تخطى إلى المحتوى

سوق السندات الحكومية.. هل تمهّد طريقاً لتمويل التعافي؟ رازي محي الدين : بناء سوق للدين يتطلب إصلاحات تشريعية وانضباطاً مالياً، فيما قد تشكّل الإصدارات قصيرة الأجل نقطة انطلاق لتعبئة المدخرات وتنويع مصادر التمويل

منير الرفاعي

تفتح مباحثات وزارة المالية السورية مع مجموعة «سيتي بنك» بشأن تطوير أسواق رأس المال وإنشاء سوق للسندات وأدوات الدين باباً جديداً للنقاش حول تمويل التعافي الاقتصادي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى موارد لإعادة تأهيل البنية التحتية وتوسيع الاستثمار.لكن إنشاء سوق للدين الحكومي لا يتوقف على طرح أوراق مالية، بل يتطلب بناء منظومة قادرة على جذب المستثمرين وضمان انتظام السداد وإدارة كلفة الاقتراض.

وبحث وزير المالية محمد يسر برنية مع وفد رفيع المستوى من المجموعة، في بانكوك، تطوير أسواق رأس المال وبرنامج الإصلاح المالي والفرص التي قد تتيحها الإصلاحات أمام المؤسسات المالية الدولية، من دون الإعلان عن اتفاق تمويلي أو جدول زمني لإطلاق السوق.

ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور رازي محي الدين، في حديث لـ«العين السورية»، إن أهمية سوق السندات الحكومية لا تقتصر على تمويل الخزينة، بل تشمل تعبئة المدخرات المحلية وتوفير أدوات استثمار للمصارف وشركات التأمين وصناديق الاستثمار، فضلاً عن بناء منحنى عائد مرجعي يساعد على تسعير القروض والاستثمارات وتطوير أدوات السياسة النقدية.أذونات الخزينة بوابة البدايةتتمثل الخطوة الأولى، وفق محي الدين، في إعداد إطار تشريعي ومؤسسي واضح قبل التوسع في الإصدارات. ويشمل ذلك وضع استراتيجية متوسطة الأجل لإدارة الدين العام، وتحديد سقوف الاقتراض، وإنشاء سجل موحد للديون والالتزامات الحكومية، وتوزيع المسؤوليات بين وزارة المالية ومصرف سورية المركزي وهيئة الأوراق والأسواق المالية.ويحتاج السوق أيضاً إلى قواعد واضحة للإصدار والتداول والحفظ والتسوية والإفصاح وحماية المستثمرين، إلى جانب بنية إلكترونية موثوقة ومزادات شفافة تعكس الطلب الفعلي.وفيما يتعلق بأداة البداية، يرى محي الدين أن أذونات الخزينة قصيرة الأجل يمكن أن تشكل نقطة انطلاق مناسبة، شرط أن تكون الإصدارات محدودة ومتدرجة، وأن تستند إلى تقييم السيولة المصرفية واحتياجات الخزينة وقدرة المستثمرين على الاكتتاب.ويوضح أن الانتقال لاحقاً إلى سندات متوسطة الأجل ينبغي أن يرتبط بتوافر بيانات أفضل عن الطلب والعائد ومخاطر إعادة التمويل. ويحذر من تحول الأدوات القصيرة إلى مصدر دائم للتمويل، بما يفرض على الحكومة تجديد الديون باستمرار ويزيد تعرضها لتقلبات أسعار الفائدة والسيولة.ولا يكفي نجاح المزادات الأولى وحده لإثبات قدرة السوق على الاستمرار؛ إذ يتطلب ذلك انتظام الإصدارات، واتساع قاعدة المستثمرين، وإمكانية تداول الأوراق المالية بعد شرائها، بدلاً من اقتصار السوق على اكتتابات محدودة للمصارف.

 

السندات والصكوك.. الجاذبية تتجاوز العائدفي سوق تعاني محدودية السيولة وارتفاع المخاطر، لا يمكن ضمان جاذبية أدوات الدين بمجرد تقديم عوائد مرتفعة. فالعائد الذي يجذب المستثمر قد يتحول إلى عبء على الموازنة، خصوصاً إذا ارتفعت كلفة خدمة الدين أو تكررت الحاجة إلى الاقتراض لسداد استحقاقات سابقة.ويؤكد محي الدين أن بناء الثقة يتطلب انتظام السداد، وواقعية العوائد، ووضوح استخدام حصيلة الإصدارات، إلى جانب نشر معلومات دورية عن الدين العام والعجز والتدفقات النقدية وتحسين إدارة المالية العامة.وفي هذا السياق، يقترح تطوير مسار موازٍ للصكوك السيادية المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، لاستقطاب المصارف الإسلامية والمستثمرين المهتمين بهذه الأدوات.ويشدد على ضرورة وضوح الأصول أو المنافع المرتبطة بالصكوك، وحقوق المستثمرين وآليات توزيع العوائد والمخاطر، مع وجود رقابة شرعية مستقلة.ويمكن أن يساعد تنويع الأدوات والآجال على توسيع قاعدة المستثمرين، لكن نجاحه يظل مرتبطاً بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها وبوجود قواعد قانونية تحمي حقوق حاملي الأوراق المالية.مخاطر الاقتراض المحليلا تخلو سوق الدين من مخاطر تتجاوز كلفة الفائدة. فالاعتماد المفرط على المصارف المحلية لشراء الإصدارات الحكومية قد يزاحم الشركات والقطاع الخاص على التمويل، ويحد من قدرة المصارف على توجيه الائتمان إلى الاستثمار المنتج.كما أن التوسع في الاقتراض لتمويل العجز، إذا اقترن بتمويل نقدي غير منضبط، قد يزيد الضغوط التضخمية ويؤثر في الاستقرار النقدي وسعر الصرف.لذلك، يدعو محي الدين إلى تقييم كل إصدار مسبقاً من حيث كلفته، ومخاطر إعادة التمويل، وأثره في السيولة والاستقرار المالي، مع تجنب تراكم التزامات لا تتناسب مع قدرة الخزينة على السداد.ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة عند تحديد الغرض من الاقتراض، فتمويل احتياجات الموازنة العامة يختلف عن إصدار أدوات مرتبطة بمشروع تنموي محدد، إذ يحتاج المسار الثاني إلى تحديد مصادر السداد والمخاطر والعوائد المتوقعة بوضوح.

 

ماذا يمكن أن يقدم سيتي بنك؟

يمكن للمؤسسات المالية الدولية أن تؤدي دوراً عملياً في بناء السوق، يتجاوز تقديم المشورة العامة. ويشير محي الدين إلى إمكان الاستفادة من خبراتها في تصميم استراتيجية إصدار الدين، وتطوير المزادات وآليات التسعير، وبناء منحنى العائد، وإدارة المخاطر، وتدريب الكوادر وتحديث أنظمة التداول والحفظ والتسوية.كما يمكن بحث دور المؤسسات الدولية في تمويل مشاريع تنموية محددة أو توفير ضمانات وأدوات لتخفيف المخاطر، وفق الشروط القانونية والائتمانية المتاحة.لكن هذه الأدوار المحتملة لا تعني أن سيتي بنك التزم بتمويل إصدارات سورية أو مشاريع بعينها؛ فالمباحثات المعلنة تتعلق بتطوير الأسواق والإصلاح المالي، ولا تتضمن إعلاناً عن صفقة تمويلية.الأردن ومصر.. دروس لا وصفات جاهزةعلى المستوى الإقليمي، يرى محي الدين أن التجربة الأردنية تقدم دروساً يمكن الاستفادة منها في تطوير أذونات الخزينة والسندات والصكوك، وتنظيم المزادات وبناء مؤشر استرشادي للعوائد. كما يمكن دراسة التجربة المصرية في تنويع آجال الدين وتوسيع قاعدة المستثمرين، مع الانتباه إلى تحديات كلفة خدمة الدين ومخاطر إعادة التمويل.ولا يعني ذلك نقل النماذج كما هي؛ فسوريا تحتاج إلى تكييفها مع واقعها النقدي والمصرفي، وعمق سوقها المالية، وقدرة المستثمرين المحليين على توفير التمويل.في المحصلة، لا يمثل إنشاء سوق للسندات الحكومية حلاً سريعاً لعجز الموازنة، بل مشروعاً لبناء بنية تحتية مالية. ويختصر محي الدين شروط نجاحه في ثلاث مرتكزات: الانضباط المالي، وإطار قانوني ورقابي يضمن الشفافية وحماية المستثمرين، وسوق تتوافر فيها السيولة وتعدد المستثمرين وانتظام الإصدارات والسداد.

وعند توافر هذه الشروط، يمكن للدين الحكومي أن يتحول من أداة لتغطية الاحتياجات الآنية إلى قناة لتعبئة المدخرات وتمويل التعافي والاستثمار المنتج، من دون تحميل المالية العامة أعباء تتجاوز قدرتها على الاحتمال.

 

العين السورية

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك