تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية( نبضُ الجذور) للأديبة فاطمة صالح صالح- الجزء الثامن

12033549_954955724592396_544613874_n-225x300كانت عَودتي إلى الوطن، عام 1925م..لأجدَ الأحوالَ من سيّءٍ، إلى أسوأ.. فقد رَحل العثمانيون، وجاءَ الفرنسيون.. استُبدِلَ مُستعمِرٌ بآخر..
كان حالُ أهلي قاسياً للغاية..
أخي محمد، كان قد توفيَ منذ سنوات.. كانَ كريماً جداً، وذا طبعٍ مَرِحٍ، وصوتٍ جميل.. كان طيّبَ القلبِ، وحنوناً، وشَهماً للغاية.. شارَكَ في المعاركِ ضدّ العثمانيين، ومن بعدهم، الفرنسيين.. كان أبيّاً، لا يقبَل الضّيم.. لكنّ الحروبَ، والفقرَ، والجوعَ، والظلمَ، والقهر.. كلّ هذه العوامل، كانت سَبباً في جعله يشرب الخمرةَ، لينسى همومَه بعضَ الشيء.. لكنه لم يلبث أن مرضَ مرضاً شديداً، وتوفي.. تارِكاً زوجته “خديجة ” وابنتَيه.. “فضيلة ” و ” سعيدة ” وابنه الذكَر الوحيد “زكَريّا “…
كما كان قد توفيَ أيضاً، أخي الثاني “علي “.. ذلكَ الشاعر الصوفيّ المُناضِل النبيل.. الذي كان يحتفظُ بكُتبٍ تراثيةٍ قيّمة.. تبحثُ في علومٍ كثيرة.. من علوم الفلَك، إلى علوم الصحةِ البدَنيةِ، والنفسية، إلى علومِ اللغةِ، وعلومِ الدينِ، والقانونِ، والعلومِ الطبيعيةِ.. وغيرها…
12717853_954624567958845_1837320488439438027_n-225x300كانت هذه الكتب، هي كل ما استطاع هو، وأسلافه، إخفاءها عن المُستعمِرين، الذين أحرَقوا الكثيرَ من الكتبِ التراثيةِ، أو أغرَقوها، أو عَبَثوا بمُحتوَياتها..
لكنّ بعضَ المُتنوِّرين، الغيارى على التراث، وعلى الهُوية، ومَصلحةِ الناس، استطاعوا أن يحتفظوا بالقليلِ القليل من هذه الكتب القيّمة.. لأنهم أدرَكوا قيمَتها، وخطورةَ فَقدِها، أو إتلافِها…
المهمّ، ياجَدّي، أنّ أخي “علي ” كان قد ترَك زوجتهُ، وابنتَه الوحيدة “حليمة “..بقيتا تسكنانِ في ذلكَ البيتِ الحَجَري، الذي هُدِّمَ، وأُحرِقَ عدة مرات، عندما هَدّمَ الغزاةُ، وأحرَقوا القريةَ كلّها، والكثيرَ من القرى في الوطن.. فأصبحت أرمَلتا أخوَيّ، وأبناؤهم تحت حِمايةِ، ورِعايةِ جَدِّكِ “الشيخ مَجيد “، وحدهُ الذي بقيَ – كما ترَين – من إخوَتي، على قيدالحياة.. بالإضافةِ إلى أختي “كاملة “…
تستطيعينَأن تقدّري، يا جَدّي، حَجمَ الضغطِ الذي كانَ يعانيهِ جدّكِ “الشيخ مَجيد ” وعائلته، ومَن تبقّى من عائلتيّ أخَوَيهِ المُتوَفين..

كانتِ الثورةُ التي قادَها المَغفور لهُ – بإذنِ الله – “الشيخ صالح العلي ” قد أُخمِدَتْ منذ سنواتٍ قليلة، وتعرفينَ أنّ جدكِ “الشيخ مَجيد ” كان “عَقيداً ” فيها.. وأنهُ كان آخرَ مَن ألقى السلاح.. وبالتأكيد، سمعتِ، أو قرأتِ عن شجاعتهِ، وبطولاته…
-طبعاً، يا جَدّي.. سمعتُ، أكثرَ مما قرأتُ…
سمعتُ ذلكَ من فمِ جَدّتي “حليمة ” “أم عادِل ” ومن الكثيرين ممّن عاصَروه…
كانت جدتي تكشفُ عن صَدرِها المُتعَبِ، لتُرِينا أثرَ شَظيةٍ أصابَتها إبّانَ القصفِ الإستعماريّ الفرنسيّ الغاشِمِ، على القرية…
فقد حَكَت جَدتي –من ضمنِ ماحَكَت – كيف أنّ جَدي “الشيخ مجيد ” استطاعَ، مع اثنينِ – فقط – من الثوّار، أن يتسَلّقوا جَبَل القْلَيعات، ويُشَكِّلوا أجسادَهم بالرّيحان، ويُفاجِئوا “رِسّاك” بعَتادِهِ، وعدّتِهِ، من الآلياتِ والجنود الذين كانوا يقصفونَ القريةَ من أعلى جبل القليعات المُقابِلِ لها.. ويُرَوِّعونَ، ويقتلونَ النساءَ، والأطفالَ، والشيوخَ العُزّل.. أما الشباب، فكانوا جميعاً ثوّاراً.. كلٌّ بطريقتِه، وحسبَ استِطاعَتِه…

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات