تخطى إلى المحتوى

الشرع في نيويورك.. سورية تعود إلى العالم من بوابة الاقتصاد 

بقلم: مازن كنينه عضو مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق*

 

*زيارة السيد الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك تحمل، في رأيي، معنى يتجاوز حدود المشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.*

*فالسوريون الذين تابعوا هذه الزيارة بشغف لا ينظرون إليها كحدث سياسي فقط، وإنما كإشارة إلى أن سورية بدأت تستعيد مكانها الطبيعي بين دول العالم، بعد سنوات طويلة من العزلة التي فرضها النظام البائد على البلاد.*

*ولعل أكثر ما يلفت في هذه المرحلة هو حالة التعطش الموجودة لدى السوريين تجاه العالم. السوري يريد أن يسافر، ويتاجر، ويستثمر، ويستورد ويصدر، ويرى الشركات الأجنبية في بلده، ويرى منتجاته في الأسواق الخارجية. يريد ببساطة أن يشعر أن سورية لم تعد بلداً مغلقاً على نفسه، وأن أبوابها مفتوحة أمام العلاقات الطبيعية مع مختلف الدول.*

*وهذا التعطش ليس سياسياً فقط. هو في جزء كبير منه اقتصادي. فالعزلة لم تكن مجرد عزلة دبلوماسية، بل تركت آثاراً عميقة على الاقتصاد، وعلى الاستثمار، وعلى حركة التجارة، وعلى التكنولوجيا، وعلى قدرة الشركات السورية على التواصل مع الأسواق العالمية.*

*واليوم، أمام سورية فرصة مختلفة نحن نملك أرضاً خصبة اقتصادياً بكل معنى الكلمة. لدينا موقع جغرافي مهم، وواجهة بحرية، وموارد بشرية، وأراضٍ زراعية، وقطاع صناعي لديه خبرات متراكمة، وأسواق محيطة يمكن أن تشكل امتداداً طبيعياً للتجارة السورية.*

*لكن الموقع الجغرافي لا يصنع اقتصاداً بمفرده. المطلوب أن نعرف كيف نستثمره.*

*إذا استطعنا تطوير الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والمراكز اللوجستية، وربطها بالطاقة والإنتاج والتجارة، فإن سورية تستطيع أن تتحول من بلد يقع على الخريطة بين عدة أسواق إلى جزء فعلي من حركة هذه الأسواق.*

*وهنا تحديداً أرى أن علينا أن نتوقف عن التفكير بإعادة الإعمار باعتبارها إعادة بناء لما تهدم فقط فإعادة الإعمار يمكن أن تكون فرصة لإعادة بناء الاقتصاد نفسه.*

*وأن نعيد النظر في الصناعة، وفي الزراعة، وفي النقل، وفي الطاقة، وفي التجارة، وأن نسأل منذ البداية: ماذا ننتج؟ أين ننتج؟ إلى أين نصدر؟ وكيف نربط المنتج السوري بالأسواق؟*
*هذه الأسئلة أهم، في رأيي، من مجرد إعادة تشغيل ما كان قائماً قبل الحرب.*
*وسورية في المرحلة المقبلة تحتاج إلى علاقات اقتصادية واسعة، لا إلى اصطفافات جديدة.*

*🔴صفر مشاكل، وصفر عداوات.*

*هذه ليست عبارة سياسية بقدر ما هي حاجة اقتصادية. نحن بحاجة إلى أن نتعامل مع العالم من باب المصالح المشتركة.*
*الخليج يمثل عمقاً استثمارياً ومالياً مهماً، وتركيا تمثل سوقاً وجواراً وممراً تجارياً، والعراق سوق وامتداد جغرافي، وأوروبا سوق وتكنولوجيا وخبرات، والولايات المتحدة تمتلك إمكانات كبيرة في التكنولوجيا والاستثمار والتمويل، والصين قوة صناعية وبنية تحتية وتجارية عالمية.*

*ليس المطلوب أن تختار سورية بين هؤلاء المطلوب أن تستفيد من علاقاتها مع الجميع بما يخدم الاقتصاد السوري، ويحافظ في الوقت نفسه على القرار والسيادة والمصلحة الوطنية.*

*وهذا هو معنى أن تكون سورية دولة طبيعية في علاقاتها الخارجية: لا تبحث عن خصومة مع أحد، ولا تغلق باباً يمكن أن يأتي منه استثمار أو معرفة أو سوق أو فرصة عمل وأعتقد أن السوريين في الخارج سيكونون جزءاً مهماً من هذه المرحلة.*

*الجالية السورية في الولايات المتحدة وأوروبا والخليج وغيرها ليست فقط جالية تحمل الحنين إلى وطنها. فيها رجال أعمال، وأطباء، ومهندسون، وخبراء، وأصحاب شركات، وأشخاص بنوا علاقات واسعة في الأسواق التي يعيشون فيها. وإذا استطعنا تحويل هذه الطاقات إلى شراكة حقيقية مع الداخل، فإننا نكون قد أضفنا للاقتصاد السوري جسراً واسعاً نحو العالم.*

*ولهذا كان لقاء الرئيس مع الجالية السورية في نيويورك مهماً من الناحية الاقتصادية أيضاً. فعودة السوريين إلى بلدهم لا تعني بالضرورة عودة الجميع للسكن والعمل، بل يمكن أن تبدأ بعودة الاستثمار والخبرة والعلاقات والأسواق.*

*وهنا أصل إلى النقطة التي أعتقد أنها يجب أن تكون عنوان المرحلة كلها:*
*🛑سورية اقتصاد.*
*أي أن ننظر إلى السياسة الخارجية من زاوية الاقتصاد أيضاً، وأن ننظر إلى الموقع الجغرافي كفرصة، وإلى المغتربين كرأس مال بشري، وإلى إعادة الإعمار كعملية إنتاج، وإلى الاستثمار كوسيلة لخلق فرص العمل وليس مجرد أرقام معلنة.*

*فالاقتصاد السوري لا يمكن أن يبقى على هامش الاقتصاد العالمي. لدينا كل المقومات التي تسمح لنا بأن نكون جزءاً منه، وربما أن نبني اقتصاداً سورياً يكون نواة لشبكة اقتصادية أوسع في المنطقة.*

*لكن ذلك يحتاج إلى عمل حقيقي في الداخل: تشريعات واضحة، وقضاء تجاري فعال، واستقرار في بيئة الأعمال، وتسهيل حركة رؤوس الأموال، وحماية المنافسة، وتطوير البنية التحتية، ودعم المنتج السوري.*

*الفرصة موجودة، لكن الفرص لا تتحول إلى نمو بمجرد الحديث عنها.*
*ما سيحدد مستقبل الاقتصاد السوري هو قدرتنا على تحويل الانفتاح إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى تصدير، والتصدير إلى موارد وفرص عمل.*

*لذلك، لا أرى زيارة نيويورك مجرد صورة سورية جديدة في المحافل الدولية. أراها جزءاً من مسار أكبر يجب أن ينتهي بسورية مفتوحة على العالم، ومنتجة، وقادرة على جذب الاستثمار، وقادرة أيضاً على إنتاج ما تحتاجه وتصدير ما تتميز به.*

*لقد اشتاق السوريون إلى العالم بعد سنوات طويلة من العزلة.*
*والآن، المطلوب ألا نكتفي بأن يعود العالم إلى سورية، بل أن تعود سورية إلى العالم اقتصادياً.*
*فالمستقبل الذي نريده ليس سورية ساحة للمصالح المتصارعة، وإنما سورية مساحة للمصالح المشتركة؛ سورية التي تستفيد من موقعها، ومن شعبها، ومن طاقاتها، وتبني علاقاتها على قاعدة واحدة:*
*لا عداوات، لا عزلة، بل اقتصاد مفتوح ومصالح متبادلة.*
*وهنا تبدأ سورية الجديدة من المكان الذي يجب أن تبدأ منه فعلاً:من الاقتصاد.*

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك