تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية( نبضُ الجذور) للأديبة فاطمة صالح صالح- الجزء الثاني 

12033549_954955724592396_544613874_nنهَضَ الرجلُ عن كرسيّهِ، وأخذَ يتكلّم :

-ما الذي تريدينَ معرفتَهُ، يا حَفيدتي الغالية..؟َ
-جَدّي.. جَدّيَ الغالي.. أولاً، أريدُ أن أمَتّعَ روحي بمُناداتِكَ “جَدّي “.. لأنني لم أقلْها لجَدٍّ حقيقيٍّ لي، أبداً..
-وثانياً، يا ابنةَ بنتي..؟!
-وثانياً، يا جَدي.. إنني أبحثُ عن الحقيقة، وأبدأ من مَعرِفةِ نفسي، وجذوري..
-هل تسمحينَ لي بالجلوسِ، قبل أن أبدأ..؟!
-تكلّم على راحَتِكَ، يا جَديَ الغالي.. لكن، باللهِ عليك، أخبِرني بكلِّ ما عَلِقَ في ذاكِرَتِك..
-حَسَناً.. اكتبي، أيتها الحفيدةُ العنيدة.. فأنتِ تشبهينني كثيراً..
***
قد يكونُ تاريخُ ميلادي، عام /1888م/.. وربما كنتُ أكبرَ من جَدّتِكِ بثلاثةِ أعوام..
أقول، ربما.. لأنهُ في ذلكَ الزمان، لم يكُنْ تسجيلُ المَواليدِ دقيقاً.. فقد كان الناسُ يُخفونَ أغلبَ مَواليدهم عن الحكومةِ العثمانية.. ناهيكِ عن أنّ المواليدَ كانوا يولَدونَ حيث يُداهِمُ المَخاضُ أمّهاتهم.. ربما في البرّية، أو في إحدى القرى التي هُجِّروا إليها، أو في أيّ مكان..
12717853_954624567958845_1837320488439438027_nلكنني أعتقدُ أنني وُلِدتُ في قريتي نفسِها، التي وُلِدتِ أنتِ فيها، أيضاً، بعدَ حوالي خمسةٍ وستينَ عاماً..
كانتِ البلادُ تعيشُ حالةً من الفقرِ المُدقِع.. ومن مُلاحَقاتِ الدولةِ العثمانيةِ التي لا تنتهي.. ومنَ السّلبِ والنّهبِ وقِلّةِ الأمان، ما لايُمكِنُ لكم أنتمُ الأحفاد، أن تتصَوّروه..
كانَ هناكَ ” عِدْلٌ ” واحدٌ للقريةِ كلِّها.. ومِسَلّةٌ واحدة، أيضاً..
الموتُ، كان بالجُملة.. إمّا من الجوع، أو من المرَض، أو القتل، أو كلّ مايخطر على بالِكِ، أو لا يخطر..
أحياناً كان عَددُ الموتى في القرية، يتجاوزُ عَددَ الأحياء.. حتى أنّ الناسَ كانوا يحاوِلون تقطيعَ وقتِهم، حتى يطلعَ الفجرُ، ليدفنوا بقيّةَ مَوتاهم.. إمّا بالغِناء، العتابا، والمَواويلِ الحزينةِ، أو المُفرِحة.. أو بإلقاءِ النكَتِ على السامِعين.. أو باختراعِ ألعاب، وتسليات، تكفلُ لهم تحَمّلَ الوقتِ الثقيلِ، بأقَلِّ الخسائرِ المُمكِنة.. وفي الصباح، يحملون النعوشَ، ليدفنوها في قِمَمِ وسفوحِ الجبالِ القريبة..
انظري.. ما تزالُ بعضُ المَقابرِ حَيّةً، رغمَ زحفِ العمرانِ نحوها.. ” الرّوَيْسِة “.. ” الرّامِة “.. ” الصّفحَة “.. ” الضّهْر “.. وغيرها..
بعضُ البيوتِ خلَتْ تماماً من أهلِها.. وبعضُ العائلاتِ انقرَضَت..
لن أطيلَ عليكِ، يا جَدّي.. فلا ينقصُكِ مُنغِّصات..
-أرجوكَ يا جَدي.. أرجوكَ أطِلْ، فحديثُكَ يُشجيني، لكنهُ مُمتِعٌ وجميل.. لأنهُ صادِق..
-تُصِرّينَ، إذاً..؟!
-أرجوكَ، جَدي.. فكما قلتُ لكَ، إنني أبحثُ عن الحقيقة، وعن نفسي أولاً.. مَن أنا..؟! مِن أيّةِ جُذورٍ نبّتَت هذهِ الفروع..؟!

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات