تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية( نبضُ الجذور) للأديبة فاطمة صالح صالح- الجزء السابع

12033549_954955724592396_544613874_n-225x300جَمَعتُ دوابّي، بعد هذا اليوم المُرعِبِ، الشاقّ.. وعُدتُ بها إلى الحظيرة..
لم أستطع النوم من كثرة الكوابيسِ التي تداخَلَت في رأسي.. كان تفكيري بالرجلِ الجريح، أكثر بكثير من تفكيري بسببِ المُشكلة.. وهل ستنجحُ تهديداتي وتوصِياتي بهِ، أم لا..؟!
وعندما غفوتُ، راحَت أحلامي تتكسّرُ على دروبِ قريتي البائسة، وفي وديانها، وتِلالِها، وحقولِها، التي لم تنعَم بالراحةِ من الظلم، والقهرِ، لحظةً واحدة، منذ وَعَيتُ أنا وأبي وجَدّي وجَدُّ جَدّي، وقبلهمُ الكثير، على هذه الدنيا..
فكّرتُ بزوجتي البائسة، التي ماتتْ من قهرِها على طِفلِها.. وحاوَلتُ أن أتصَوّرَ مَلامِحَ ابني.. تصَوّرتُهُ يشبهني كثيراً.. لكنني عُدت، وأصرَرتُ على أنّ وَجههُ كان يشبهُ وَجهَ أمهِ الجميلة، رغمَ نحولِها…
مَسَحتُ دموعاً، لم أحاولْ مَنعَها :
-لا حَولَ ولا قوّةَ إلاّ باللهِ العليّ العظيم..
وقمتُ للصلاة…
***
12717853_954624567958845_1837320488439438027_n-225x300لم أجرؤ على الذهابِ في نفس الطريق، إلاّ بعدَ حَوْلٍ كامِل.. فكّرتُ كيف أن خِرافي كانت تشبع بسرعةٍ أكبر، عندما أصعَد بها تلك الجبال الخضراء..
توكّلتُ على الله، ومشيت…
صادفتُ رجلاً قريباً من أول بناء ظهر عليّ.. لم أكترث.. حَيّاني الرجل :
-( بْوين دِيّا..)…
-( بوين ديّا..).. وتابَعتُ سَيري…
لكنني لاحَظت أن الرجل توقّف، وأخذ يتفحّصني بكثيرٍ منَ الدِّقة…
خِفتُ.. أسرعتُ أكثر.. فكّرتُ بأكثر من طريقةٍ للدفاعِ عن نفسي.. لكنّ الرجلَ الذي تأكّدَ من هُويّةِ ذلك ( التوركو ) من خلالِ لِحيتي الطويلة الناعِمة والمُشذّبة، ومَلامِحي المُختلفة قليلاً.. هَجَمَ عَليّ، واحتضنني، قائلاً :
-أنتَ..!! أنتَ إذاً هو..!!
دَفعتُهُ بقوّة :
-ابتعِدْ عن طريقي.. ماذا تريدُ مني..؟!!!؟
أمسَكَ بيدي التي امتدّتْ إلى سكّيني.. بادَرَني بابتسامةٍ، ووَجهٍ مُحِبٍّ، وقبلاتٍ، وعِناقٍ حارّ…
-مَن أنتَ يا رجُل..؟!
-مَن أنا..؟!! (وكَشَفَ لي عن بطنهِ الذي ظهَرَتْ عليهِ آثارُ الجِراحِ المُلتئمة )…
-أنا الذي، أنتَ، بعدَ اللهِ، أنقذتَني من الموت، العام الماضي…
أنا الذي أدينُ لكَ بحياتي…
دَعْني أقبّل يدَيك…
سَحَبتهما، وأنا أقول :
-الحياة، والموت، من عندِ اهِ وَحده.. ألهُ هوَ الذي أحياكَ، يا رَجُل.. الشكرُ لهِ وَحده…
***
سبعةَ عشَرَ عاماً، بقيتُها في تلكَ الغربة، لم أفكّر- خِلالَها – بالزواج، إلى أن سَمعتُ أنّ ” سَكينة ” صديقة الطفولة، التي كنتُ مُعجَباً بها، وبذوقِها، وأخلاقِها، إلى حَدٍّ كبير، قد ترَمّلَتْ، أيضاً…
لا أكتمُكِ سِرّأً، يا ابنتي، أنني كنتُ أقضي الليالي وأنا أفكر بحالي وحالِها.. أتذكّرُ طفولتنا سويّة، واحترامَ وتقديرَ كلٍّ منا للآخر.. كنتُ أزينُ الأمور، أقلّبها في كلّ الإتجاهات، إلى أن توَصّلتُ إلى قرارٍ لا رَجعَةَ عنه.. وتعرفينَ جَدّكِ، إذا اقتنعَ بشيء، فسيعملُ كلّ ما يستطيعُ لتحقيقِ هَدفه..
-أحمدُ اه. ، أنني مثلكَ في هذهِ، أيضاً، يا جَدّي…
-الحمد له… التفكيرُ السليم، والإرادَةُ التي تهزأ بالمُستحيل، من أهَمِّ أسبابِ النجاح، يا جدي…
المُهِم، أنني صَمّمتُ –أخيراً – على العَودةِ إلى الوطن، بعدَ أن أجمَعَ قدراً كافياً من المال، وأعرض على جَدّتِكِ الزواج.. وكان عندي حّدْسٌ لا يُخطئ، أنها ماتزالُ تحبني، وتحترمني، وتثقُ بي.. كما هيَ بالنسبةِ لي.. فقد كانت إنسانةً مُحترَمة، وابنةَ أصول…
جَمَعتُ أغراضي، ورَكبتُ الباخرةَ، عائداً إلى الوطن، على هذا الأمل…
وفي البرازيل، استقبَلَني أحَدُ مَعارِفي، وقالَ لي، مُستغرِباً :
-بعِلمي أنكَ قرّرتَ عدم العودة.. فما الذي جعلك تغيّر رأيك..؟!
-اشتقتُ إلى الوطنِ، يا صديقي…
-اشتقتَ إلى الوطن..؟! أم إلى بيت الشيخ غانِم..؟!
-كلَيهِما معاً…
لم تزعجْني ملاحظته الصادقة.. وكنتُ صريحاً معه.. فوُجودي بينَ أهلي، لا يُعادِلُهُ وجودٌ في العالَم.. والغربةُ تبقى غُربةً، مهما أطلَقنا عليها من تسميات…
( أهلَكْ..!! ولا تَهلَكْ….. ولَو دَبّوك بالمَهْلَك…)

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات