من منطقة الصفصافة ويطالبون بضرورة التفات الجهات المعنية إلى هذا الواقع وإنقاذه قبل انتهاء هذه الزراعة ويتساءلون في حال انتهت هذه الزراعة هل توجد زراعات بديلة أو رديفة تحل مكان هذه الزراعة وأين هي اليوم؟.
التاجر يحسب على الدولار ويبيع
يتساءل المزارعون لماذا تغيب الدولة عن تأمين مستلزمات الإنتاج للمزارعين وذلك لحماية المزارع من التجار الذين يحسبون على الدولار ويبيعون وأغلب التجار يبيع بسعر مرتفع بحجة أنه اشترى المستلزمات حين كان الدولار غالياً وهذا ما حدث بقصة النايلون كما قال المزارعون: فبعد استيراد النايلون من إيران تم وضعه بيد التجار فلماذا لم تعمل الدولة على بيعه مما أدى لتحكم التجار بالأسعار واحتكار المادة ويتساءل المزارع أيضا لماذا لا تعمل الدولة على منحنا القروض هل المداجن أهم من الزراعات المحمية؟، ويشكو مزارعو الخراب عدم التعويض عليهم عندما يتعرضون للظروف الجوية من رياح شديدة وتيارات بحرية ففي كل موسم يخرج ما بين 50-200 بيت من الخدمة ولم يتم التعويض لأي مزارع في منطقة الخراب ، ويؤكد المزارعون ضرورة دعم الزراعة المحمية في الساحل السوري لاستمرار هذه الزراعة وبالتالي المحافظة على الأمن الغذائي.
الزراعة النظيفة لا مكان لها
وتحدث المراقب الزراعي عيسى سارة عن تجربته في الزراعة النظيفة فقال :تم اعتماد الزراعة النظيفة في زراعة البندورة من قبل 30 مزارعاً في الخراب وقد صرفت عليها منظمة الفاو. في البدايات عشنا هذه التجربة سبع سنوات وبعدها باءت بالفشل ،وفعلا اعتمدت هذا المنهج وبدأت أضع اللصاقات على العبوات لتبيان أنها زراعة نظيفة إلا أنني لم استفد من هذا بل أصبحت أبيع الكيلو بأقل من السعر الرائج لأن التاجر يهمه الشكل ولا يهمه المضمون وأصبحت معروفا بسوق الهال باسم أبو لصاقة وبهذا علمت ألا مكان للزراعة النظيفة في هذه الأجواء وكلي حسرة على كل ما فعلته لأنه ذهب دون فائدة فلماذا لا تحمي الدولة وتشجع هذه الزراعة والى متى يبقى الشكل على حساب المضمون؟
المزارع لا يلتزم التعليمات
كما اتضح سابقا يوجد انخفاض في إنتاجية المتر المربع من البيت البلاستيكي وهذا مرده كما أكد المهندس سمعان إلى عدم التزام المزارع بالتعليمات فزيادة الاسمدة في التربة يؤدي إلى زيادة الملوحة وبالتالي انخفاض الإنتاجية وكذلك زيادة أو نقص فطر في الأرض يقتل النيماتودا في التربة لذلك على المزارع أن يلجأ إلى تحليل التربة كل موسم ليضع المعادلة الزراعية الواجب إتباعها كل موسم وهذا ما يبتعد عنه المزارع ، وعدم رش المبيدات ورشها إلا اذا ظهرت الأعراض المرضية على الشتول ويجب أن يكون المبيد نظامياً لأن المهرب غير مكفول وغير فعال ويجب اعتماد التعقيم الشمسي الذي يوفر كثيرا وخاصة في ذروة تموز وآب وعلى الرغم من توعية المزارع من قبل الإرشادية فقليل منهم من التزم بالتعليمات.
الصيدليات الزراعية لا تمول
إضافة إلى كل ما سبق من صعوبات تقف في وجه استمرار الزراعة المحمية امتناع الصيدليات الزراعية عن تمويل المزارع وذلك منذ بدء الأزمة وحتى اليوم وهذا ساهم في ترك هذه الزراعة إضافة إلى ارتباط العديد من المزارعين بالسماسرة الذين يمولونهم ولكن بالمقابل يأخذون الموسم بالسعر الذي يفرضونه ولا يعطون بدل الموسم إلا بعد أشهر، حاليا توقفوا عن التمويل. ومن أهم المعوقات والتي لا تقل أهمية عما سبق وقف تصدير البندورة في ذروة الإنتاج كما حدث خلال المواسم الماضية وهذا خلق الكثير من المشاكل أمام المزارع وأصبح يرمي محصوله في مكبات القمامة بدلا من بيعه في سوق الهال لان هذا سيكبده خسائر أخرى.
صندوق لدعم الصادرات
بعد أن ثبت تراجع الزراعات المحمية وتراجع إنتاجها مقارنة بخمس سنوات مضت مقترحات كثيرة لا بد من وضعها في جعبة الجهات المعنية لدعم وتطوير هذه الزراعة والحد من تراجعها وأهمها:
فتح باب التصدير ومنع استراد البندورة في ذروة الانتاج، وحماية المنتج قبل المستهلك لأنه عندما نحمي المنتج نصل إلى حماية المستهلك ولا بد من تدخل مؤسسات الدولة بشكل كبير وايجابي في جميع المنتجات الزراعية وحتى المحمية والتي لم نجد لها حصة في التسويق من قبل مؤسسة الخزن والتسويق حتى اليوم.
ولا بد من أنشاء صندوق لدعم الصادرات أسوة ببعض الدول مثل مصر، وإحداث صندوق لدعم المنتج إضافة إلى دعم الزراعة النظيفة من خلال قانون الزراعة العضوية الذي ينتظر وضع التعليمات التنفيذية له منذ أكثر من عام وضرورة التمييز بين الزراعة النظيفة وغيرها من الزراعات وخاصة بالأسعار وكذلك تأمين كافة مستلزمات الإنتاج من رقائق وغيرها عن طريق المصارف الزراعية، ومنح المزارعين قروضا قصيرة الأجل لا تقل عن 100 الف ليرة سورية.
دعم الاقتصاد
أخيرا لا بد من ايلاء الزراعة المحمية الاهتمام الكافي من قبل الجهات المعنية وبالتالي حماية المزارع والمستهلك وتوفير المنتجات الزراعية بأسعار تنصف المزارع وترضي المستهلك لانتاج الزراعة المحمية وخاصة البندورة كمادة وحيدة معتمدة للتصدير في الوقت الراهن إضافة إلى الحمضيات التي تدر دخلاً بالعملة الصعبة وبالتالي دعماً للاقتصاد الوطني.
بانوراما طرطوس- تشرين









