تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية( نبضُ الجذور) للأديبة فاطمة صالح صالح- الجزء الثالث

12033549_954955724592396_544613874_n– في أوائلِ القرنِ العشرين.. وقد يكونُ عام /1907م/ تزوّجتُ شابّةً جميلةً من قريةِ ” الصّومعَة ” قربَ ” صافيتا “.. سَكَنتُ معها غرفةً حَجَريّةً، في قريتي.. أحبَبتها، وأعتقد أنها أحَبّتني.. فرغمَ فقري، كنتُ جميلاً.. ألا تلاحِظينَ ذلكَ، يا جَدّي..؟!

– وكيفَ لا ألاحظهُ، أيها العجوز الرائع، الذي أتمنى لو أوْرَثَني جَمالَ أصابعِهِ المَبسوطة على فخذهِ، في هذهِ الصورة، كما أوْرَثَني عِنادَهُ، وحِدّةَ بَصيرتِهِ، وحَنانَهُ المُفرِط..؟!
– لكنني أوْرَثتُكِ الطموحَ، أيضاً.. هل تنكُرينَ ذلكَ، أيّتها الشقيّة..؟!
– وحُبّ المُغامَرة، أيضاً.. والمزاح المُبالَغ فيه، لإخفاءِ هُمومي.. ألا ترى ذلكَ، أيضاً، يا جَدّي..؟!
– اصمتي الآن، ودَعيني أكمِلُ حديثي، فقد فتَحتِ قريحَتي على الكلام..
عندما أخبرَتني زوجتي أنها حامِل، كانت سعادتي تعادِلُ هَمّي.. من أينَ سأطعِمُ هذهِ الأسرة، التي بدأتْ تتشكّلُ، وأنا المسؤولُ الأوّلُ والأقوى فيها..؟!
وعَقدتُ العَزمَ على السفَر..
-وتتركني وحيدة..؟!
مَسَحتُ على رأسِها.. داعَبتُ خصلات شعرِها.. ونَهَضت :
12717853_954624567958845_1837320488439438027_n-ليس أنا مَن يقبلُ أن يعيشَ، أو تعيشَ أسرَتُهُ، إلاّ أعِزّةً، مُكَرّمينَ، يا آمِنة…
أعِدُكِ ألاّ أطيلَ الغِياب.,.
-إنني أنتظرُكَ، أنا، وهذا..
وأشارَتْ إلى بطنِها المُنتفِخ قليلاً..
-ادعي لي، يا آمِنة..
-ألله يوفقك، ويحميك من شَرّ الظالِمين، يا صالح، ويرجّعَك لنا بالسلامة..
سَحَبَني إلى هناكَ، أحَدُ الذين سَبَقوني إلى الأرجنتين، من أبناءِ قريتي.. ومنذُ وُصولي، استدَنتُ مَبلغاً من المال، ورحتُ أشتري ” الطّرْشَ ” وأرعاه في المقاطعات الجبلية “مندوسا “.. “كوردوبة “.. “سان خوان “، وغيرها.. أسمن المواشي، وأعود لأبيعها في البازار، ثم أشتري غيرها.. وهكذا كنت أستطيع تأمين مصرفي الشخصي.. لكنني لم أستطع أن أرسل لزوجتي في الوطن، إلا الشيء اليسير..
عندما أخبروني أنني أصبحت أباً لطفل، أطلقت عليه
زوجتي اسم ” سالم “.. وكنا قد اتفقنا أنا وهي على تسمية المولود – إن كان ذكراً – بهذا الاسم – طرت من الفرح، فقد صار لي امتداد، حلمُ الإنسان الدائم بالخلود.. سارعتُ لاستدانة بعض النقود، وأرسلتها لها..كنت شديد الألم من أجل آمنة.. وها أنا أصبح شديدَ الألم والشوق والإحساس بالمسؤولية بشكلٍ مُضاعف، بعد مجيء ” سالم ” .. لكن، ما العمل..؟ فلم يكن بالإمكان، أكثر من الذي كان..
ضاعَفت جهدي، كي أستطيع تأمين مبلغٍ من المال، لأسحَب زوجتي وطفلي إلى عندي، فلم يعد الوطن يغريني بالعودة إليه، أو بالعيش فيه، وقد خرجتُ منه مقهوراً، حتى من إخوتي الذين تخلّوا عني وقت الحاجة.. ( وتدمع عينا الشيخ )..
-كيف، يا جدي..؟ أخبرني، بالله عليك.. ما الذي جعلك تزعل من إخوتك إلى هذه الدرجة..؟؟
-لا تتعبي نفسك، يا جدي.. فقد مضى ما مضى، وقد أمضيتُ عمري وأنا أدعو لهم الله، في صلواتي، أن يسامحهم، وأن يستبدل سيئاتهم، حسنات..
-وهذا ما يغريني أكثر، لمعرفة ما حصل..
-قلت لك يا جدي، أننا – ككل الناس في ذلك الزمان – كنا نعاني من فقرٍ، وقِلّ، وجوع.. وكنت قد زرعت حقلاً من القمح، وسيّجته أنا وزوجتي الحامل، مَنعاً لاحتمال أن ترعاه دوابّ الآخرين..وتستطيعين أن تقدّري ما يعني أن يذهبَ الموسم، الأمل الوحيد، في تلك الأثناء..
وفي مرة، ذهبت لأتفقد حقلي ذاك، وإذا بعدة رؤوس من الماعز، تلتهم الزرع الطري الأخضر، بنهم شديد، فجن جنوني :
-من ذلك المُستهتر الذي يتركُ دوابه تؤذي زَرعي..؟ أسرعتُ إليها، قفزتُ من فوق السياج، جمعتُ العنزات، وسقتها أمامي – حانقاً – إلى الزريبة.. زرَبتها، وأغلقتُ ” الصّيرِة ” عليها، وأعلنتُ على الملأ :
-من كانت له هذه العنزات، فليأتِ ليدفعَ لي ثمنَ ما آذته من حقلي، قبل أن أعيدَها إليه..
عرفتِ ذنبي، يا جدي..؟؟ كان ذنبي الكبير، أنني طالبتُ بحَقي، ممّن اعتدى على حَقي..
قال لي إخوتي :
-الماعز لبيت شيبان.. لا تعلق معه.. قد يؤذيك..
-يؤذيني..؟؟ أنا أطالب بحقي، وليس بشيء آخر..
وجاء شيبان :
-أطلِقْ ماعزي، وإلاّ آذيتك..
-لن أطلقها، قبل أن تعوضَني عما خرّبَته من زَرعي..
-أطلِقها، أو ترى ما لا تتمناه..
-وتهدّدني، بعد هذا..؟ لن أطلِقها دونَ حقي..
في اليوم التالي، كان الماكرُ قد جَمعَ عدداً من أقاربه، وكَمنوا لي على الطريق الذي أسلكه بشكل يومي، إلى حقلي، حاملين عصياً.. فاجأوني من كل جانب، ونزلوا بي ضربا بالعصي، وبشتائم، لا أدري كيف يحفظونها..
لم أستطع الدفاع عن نفسي، سوى ببعض ” البوكسات ” على وجه هذا، وظهر ذاك..

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات