تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية( نبضُ الجذور) للأديبة فاطمة صالح صالح- من الجزء الحادي عشر لغاية الجزء العشرين

12033549_954955724592396_544613874_n-225x300-أكمِل، باللهِ عليك..

-كانت فرنسا قد رَسّختْ أقدامَها في البلاد.. وكانَ قهرُ جَدّكِ “الشيخ مَجيد ” لا يُحتمَل، وهو يرى كلَّ ما دافعَ عنهُ، هوَ وباقي الثوّار، قد أصبَحَ تحتَ سيطرةِ الغزاة.. وأنّ التضحيات قد ذهَبت سُدى.. كان الجنود الفرنسيون قد بنوا بيوتاً من حِجارةِ القريةِ البُركانيةِ السوداء، وتمَركَزوا فوقَ جبلِ (الخَصيبَة ) قلعة الثوّار، التي منها ومن أبطالِها انطلَقتْ الرصاصةُ الأولى ضدّ الغزاةِ الماكِرين، الذينَ أرادوا أن يجعلوا من قُرانا مَعبَراً لقوّاتِهم من الساحلِ، إلى الداخل، والعاصمة دمشق، وبيروت، وغيرها من أجزاءِ الوطن.. والبحر.. تعرفين البحر.. فمنهُ، وعَبره، يستطيعون إمدادَ قوّاتهم بالمزيدِ من الدّعمِ العسكَريّ، من أسلحة، وجنود، وعتاد.. إلخ..

وعندما ثارَ الثوّارُ، استنكاراً، ورَفضاً لأن يكونوا مَطيّةً، أو مَعبراً للغزاة، لقتلِ أهلِهم، في الشمالِ، أو الشرقِ، أو الجنوب.. قاتَلَهمُ الغزاة…

-لاتشرحْ لي يا جَدّي.. فأنا أعلَمُ – ربما- أكثرَ ممّا تعلَم عن تلكَ الأيام، من أحاديثِ جَدّتي “أم عادِل ” رحمها الله، ومنكلِّ مَن عاصَرَ تلكَ المرحلة.. فقد حاوَلَ الغزاةُ تقسيمَ الوطنِ، جغرافياً، وفئوياً، ومَذهَبياً، ليسهلَ عليهم ابتلاعُهُ قطعةً، قطعة.. وأن ينصّبوا على كلّ فئةٍ، أو منطقةٍ جغرافيةٍ، زعيماً، يدعَمونهُ بكلّ ما يرغبُ من مالٍ، وجاه، ليسَهِّلَ لهم مَهَمّتهم الدنيئة.. لكنّ (الشيخ صالح ) كان من ضمنِ القادةِ المُتنوِّرين الحاذقين – كما تعلم – فلم يقبلْ إغراءاتهم، ورفضَ أن ينفصِلَ ساحِلُ البلادِ عن داخِلِها..

12717853_954624567958845_1837320488439438027_n-225x300كانتِ الثورةُ في الساحِل، على اتصالٍ دائمٍ مع باقي الثوراتِ في الوطن.. كانَ جدي “الشيخ مَجيد ” من ضِمنِ رُسُلِ الشيخ صالح، إلى الزعيم (ابراهيم هَنانو ) وإلى غيرِهِ من القادَة، للتنسيقِ فيما بينَ الثوّار… الحديثُ يطولُ، يا جَدّي.. لكنني سأختصِره، وأكتفي هنا بما قالَهُ الشيخُ – من ضِمنِ ما قال – في أشعارِهِ الخالِدة :

( بني الغرب، لا أبغي من الحرب ثروةً…. ولا أترجّى نَيلَ جاهٍ، ومَنصبِ

ولكنني أسعى لعزّةٍ مَوطنٍ…. أبيٍّ، إلى كلّ النفوسِ مُحَبّبِ

كفاكم خِداعاً، وافتراءً، وخِسّةً…. وكَيداً، وعدواناً لأبناءِ يعربِ

تريدون – باسمِ الدين – تفريقَ أمّةٍ…. تسامى بَنوها فوقَ دينٍ، ومَذهَبِ

تعيشُ بدينِ الحبّ، قولاً، ونيّةً…. وتدفعُ عن أوطانها كلّ أجنبي

 فما شَرْعُ “عيسى” غيرُ شَرْعِ “محمّدٍ”…. وما الوطنُ الغالي،سوى الأمِّ، والأبِ..)

-لكنني أعرفُ أيضاً، أنّ بعضَ ضِعافِ النفوسِ، الذين صَدّقوا أنّ فرنسا جاءتْ لتحريرِهم من العثمانيين، ووَعَدَتهم بالرخاءِ، والمالِ، والجاه.. وأغلبهم كان ينقصُهُ المالُ والجاه، ويسيطرُ عليهِ الجَهلُ وفقدان البَصيرة، واستسهال تصديق الأقوى.. ساعَدَ الغزاةَ على أبناءِ وطنِه.. حتى هنا، في المُغترَب.. كان بعضُ هؤلاءِ يجمَعُ الأموالَ باسمِ الثورةِ،والثوّار.. لكنها كانت تذهبُ إلى جيوبهِ الخاصّة.. هؤلاءِ كانوا قِلّة.. لكنهم كانوا مؤثّرين…

-جَدّي.. إنني أتساءل : كيف يستطيعُ أحدٌ أن يفعلَ هذا..؟! كيف أستطيعُ أن أنامَ، وجاري جائعٌ، وأنا أعلَم..؟! كيف أستعينُ بالغريبِ على أبناءِ بلدي..؟! الغريبُ سيرحَلُ إلى بلادِهِ، مهما طالَ الزمن.. وتبقى الأرض.. يبقى الوطن.. بأهلِهِ وناسِه.. من كلّ ألوانِ الطيفِ، التي تزيدهُ جَمالاً ورَوعة…. هل نسيَ البعضُ أنّ مَن أعانَ ظالِماً على ظلمِهِ، لابُدَّ أن يصيبَهُ بعضٌ منَ العِقابِ الذي سيَلحَقُ بهذا الظالِم..؟! كيف ضَلَلنا، يا جدي..؟!

-إييييه..!! المُهِمّ، أنني أحببتُ أن أقولَ لكِ، أنّ جدكِ كان قد أصبحَ ذا طبعٍ قاسٍ جداً، نتيجةَ الظروفِ العائليةِ، وظروفِ الوطنِ كلِّها، التي فاقَتْ قدرَتهُ على التحَمّل.. فلاقاني ببرود.. أنا العائدُ منَ الغربةِ، إلى غربةٍ أشدّ قسوةً.. هي الغربة في الوطن…

فعندما تمكّنت فرنسا من بَسط سيطرتها على القرية، وعلى الوطن.. عَززت مَكانةَ مَن تعامَلوا معها، وسلّطتهم على رقابِ الثوّارِ الأباة.. ومنهم جَدّكِ، الذي اشتدّتْ عليهِ الأمراضُ، نتيجةَ الضغطِ العَصَبيّ، والنفسيّ، الذي سَبّبته لهُ هذه الأوضاعُ القاهِرة، وحُكمُ الغزاةِ على قائدِ الثورةِ بالإعدام.. فأخفاهُ الأهالي عن عيونهم، وعيونِ أعوانهم.. ممّا جعل فرنسا تنكّلُ بالأهالي أفظعَ تنكيل.. تلاحِقهم.. وتحرق قراهم، وتداهِم البيوتَ التي تظنّ أنّ الشيخَ مختبئٌ فيها، أو أنّ أصحابَها يعرفون عنه شيئاً.. لكن.. دون جَدوى.. فاضطرت فرنسا إلى إصدارِ عَفوٍ عن الشيخ.. على شرطِ أن يُسَلِّمَ نفسَه… فحاوَلَ جَدّكِ مَنعَهُ من ذلك.. دون جَدوى.. وكان الشيخُ قد استطاع إقناعَه، بعدَ جَهدٍ جَهيد، بتسليمِ سلاحِه.. لأنّ الثورةَ كانت قد فقدَت كلّ دَعمٍ مادّيٍّ ومعنويّ.. فسَلّمَ سلاحَهُ، وخرَجَ مرفوعَ الهامَةِ، مَكسورَ القلبِ، دون أن يُحَيّي أحداً، أو ينطقَ بأيةِ كلمة.. فاختلَفا.. نتيجةَ عِنادِ جدك، وحِكمة الشيخ.. لكنّ جدكِ أصَرّ على مُرافقةِ الشيخِ إلى “اللاذقية “.. وقالَ له :

-واللهِ، إن حاوَلوا أن يغدروا بكَ، كعادَتهم.. إن حاوَلوا قتلَكَ، يا صالح.. فسأقتلكَ.. ثمّ أقتل نفسي.. كي لا أدَعَ يَدَ غادِرٍ تمَسّك….

آه، يا جدي..

كان الغزاةُ والمُتعاملون معهم في أوْجِ سُلطتِهم، وغطرَستهم، آنذاك.. فكيفَ سيكونُ حالُ جدكِ، عندها..؟!

-أخبرني كيف طلبتَ جَدّتي للزواج.. فقد ارتفعَ ضغطي.. فهَلاّ رَطّبتَ الجَوّ قليلاً..؟!

-بأمرِكِ، يا جدي…

(نهاية الجزء الحادي عشر )

لم يكنْ يخفى على أحدٍ، أنني أريدُ الزواجَ من “سَكينة “.. الأرملة.. حبيبة الطفولة..

ذكّرتُها بأيامِ الطفولة.. وكيف كنا نرعى دوابنا، ونبني “بَيْتوناً ” ونحلمُ أننا زوجان، وأننا أنجبنا ولداً.. ونمسِكُ حَجَراً أبيضَ مستطيلاً، نلفه بخروق.. وندّعي أنه ابننا.. نحن الطفلانِ اللذانِ لم يتجاوزا السنة العاشرة من العمر…

ذكّرتها، كيفَ كانت تقول لي :

-ماذا سنسمّيهِ، يا صالح..؟!

-سليمان.. ما رأيكِ أنتِ..؟!

-مليح.. ومتى سنسجّله في الدّولة..؟!

-لن أسجّله.. كي لا يأخذوه إلى العَسكَر…

ضحكتْ سكينة، ضحكةً خجولة.. لكنني أعرفُ دَلَعَ النساء.. قالت لي، بحَياءٍ وأدَب، كثيراً ما كنتُ أحبهُ فيها :

-مازلتَ تذكرُ تلكَ الأيام..؟! لقد ذهَبت..

فأجَبتُها، بثقة :

-ما رأيكِ أن تعود..؟!

ترَدّدَتْ قليلاً.. لكنها وافقت، على شرطِ أن أسألَ ذويها، الذين وافقوا دون ترَدّد..

فقد كانوا متأكّدين أنني سأكون زوجاً صالِحاً، وبَديلاً صالِحاً، أيضاً، عن أبِ أبنائها.. لكنّ ابنتَها “جميلة ” كانت تكرهني.. لا أعرف لماذا..؟!

-لو تعلم، أنها توفيتْ في التسعينات من القرن العشرين، وكانت ماتزالُ حاقدةً عليك.. فقد أخذتَ منها أمها.. وزادَ من كرهها لك، أنكَ اصطحَبتها معكَ إلى الغربة، وتركتها وإخوتها اللذين كانت هي أكبرهم.. واضطرّت أن تكون لهم بَديلاً عن الأم، والأب.. في ذلك الوضع الإنسانيّ القاسي.. والذي لا يحتمله الرجال…

-تزوّجتُ سكينة.. سَكنا جميعاً، أنا وهي وطفلَين، وطفلتَين، في غرفةٍ حَجَريةٍ كبيرةٍ، واحدة.. قسَمناها بواسطة توابيتِ الحبوب، إلى غرفتين.. والدوابُّ تحتَ “السّيباط ” شتاءً.. وتحتَ “المْضَلِّة ” أمام البيت، صَيفاً…

حَمَلَتْ سكينة.. ومَنّ اللهُ علينا بتَوأمَين.. طفل، وطفلة.. كنتُ سعيداً بهما – حتى – أكثرَ من أمهما.. فقد كان لديها أبناء.. بينما لم أرَ وَلَدي الذي ماتَ مع أمهِ من زمان.. وكانا أوّلَ طفلَينِ لي.. لكن.. آه، يا جدي..!! هكذا توأدُ أحلامُنا دائماً..فلم يَطُل بهما الأمر، فقد توفيا بعد عدة أشهر من ولادتهما.. حَمَلناهما أنا وسكينة، لوَحدِنا.. تصَوّري..! دَفناهما في “الرّوَيْسِة “

اسألي أمكِ، فهيَ تعرفُ ذلك…

-وهل تظنّ نفسَكَ أنكَ أنتَ مَن تروي لي هذه الأحداث، يا جَدّي..؟!

-دَعيني أسترِح قليلاً على ذلكَ المقعَد.. فأنا سعيدٌ بيدِ جَدّتِكِ التي تتأبّطُ ساعديَ الأيمن.. وبيدِ ابنتي الوحيدة، التي تستلقي على كَتِفي…

-سأرخي ساعِدَكَ قليلاً، يا صالح.. فقد جاء دَوري للحديث..

-جَدّتي..!!

وحَضَنتها.. وحَضَنتني.. قبّلتها.. وقبّلتني.. لكنني بكيتُ أكثرَ منها…

(نهاية الجزء الثاني عشر )

-وافقتُ جدكِ على الهجرة إلى الأرجنتين، على مَضَض.. فالوضعُ في الوطن لم يعُد يُطاق، لكنني اعترَضتُ على ترك أبنائي، وكان أصغرهم “اسماعيل ” الذي وَلَدتُه بعد وفاة أبيه بعدة أشهر، فأطلقتُ عليه اسمَه.. كان مايزال في الثالثة عشرة من عمره.. قال لي صالح :

– سأعملُ أنا، ونرسل لهم نقوداً.. وعندما تتحسّن أحوالُنا المادية، نسحَبهم إلى عندنا…

لكن ذلك لم يتحقق طيلةَ حياتنا.. أنا أعذرُ جدكِ.. لأنّ الوضع لم يكن مناسباً، أبداً، لذلك.. فلو سحبناهم، لضاعوا في تلك الغربة.. كانوا شباباً، وفي سن الزواج.. فكيف سيتأقلمون مع مجتمعٍ مختلفٍ تماماً عن مجتمعهم..؟!

-“مو قاهرني غيرك، يا اسماعيل..” قلتُ لطِفلي الأصغر، الذي ألقى نفسه في حضني، لآخر مرة.. وراحَ يتمرّغ ماسِحاً دموعَهُ بفستاني، بعد عودتي من جلبِ الحَشيش.. مَسَحتُ وجهَهُ بكفيَ الخشِنة.. لكنّ أحداً لم يمسحْ دموعي…

آخ..!!يا جدتي.. لأختصر لكِ قليلاً.. فلحظاتً الوَداعِ قاتلة…

فقد وصَلنا إلى “الروخاس ” عام 1929م.. ولم يكنْ بحَوزتنا سوى القليل من المال…

سَكنّا في غرفةٍ قديمةٍ جداً.. رطبة، ومُعتِمة.. على أطرافِ المدينة.. بقينا مدةً نعيش على الخبز والمَتّة.. فقد كان جارُنا العربيّ، من قرى اللاذقية، ويُدعى “حْوَيسِة ” وهو لقبُه.. يبيع الخبز على عرَبةٍ جَوّالة.. قال له جدكِ، منذ وصولِنا :

-يا أخي، يا حْوَيسِة… هل تستطيع إقراضَنا الخبزَ، من الآن، إلى أن أجِدَ عَملاً.. وعندها سأوَفيكَ ديونَكَ كلّها، فورَ توَفرها معي..؟!

فقال له التاجر :

-والله يا أخوَيّ.. لو طلبتما أن تأكلاني أنا، لأطعمتكما نفسي…

بكينا أنا وجدكِ.. ورحنا نستدين…

(نهاية 13 )

كان جدكِ صاحِبَ تفكيرٍ سليم.. هِمّتُه عالية.. وبَصيرَته نافذة.. وإيمانُه مُطلقٌ باللهِ تعالى.. فتوَكّلَ على الله، واستدانَ من مُغترِبٍ آخر، يسكن على بُعْدِ حوالي أربعين كيلومتر من الروخاس، في مدينةٍ اسمها “بارغامينو “.. نسيتُ اسمَهُ الآن.. آ.. آ.. إنهُ أخو زوجتِهِ الأولى المسكينة آمِنة.. استدانَ منهُ/500/ ريال.. ومن مُغترِبٍ آخرَ من “الفِندارَة ” /500/ ريال أخرى.. واشترى بها سيارة قديمة جداً.. كان يقودُها بنفسِهِ، ومعهُ حقيبةٌ معدنيةٌ فيها مفكّات براغي، ومادة لكَشفِ الذهَب، وميزان صغير للذهب، وعَزقات، وأشياء أخرى كثيرة تصلحُ للعمل…

كان يتركني في غرفتي وحيدة.. أعيش على الخبز والمتة، عدة أيام.. قبل أن يعود.. يسافر في أرض الله الواسعة، طالِباً الرزقَ الحَلال.. يقودُ سيارته المُهترئة، مسافة تطول أو تقصر.. يبيع التبغَ المُهَرّب أيضاً.. كنتُ ألفّ التبغَ بعَباءةِ “الشيخ يوسف ” ألله يقدّس روحه… وأخفيها في أسفل السيارة، في مكان آمِنٍ من الدّوريات.. وكثيراً ما قال لي صالح، أن أعضاء الدوريات كانوا يقلّبونها في كلِّ الإتجاهات، أثناء التفتيش، دون أن يهتدوا إلى ما في داخلِها.. لكن السيارة العتيقة، كثيراً ما كانت تتعطّل، فيتركها على جانب الطريق الوَعرة، ويحمل حقيبته المعدنية، ويسافر سيراً على الأقدام، ليجدَ أناساً يحتاجون إلى تصليحِ دَرّاساتٍ، أو حَصّادات، أو ماكينات خياطة.. أو يبيعُ ويشتري قِطعَ الذهَبِ الصغيرة.. حتى تتوفرَ معهُ كميةٌ من النقود، فيعود ليُصلِحَ بها السيارة.. وقد يحتاج إلى استبدالِ قطعةٍ مُهترئة، بأخرى جديدة.. ويعود ليقودَها ثانيةً.. وهكذا…

(نهاية 14 )

مرّةً، اضطرّ أن يغيبَ عني مدةً، أكثرَ من العادة.. لم أرَ خلالَها إنساناً.. وفي يوم، دَقّ إبن عَرَب الباب، ففتحته له، وأنا محنية الظهرِ.. سألني : مابكِ، يا زوجة عمي..؟! هل أنتِ مريضة..؟! أينَ عمي..؟!

-عمّكَ مسافرٌ، منذ عدة أيامٍ، يا بُنيّ.. وأنا مَيّتة من الجوع…

-لا حَولَ ولا قوةَ إلاّ باللهِ العليّ العظيم.. لا عَليكِ، يا زوجة عمي…

وذهبَ ابنُ الحَلال، جَزاه الله خيراً، واشترى لي بعضَ الطعام، ووعدني أن يبقى يكشف عليّ ، ويزوّدني بما أحتاجهُ، إلى حين عَودة جَدِّك..

وعندما عاد.. أخبرتُهُ بما جَرى، وأنا أبكي.. بكى هو الآخر، وجَلسنا نفكّرُ بحالِنا، كيف نتصرّف..

قلتُ له :

-لاتعُد، وتتركني وحيدةً، ياصالح..

أجابَني مَقهوراً :

-إذاً.. كيفَ سنؤمِّنُ قوتَ يومِنا..؟!

-سأساعِدكَ، يا صالح.. أحضِر لي كميةً من الصوفِ، وكميّةً من خيطانِ الكروشيه، وصَنارة.. وأنا سأريكَ كيفَ أساعِدُك…

ففعَل…

صِرتُ أنقّي الصوفَ، وأغسله، ثمّ أجَففه، وأغزلهُ بالمغزلِ اليدَويّ، خيوطاً، ألفّها كَكُراتٍ كبيرة.. أصبغها بألوان غامِقة.. وأنسجُها كنزات، أرسلها لأولادي في الوطن.. كلّ على مَقاسِه.. وأشتغلُ أطقماً للطرَبيزات، وأغطيةً للأواني، من الكروشيه.. أو ستائرَ، أنقعُها بالنشاء، ثمّ أجَفّفها، وأكويها، وأرسلها للبيع.. لكن.. ألله يلعن الظالِمين…

-ماذا تذكّرتِ، يا جَدّتي..؟!

 

-تذكّرتُ ذلكَ الماكِر، الذي أرسلتُ معه مرةً، طقماً من الكروشيه، كان أجملَ ما نَسَجتُه.. كان بائعاً جَوّالاً، من إحدى القرى القريبة من طرطوس.. قلتُ له :

-بِعهُ لي، وخذ حقكَ من ثمنه..

واتفقنا على ذلك.. لكن.. مَرّ شهرٌ.. شهران.. ثلاثة.. وأكثر.. وكلما رأيتُه، أسأله عن الطقم، فيجيب بأنّ أحداً لم يشترِهِ منهُ، بَعدُ…

وكنتُ في هذه الأثناء، قد اشتغلتُ وبِعتُ عدة أطقم.. كنتُ أسهرُ حتى ساعةٍ متأخرةٍ من الليل.. “أكْبي ” كثيراً.. لكنني أعودُ لأوقِظَ نفسي.. فالوقتُ للعمل، وليسَ للنوم، يا سكينة.. أطفالُكِ في الوطنِ جائعونَ وعَريانون.. وزوجُكِ غيرُ قادرٍ، بمُفرَدِهِ، على تأمينِ ما يكفي لكما.. فكيفَ سيستطيعُ أن يَفيَ بوَعده، ويرسلَ لهم ما يسدّون بهِ رَمَقهم، أو يكسوه.. إن لم تساعِديهِ بكلِّ طاقتِكِ، يا سكينة..؟!

وآخر مرةٍ رأيتُ ذلكَ الشخص، سألتُه، بتذمّر :

-ألَم تبِعهُ حتى الآن..؟! لقد بِعتُ – وأنا هنا – دون أن أسافرَ إلى أيِّ مكان، عدداً كبيراً من الأطقم، أقلّ جودَةً منه.. فكيفَ لم يشترِهِ منكَ أحدٌ، حتى الآن..؟! ثمّ.. إن كان معكَ، اعطِني إياهُ، لأبيعَهُ هنا.. فقد اكتسَبتُ ثقةَ الجميع، وصارَ الطلَبُ على شغلي يزدادُ يوماً، بعدَ يوم..!!

فأجابَني بفظاظةٍ، واستخفاف :

-لقد بِعتُهُ من زمان.. وزَكّيتُ ثمَنهُ عن روحِ أبيكِ…

-ألله يحرق روح أبيك، يا كَذّاب…

بكيتُ كثيراً.. ولم أخبرْ جدكِ، كي لا أزيدَ من مَتاعِبه.. فالخطأ خطئي.. لكن، الحمد لله.. تعلّمتُ أن أعتمدَ على نفسي، أكثرَ بكثير مما أعتمد على الآخرين، في تصريفِ أموري.. ودَلّتني هذه الحادثة، أنّ هناكَ أناساً مُخادِعين، علينا الحذر منهم.. فكما يقولون ( رزق الدّشارْ، بيعَلِّم ولاد الحَرام، السّرقة )…

-مايُعزّينا، يا جَدّتي.. أنّ الخيرَ أبقى…

-الحَمدُ للهِ.. جَلّ اسمُه…

(نهاية 14 )

بعدَ مدة، استطعنا توفيرَ بعضِ المال، وأرسلناهُ مع بعض الكنزات وأشياء أخرى، إلى أبنائي في الوطن…

كان صالح يشعرُ بالمسؤوليةِ تجاهَ أبنائي، أكثر بكثير مما يشعر تجاه أهله وإخوته.. ولم يتقاعَس، يوماً، عن إرسالِ كلّ ما يقدر عليه من مالٍ، ولِباس، وغير ذلكَ مما يحتاجونهُ، طيلةَ حياتِنا…

-هل تعلمينَ، يا جَدّتي، أنّ خالي “الشيخ اسماعيل ” مايزالُ يحتفظُ ببعضِ الثيابِ التي كنتِ ترسلينها له..؟! وقد أخبرَنا أنكِ أرسلتِ لهُ، يومَ زفافِه، فستاناً لعَروسِهِ، لبستهُ يوم العرس..؟!

-عيني اسماعيل، مازالَ يذكرني..؟!

-بل، ومازالَ يقولُ أنّ أطيَبَ رائحةِ عِطرٍ في العالَم، هيَ رائحةُ عَرَقِ أمِّه.. وأنهُ لا يستطيعُ أن ينامَ، قبلَ أن يستحضِرَ رائحةَ عَرَقِك، وشكلَ وَجهِكِ، الذي لم يفارِقهُ، يوماً، منذ أن وَدّعتِهم في ذلكَ اليومِ الحزين.. وماتزالُ صورَتُكِ، مع جدي، وأمي، مُعَلّقةً على حائطِ بيته.. ومع أنها بالأبيضِ، والأسوَد، إلاّ أنهُ يؤكّدُ أنّ فستانكِ كانَ لونُهُ أخضر.. وأنهُ يُشبهُ فستانَكِ الذي كنتِ ترتدينهُ عندَ عَودَتِكِ من جَلبِ الحَشيشِ، حينَ دَسّ نفسَهُ في حضنكِ، لآخرِ مَرة، وشَمّ رائحةَ عَرَقِك…

(تبكي جَدّتي، بمَرارةٍ، وتُتابِع ) :

-كنا نرسِلُ لهمُ النقودَ بالدّولار.. كلّ مئة، أو مئتيّ دولار، أو خمسين، لفلان.. وأخرى لفلانة.. فيصَرِّفها لهم ذوي الخِبرةِ في ذلك.. ويُسَلِّمهم إياها أمامَ شُهودٍ، ويُعْلِموننا بذلكَ، برسالةٍ موَثّقةٍ من أهلِ الثقة…

كنا نتابعُ أخبارَهم، وأخبارَ الوطنِ، أوّلاً بأوّل.. لكنّ الرسائلَ المَكتوبةَ والشفهية، كانت تبقى أشهُراً كي تصِلَنا بهم، أو تصِلَهم بنا.. ولم ينسَ أهلَهُ، أو أهليَ الأقرَبينَ والأبعَدين…

كنا نرسِلُ للجميعِ، كلَّ مانستطيعُ تأمينهُ لهم من مالٍ، ولِباسٍ، وأحذية، وبعض قطَع الذهَبِ الصغيرة، وماكينات خياطة، وساعات يد، وأخرى يعلِّقها الرّجالُ بسِلسِلةٍ في قَبّةِ القميصِ، ويضعونها في جيوبهم…

آه.. يا جَدّتي..!! ما أصعَبَ الغُربة..!!

-هل ترغبينَ أن تستريحي قليلاً، يا جَدّتي..؟! إنني أرى وَجهَكِ يميلُ إلى الإصفِرار، وجسمَكِ يرتجِف..!!

-لا عَليكِ يا جَدّتي.. سأستنِدُ قليلاً على كَتفِ صالح، ثمّ أتابعُ الحَديث…

تنهّدّتْ جَدّتي بعُمقٍ، وأغمَضتْ عينيها، مُبتلِعَةً غصّةً، لم يمحُها الموتُ، قبلَ أن تتابع :

-بعدَ سَنتينِ من وصولِنا، وفي الحادي والعشرين من آذار عام 1931م وُلِدَت ابنتي “مَريَم “… فرِحتُ بها كثيراً.. لكنّ فرَحَ جدكِ كان أكبر.. فهيَ أوّلُ وآخرُ أبنائه…

آه.. كم كنتِ جميلةً يا مَريَم..!!

-ومازالت أكثرَ جَمالاً، يا جَدّتي.. حتى وهيَ تقارِبُ الثمانين…

-لا.. ليست في الثمانين.. إنها ماتزالُ أمامي، تلكَ الطفلة الجميلة الوادِعة.. إنني مازلتُ أراها تُشاكِسُني، وتكبرُ، ويكبرُ فرَحُنا معها.. لقد رَبيناها “كلّ شِبْر، بندر ” كما يقولون…

-أمي……. وبكَتْ مَريَم “… لاتُصَدّقي بَتول.. فلم أبلغ الثمانينَ، بَعدُ.. لكنني تجاوَزتُ الخامسة والسبعين.. وتلكَ العَنيدة ” وتضربني أمي على كَتِفي.. أو تقرصُني في زندي – كعادَتِها – قبلَ أن تتابع ” :

-ابنتي طالِعة لعائلةِ أبيها، يا أمي.. مع أنني حاوَلتُ، جاهِدَةً، أن أجعَلَ منها إنسانةً مُسالِمة.. مثلي، ومثلكِ.. دون جَدوى.. فهيَ عنيدة.. وتُصِرُّ – كما تقول – على ألاّ تجعلَكم تموتونَ، وتستريحونَ من هذهِ الدنيا.. لذلكَ طلبتْ مني، وألَحّت بالطلَب، أن أحكي لها ذِكرَياتي عنِ الغُربَة.. كي تسجِّلَها على الوَرَق.. وتجمَعَها في كِتاب.. هيَ تزعمُ أنها ستُخلّدنا في كِتاب.. لكنني – والكلامُ في سِرِّكِ، يا أمي – كنتُ سعيدةً باستِحضارِ تلكَ الأيامِ، والسنين، والأحداث التي عشتُها معكم…

كم أضحَكَتني المَلعونة..!! وكم أبكَتني..!! وأنا أسردُ لها بعضاً ممّا تبقّى في ذاكِرَتي من أحداث.. لكنها أعادَتني إلى زمَنٍ جميل.. زمَنِ عيشتي معكم…

“وتبكي مريم.. وهيَ تحضنُ والدَيها، قائلةً ” :

-يقولونَ لي، إنني كنتُ أهذي، عندما كنتُ أستيقظُ منَ المُخدِّرِ، بعدَ أن أجرى ليَ الأطباءُ العمَليّةَ الجراحيةَ الخامسة، على جَسَدي المُتعَب… كانت عمليةَ تجبيرِ كَسرٍ في الوركِ الأيسَرِ، والزندِ الأيمن.. عندما سقطتُ قربَ المِغسَلة.. وحاوَلَ “عادِل ” أن يُنهِضَني، ماسِكاً زندي بقوّة.. دونَ جَدوى.. فكَبَسَ زرَّ “الأنترفون ” ليرفعَ ابني “محمود ” السمّاعةَ من بيتِهِ القريب :

-تعالَ بسُرعة.. أمكَ سقطتْ.. وأنا لا أستطيعُ أن أُنهِضَها…

فأسرَعَ محمود، وزوجته، وابناهما.. ساعَدوا زوجي على إنهاضي، وطلبوا لي الطبيب، الذي أخبر سيارة الإسعاف الوحيدة في المنطقة، ونقلوني إلى طرطوس.. إلى ذلك المشفى الذي يطل على البحر، حيث أجريَت لي عملية التجبير، ووضع صَفائح معدنية لتدعم العظم الضعيفَ الهَشّ…

يقولون لي إنني كنت أهذي، وأقول :

-لماذا جاؤوا بي إلى قرب البحر..؟! لماذا..؟! لماذا..؟! ألا يعرفون ماذا يفعَلُ البحرُ بي..؟!

أمي.. أبي..!!

أين أنت الآن يا أمي..؟! أين أنت يا أبي..؟!

إذا مِتُّ سيدفنونني هنا.. “وأبكي بمَرارَة “.. لن يأخذني أحدٌ لأدفنَ قربكما، يا أمي، ويا أبي… لماذا..؟! لماذا..؟!

فيبكي جميعُ مَن حَولي، من أبنائي وأقاربي ومَعارفنا…

تذكّرتُ، يا أمي، تلكَ المناديل المُلوّنة، وتلك الشموع المُضاءة، التي كانت تختفي بالتدريج، عن شاطئ المُحيطِ الأطلسيّ من الغرب…

عندما أطلقَتْ “أوغوستوس ” أنينَها، مُعلِنةً الرحيل…

نحوَ الشرقِ، كان الرحيلُ، يا أمي…

التقطَ “عادِل ” منكما “سليمان ” ابن العام وأقلّ من شهر.. وكأنه التقطَ آخرَ قطعةٍ من روحَيكُما..

حَمَلهُ، ورفعه بين يديه، ماسِكاً ساعِدَه، ليلوّحَ الصغيرُ بها، كما نفعلُ نحن، وجميع المسافرينَ والمُوَدِّعينَ، على الشاطئ…

كان بَطني يلوّحُ أمامي، كما كانت تلوح تلك المناديل.. كانت هذه “الشقيّةُ ” تسبحُ في داخِلِه…

أذكُرُ أنّ بطني اصطدَمَ ببطنِ ابنةِ خالي الحامل، ونحن نقبّلُ بعضنا، عند الوداع.. فأثارَ ذلك بعضَ الضحك…

كذبتُ عليكما، يا أمي، حين قلت لكما إنني في شهري الخامس.. بينما الحقيقة، إنني كنت في شهري السابع…

وما يزالُ “عادِل ” يقول :

-كادَتْ “بَتول ” تولَدُ في البحر…

لم أكن أصَدّق أنه الوداع الأخير… كنت أظن أننا سنبقى عدة أشهر.. أو، ربما عاماً، على الأكثر، حتى يدبّرَ عادل، حالَ أهله في الوطن، ثم نعود…

كنتُ في شوقٍ لرؤيةِ ذلكَ الوطنِ الذي كنتما تحبانهِ، إلى درَجةِ العِبادة.. وزرَعتما في قلبي وفي روحي، حُبّهُ وتقديسَه… كنت راغبة برؤية أقاربي.. بيت عمي، أهل عادل.. وإخوتي، وأهلي الباقين في الوطن…

لقد زرعتما في نفسي، أنهم امتدادي.. وأنّ (الأرجنتين ).. ذلك البلد الذي وُلِدتُ وعشت فيه أكثر من اثنتين وعشرين عاماً.. كان لا يتعَدّى كَونه (غُربَة )… فأوحَيتِ لي يا أمي، أن أرسل رسالةً باللغة العربية، إلى عمي (الشيخ مجيد ).. أستعطفه، أنني إذا مات أبوايَ، فمَن يبقى لي، يا عَمي..؟! وكيف سيكون حالي في تلك الغربة..؟!

وأرفقتُ الرسالةَ بصورةٍ لنا نحن الثلاثة…

فأجابَني عمي، برسالةٍ كلها عاطفة، ومحبة، وثقة، وتطمين :

-لن نتركك وحدك يا عمي.. فنحن أهلك.. لا تخافي.. بل، واطمئني.. هذه صورة ابن عمك (عادل ).. فإن أعجبك.. فسنكون سعيدين بذلك.. وسنرسله إلى عندكم… ونزوجكما… أنت ابنتنا أيضاً، يا عمي.. ولن نتخلى عنك –أبداً- …

آه.. كم بكيتما على تلك الرسالة يا أمي..!!

آه.. يا أبي..!!

فأرسل أبي رسالة جوابيةً لأخيه :

-إذا كان هذا رأيكم.. فليسَ لدينا مانِع…

وجاء عادل…

ترك المدرسة، يا بَتول… اكتبي… لقد ظلّت حُرقةً في قلبه، أنه ترَكَ المَدرسة… وأنا أشعرُ بالذنبِ، أنّ ذلكَ كان بسبَبي أنا…

تخلّى عن طموحِهِ من أجلي… فكيف لا أحبهُ، وبهذا الشكلِ، رغمَ كلِّ الصعوباتِ التي اعترَضتنا في حياتنا..؟!

بقي 33 يوماً في البحر..مابين مرفأ بيروت، وميناء بوينوس آيرس… منها ستة أيام توقّف في جَنَوَة لتبديل الباخرة…

لم يستطعْ أبي أن يرافقنا لاستقباله.. كان مريضاً، يا ابنتي.. ركبنا أنا وأمي، القطار العجوز الذي يعمل على الفحم، من الروخاس، إلى العاصمة بوينوس آيرس… بقينا حوالي ستّ ساعات سفَر.. نزلنا في بيت خالي (الشيخ سالم غانم ) في (شارع روساريو 205 )…

صارت بنات خالي يضحكن عليّ :

-إي.. والله أنيقة أكثر من العادة.. ذاهبة لمُلاقاة العَريس..!!

كنتُ أرتدي فستاناً زيتياً، تقطيعاتُهُ ناعِمة.. وأضعُ وَردةً في شَعريَ المُصَفّفِ، وشَكلةً أزيّنُ بها صَدرَ فستاني..

رافقَنا خالي وعائلته، وشابٌّ آخر، كان قد طلبني للزواج، ولم أوافق..

ذهبنا جميعاً لاستقبال عادل.. وقفنا على الميناء، نراقب القادمين…

باخرة ترسو.. وأخرى تغادر…

مجموعات من الناس تبكي الوداع.. وأخرى تفرح باللقاء..

وعندما رسَتِ الباخرة التي تقلّ عادل.. استنفرنا جميعاً.. حِرنا.. كيف سنعرفه..؟! وكيف سيعرفنا..؟! ولم يرَ أحدُنا الآخرَ من قبل..؟! وَلوَلَتْ زوجةُ خالي :

-وَيلي أنا.. سيضيعُ الصّبي..!!

نهَرَها خالي :

-لن يضيع.. لن يضيع..

كانوا يضعونَ المُسافِرين الصّغار، أو الذين لا يرافقهم أحد، في مَقصوراتٍ خاصّة.. يُنزِلونهم واحِداً.. واحِداً.. مُنادينَ على كلِّ واحِدٍ باسمِه.. ويُسَلّمونهُ لأقاربه.. أو، لمَن عليهِ أن يستلِمَه.. بأوراقٍ رسمية، توقّع عليها الجِهةُ المُسَلِّمة.. والجهةُ المُستلِمة…

وعندما جاء دَورُ هؤلاء بالنزول، رحنا نراقبُ الأسماءَ بدِقة.. وأنا أتضاحَكُ مع بنات خالي.. كلّما رأيتُ شاباً جميلاً، أقول :

-ياربّ يكون هذا..

وبعد قليل، سمعنا :

-(آديل مَجيد آدِيل )…

تسارَعَت دقّاتُ قلوبنا، كما تسارَعَت حركاتُ العيون، وازدادَتِ الحَرَكةُ في أرواحِنا وأجسادِنا جميعاً.. وكلّ واحدٍ منا يُدَققُ النظرَ بالنازلينَ من السفينة، عَلّ شيئاً مُمَيّزاً، أو أية علامةٍ تدلّنا بشكلٍ أسرَع على ابنِ عمي…

(نهاية 14 )

حَدّقنا أنا وأمي أكثر من الجميع.. وصِحنا معاً، حين رأيناه :

-هذا..!! إنه هذا..!! هو عادِل…

إنه يشبه عائلتنا يا أمي…

اقترَبنا منه بلَهفة… بادَرَنا بالكلام :

-أنا عادِل.. مَن أنتم..؟!

أجَبتُهُ أنا :

-أنا ابنةُ عَمكَ مَريَم.. وهذهِ أمي…

وَقّعَتْ أمي على استِلامِه…

-وهذا خالي وزوجته وأبناؤه وبناته.. وهذا.. عريس قديم.. لكن، عليكَ ألاّ تغر.. فقد تزوّج منذ مدة…

مازَحَني :

-خَدَعتِني.. كنتِ تبدين في الصورةِ أجمَل…

ضحكنا جميعاً…

بكَت أمي وزوجة خالي…

-إنهُ من رائحة الوطن.. من رائحة الأهل…

-وَيلي أنا.. إنه صغير.. صغير جداً.. هذا سيعرفُ كيف يتزوج..؟!

كان يبدو مُرهَقاً، حزيناً على فراق أهله، ووطنه… نظراته مُستغرِبةً عالَماً لم يألَفهُ بَعد…

كان ذلكَ في حوالي مُنتصف كانون الأول من عام 1950م… كان الأهل في سورية يحتفلون بعيدِ البَربارَة، في أوائلِ فصلِ الشتاء… أما في الأرجنتين، فقد كان الوقتُ صيفاً…

وقد أخبرتني أخته، أن أمه، زوجة عمي حليمة، ومنذ أن غادَرَ عادِلُ الوطن، ظلّت تبكي فراقه، وتغني حُزنها عليهِ، مُرَدِّدَةً هذا المَوّال الحزين :

(أنا.. يا امّي.. لَجدّ السير، وانهارْ…..

واقطَعْ هالبَراري، جْبالْ ونْهار……

بالله عليك، ياطير.. روحْ لَجَنب الدارْ، وانهارْ….

وصيحْ بصوتْ، فَيّقْ لي الضّنا….)….

***

 

 

بقينا عدة أشهر مخطوبَين.. تعَرّفنا خِلالَها على بعضِنا، وأحبَبنا بعضَنا…

كان بيتُنا مِحَجّةً لأبناءِ العَرَب.. كان أبي يحرص على احتِضانِ الفقراءِ منهم، ومَن تقطّعَتْ بهمُ السُّبُل.. يؤويهم.. يطعِمهم.. ويهتمُّ بهِم…

وفي مرةٍ، كان قد أحضَرَ واحِداً من هؤلاء، فصارَ ينظرُ إليّ نظراتٍ أغاظتني.. فأيقظتُ عادِل من نومَةِ القيلولةِ، بعدَ عَودَتهِ من المَتجَرِ، مُتعَباً.. وأخبَرتُهُ بذلك…

فنظَرَ إليهِ نظرةَ تحذيرٍ، عاقِداً بينَ عَينيه، مُشيراً إلى أنّ ابنةَ عَمّهِ، من الآن فصاعِداً، هيَ عِرضُه، وخطيبته.. وهوَ حاميها.. ومَن يقتربُ منها بهذا الغرَضِ، سيَلقى جَزاءة…

وكتبَ لي قصيدةً، تذكّرَ أغلبَ أبياتِها، بعد أكثرَ من نصفِ قرنٍ، عَقِبَ قيامي بالسلامةِ من عملية تجبيرِ الكسر، وقرأها على مَسامِعي، بتأثّرٍ بالِغ، هيَ وقصيدة أخرى،كتبها – وهوَ يبكي – عندما وَضعوني على الحَمّالة، وأخرَجوني من البيت، وأدخَلوني في سيارةِ الإسعاف.. ظنّ، حينها، أنه لن يراني بعدَها.. فجَلسَ يبكي وحيداً طوالَ الليل، وكتبَ القصيدةَ، التي بدأها بعِتابٍ رَقيق :

(نهاية 15 )

(رَحَلتِ..؟! ).. أما القصيدة الأولى، فكان قد بدأها بقولِه :

(أماريّا.. برَبِّكِ، مادَهاكِ..؟! )….

في بداية شهر نيسان عام 1951م، قال أبي لخالي :

-سأرسلهما إليك، تقرأ فاتحتهما، وتزوّجهما على سُنةِ اللهِ ورَسولِه…

بقينا عدة أيام في بيت خالي، وهوَ يترَقبُ الأيامَ المُبارَكةَ التي يمكن له أن يقرأ فاتحتنا خلالها…

كنتُ أنامُ بين بنات خالي، في غرفتِهنّ الخاصّة.. نضحكُ كثيراً.. ونترَقّبُ ذلكَ اليومَ الكريم…

وحينَ يُدرِكنا التعبُ، ننام.. لكنّ إحدى بنات خالي كانت توقظني وهيَ تضحك:

-وْلِكْ لا تنامي.. لا تنامي…

قد يُعلِنُ أبي بعدَ قليل، أنّ هذا اليومَ مُبارَك…

فأرفعُ يَدَيّ بالصّلاةِ، أن يحصلَ هذا…

-يا الله… هَيّئي نفسَكِ للزواج.. وإن كان خطيبُكِ خَجِلاً، شَجِّعيهِ أنتِ…

-أينَ ستهربان..؟! سنراقبكما من النافذة…

تزوّجنا في الثالث عشر من نيسان 1951م.. في غرفةٍ من بيتِ خالي، كانوا قد خَصّصوها لنا… وفي الصباح.. حَيّيتُ زوجةَ خالي، التي استيقظت قبلَ الجميع :

-ألله يصَبّحِك بالخير، يا زوجة خالي..

-ألله يسعد صباحِك، يا مَريَم… مُبارَكٌ يا ابنتي…

-كيفَ عرفتِ..؟!

-من بعضِ القطراتِ الحمراء في التواليت…

 

قضَينا عدةَ أيامٍ أخرى في بيتِ خالي… عُدنا بَعدَها إلى الرّوخاس…

وبعدَ شهرَين، حَملتُ… وكانت أمي أولَ مَن لاحَظَ ذلك.. فقد كنتُ، أحياناً، أتقيّأ عند استيقاظي…

فرحت أمي كثيراً.. وشرَحَتْ لي عَوارِضَ الحَملِ، التي عَليّ التأقلم معها… وأوصَتني عدةَ وصايا.. لكنها لم تنفع.. فقد أسقطتُ حَملي بعدَ ثلاثةِ أشهر.. دونَ سَبَبٍ ظاهِر…

كانت أمي قد أخبَرَت أبي أنني حامِل، بطريقةٍ غير مباشِرة… فقد كان يصطحبنا – كعادته كل يوم أحد – في السيارة التي يقودها بسُرعَةٍ كبيرة، على طريقٍ ليست جيدة.. وكثيراً ما كنا نحن الثلاثة نقفز فوق مقاعدنا، إذا صادفت العجلات حفرة في الطريق.. فصارت أمي تنبه أبي أن عليه تخفيف السرعة من الآن فصاعداً، نظراً للظروف المُستجدة…

حاولت منعها.. لأنني كنت أخجل إن عرف أبي أنني حامل.. لكن أمي أعادت الطلب منه بتخفيف السرعة، وهي تقول :

-سيكون سعيداً جداً، إذا عرف.. سيكون عيداً عنده…

كان أبي دائماً يوصي عادل أن يتعامل معي بحنان، ولطافة.. مما كان يُغضبه.. ففي رأيه أن هذه الوصايا غير لازمة.. فهو يعرف واجبه تجاهي.. كان أيضاً، يحاول أن يعلمه في البيت، مالم يستطع أن يتعلمه في المدرسة من علوم اللغة العربية والسبنيولية، والتراث، وغير ذلك من العلوم… واستطاع عادل في تلك الأثناء، أن يحصل على علوم لا بأس بها.. كان شاكراً لعمه أنهُ أتاحَ له المَجالَ لذلك.. إذ كان قد ترَكَ المدرسة وهو في الصف الثامِن، وجاءَ ليتزوّجَني…

بعدَ إجهاضي بعدةِ أشهر، حَمَلتُ، ثانيةً، بأخيكِ “سليمان “… كبرَ بطني كثيراً.. وعندما دخلتُ في أيامِ الوِلادة، كان الحَملُ قد أتعَبَني كثيراً، فطلبتُ منهم أن يُدخِلوني المشفى…

الطبيبُ الذي أشرَف على ولادتي، كان أعرَج.. خجلتُ كثيراً منهُ، أوّل الأمر.. لكنني احتَجَجتُ بقوة، عندما أدخَلَ طبيباً آخر، يبدو أنهُ مُتدرّب :

-طبيبي، لا عَليهِ إن رآني.. أما هذا الآخر، فلن أدَعه يراني…

بقيتُ هناكَ عدة أيام، قبل الولادةِ التي كانت طبيعيةً، لكنها قاسية…

حَمَلتِ المُمرّضةُ أخاكِ، ووضعتهُ في الميزان، قبل أن تأتيني بهِ مَلفوفاً بثيابٍ بيضاءَ من القطنِ الناعِم، كنا قد صَنعناها أنا وأمي، وطَرّزنا عليها بألوانٍ هادِئة، زهوراً، وأرانبَ، وطيوراً وادِعة…

وضعته في حضني، قائلةً، وهيَ ترسمُ علامةَ الصليبِ على صَدرها :

-يخزي العين.. إنه كالخنزير…

كان وزنُهُ أربعة كيلو غرامات، ومئتيّ غرام…

(نهاية 16)

عُدنا إلى البيت…

آه..!! كم فرحنا بكَ يا حبيبي… رحمكَ الله يا سليمان…

كان أبوكَ يلاعبكَ، والفرَحُ يملأ كَيانه..وكذلكَ جَدّكَ، كان يضعكَ في حضنه، بعد أن ينزعَ الحِفاضَ عن إليَتِك.. فنؤنّبهُ قائلين:

-قد يعملها فوق ثيابك..!!1فيُجيب :

-الدنيا حَرّ.. حَرّ شديد.. ثمّ، إن عملها، فماذا يحصل..؟! افعَلْها يا جَدّي..إن كان عليكَ “شُخاخَة ” افعَلها في حضني…

وعندما يفعَلها على قميصِه، نضحَكُ عليه.. فيقول :

-كلّها نقطة ماء من طفلٍ طاهِر.. فليفعَلْها.. مابها..!!

-سيكونُ لهُ شأنٌ عَظيم.. سيكونُ شخصيّةً مُهِمّة.. وينالُ شُهرَةً واسِعة.. سيكونُ مَحبوباً من الناس.. وفَعّالاً للخير…”

هكذا تنبّأ لكَ جَدّكَ يا حبيبي.. لكنهُ لم يتنبّأ بوَفاتِكَ في عِزِّ شَبابِكَ يا بُنيّ…

كيفَ صَدَقَتْ كلُّ تنبّؤاتِه..؟! وكيفَ لم يتنبّأ بالكارِثةِ التي حَلّتْ بنا..؟! أم أنهُ تنبّأ، دونَ أن يُعْلِمَنا..؟!

لا..لا…. لاأبي، ولا غيرُهُ يستطيعونَ ذلك.. فكما يقولُ المَثَل :

“الإنسان يعرف أين يولَد.. لكنهُ لايعرفُ أين يموت “…

يبقى عِلمُ الإنسانِ مَحدوداً، يا بُنيّ…….

وتمسَحُ مَريَمُ دموعَها، وتشهَقُ، وهيَ تنظرُ باتجاهِ مَقبَرَةِ الرجالِ المُغطّاةِ بأشجارِ السنديانِ، المُقابلةِ لبيتِها في القرية :

-الحمد لله.. الحمد لله… عيني سليمان…

-طبعاً، يا أمي.. الحمد لله.. فقد كانَ لأخي الغالي شأنٌ عظيم.. وقد اَحَبّهُ الناس.. وسيبقى الجميعُ يذكرونهُ بالخيرِ، والحبّ، مادامَتِ الدنيا… فلا تبكِ يا أمي…

سليمان لم يَمُت… مَن يزرع الحبّ، يحصُد الحُب…

ومَن يزرَعُ الخير، يحصدُ الخير…

فلتطمَئني يا أمي.. ابنُكِ مازالَ حَيّاً… وسيَبقى حَيّاً…

-الحمدُ لله…

تركتُ أمي تستريحُ قليلاً، قبلَ أن تُتابعَ سَردَ الأحداثِ والذكريات.. أسألُها، وهيَ تُجيب…

حاوَلتُ أن أجَفِّفَ الدموعَ من عَينيها المُحمَرّتَين.. خفتُ عليهِما.. فقد أُجرِيَتْ لكلِّ عَينٍ عمليةٌ جراحية، لتبديلِ العَدَسَتين، منذ سنواتٍ قليلة…

تلكَ العَينانِ الخضراوانِ الصافيتان، اللتانِ أورَثَتهما لأخي الغالي… لا أستطيعُ أن أراهُما دامِعَتَين… لكن… آه، يا أمي… فقد كانَ جَفافهما، الإستثناء… ألله يشرح صَدرك…

-أمي.. لماذا أسموكِ “مَريم سيليا “…؟!

-لا أعلَم.. لكن، ربما لسهولة لفظه.. ولأنه اسمٌ عربيّ أولاً.. لكنني (وتضحك ) كنت غاضبة على أبوَي لأنهما لم يسمّياني”فضّة”.. فالفضة قريبة من الذهَب، لكن،ماذا تعني”مريم سيليا “.؟!

ونضحكُ معاً.. وأنا سعيدة أنني استطعتُ تحويلَ إلى الذكريات الجميلة…

( نهاية 17 )

-أذكرُ من طفولتي، أنني كنتُ أشغِلُ نفسي عندما ينام أبي وأمي وقتَ القيلولة، بالعَبَثِ مع “تشي تشو ” والهِرّة.. كنا قد عَوّدناهما على أن نغذيهما بقِطع من اللحم، فصارا عندما يسمعان صوت شحذ السكّين، يتهيّآن للوجبة الدسمة.. لكنني كنتُ أعبث معهما، أحياناً، لأتسَلّى.. فأشحَذ السكين على الحَجَر، وأراقب انفعالهما.. حيث يرفع “تشي تشو ” أذنيه، ويقلبهما في كل الإتجاهات، ناظراً إليّ بعَينِ المُترَقّب.. بينما أسمعُ صوتَ الهِرّةِ “مْياو.. مْياو.. ” تمدّ لسانَها، وتتلمّظ.. تقترب مني.. وتحسّ ظهرَها فوق جلدِ ساقَيّ.. تستعطفني لأطعِمَها.. وكنتُ أضحَكُ، وأعاتبهما على الطمَع :

-للتوِّ أطعمناكما.. فلتذهبا الآن.. إنني – فقط – ألعب…

***

في صباح أحد الأيام، استيقظتُ – كالعادة – قبل أبَوَيّ.. خرجتُ إلى الدار، أستنشِقُ عبيرَ الورودِ التي زرعتها أمي.. زنابق، أغلبها (كالا ) زنبور الستّ.. أبيض، ومن الداخل أصفر.. ورياحين، وحَبَق، وقرنفل.. وكل أنواع وأشكال الزهور التي كانت تنسّقها باقاتٍ، باقات، بشكلٍ يُغري الناظرين…. الناعِم على الجوانب، وتدرّجات الألوان، والأشكال، وتناغمها في الباقات البديعة، تجعل الناس يتسابقون على شرائها في الأعياد والمآتم، وفي كل المناسبات…

تمَطّيتُ قليلاً، وأنا أعبّ من العبير المُنعِش، ورحتُ أصغي إلى هَديلِ الحَمام في الطاقات.. فقد كانت أمي تربّي طيور الحَمام، والدجاج، والبطّ، أيضاً.. وقد يصل عدد فراخها إلى سبعين صوصاً، أو أكثر.. تبيعها للناس، أيضاً.. وتبيعُ بَيضَها.. ونأكل من فراخها، ونُطعِمُ الزّوّار، و نهدي الأصدقاء والأقارب…

تكَدّرتُ، عندما سمعت ما يُشبه الأنين..

أصَختُ السمعَ بانتباه.. فعرفتُ أنه صوتٌ غير عاديّ.. صَوتُ حيوانٍ يتألّم…

تقدّمتُ أكثر.. ورحتُ أبحث عن مَصدر الصوت…

وعندما اقتربتُ من شاحنة أبي التي كان يركنها في طريقٍ ضيقةٍ مُغلَقةً من جانب، تفصلُ بين البيت القديم والغرف الأربع المُقابِلة، التي بَناها حَديثاً، وجعَلَ بينهما مَمرّاً يتسعُ للشاحنة، ومن بعدها، السيارة… كان ينقل البضاعة للزبائن في الشاحنة.. وعندما باعَها، اشترى السيارة، التي جعَلها لخِدمتنا.. يصطحبنا فيها كل يوم عطلة، في نزهةٍ طبيعيةٍ إلى نهر الروخاس…

تسَلّقتُ الشاحنة، بعد أن صرت متأكدة أن صوت أنين الحيوان يأتي منها.. وإذا بجَروٍ صغيرٍ مَقطوع الذيل، يلوذ بصندوق الشاحنة.. يئنُّ، ويتلوّى من الألم، والدماءُ تحتهُ وحَوله، ويبدو أن أحد قُساة القلوب قطَعَ ذيلَه..      

( نهاية 18 )

أخبرتُ أمي.. فأمَرَتني بالإبتعادِ عنه، خوفاً من أن يؤذيني، أو ينقل إليّ بعضَ الأمراض…

-الكَلب نَجاسة.. لا تلمسيه…

-أرجوكِ يا أمي.. أرجوكِ.. أتوَسّلُ إليكِ دَعيني أنقلهُ إلى الدار، وأداوي جِراحَه…

-قلتُ لكِ، لا تفعَلي يا مَريَم.. فقد يعضّك، أو يعديكِ بالأمراض، أو يملأ البيتَ بالبَراغيث…

-أرجوكِ يا أمي.. إنه يتألّم.. ثمّ.. ثمّ، هل هذا الصغير المتألِّم قادر على العَضّ..؟!

وأفلَحتُ أخيراً، بإقناعِ أمي… حَمَلتُ الجَروَ إلى الدار، ونظّفت أمي الشاحنة.. سَكَبتُ فوقه الماءَ بغزارة، وعلبة كاملة من الشامبو.. غسَلتُه جيداً، ونشّفتُه، ثمّ عملتُ لهُ – بمُساعَدَةِ أمي – ضمادةً، وضعناها فوق ذيله.. كنا نبدّلها كل يوم.. عليها كمية كبيرة من الدواء الأحمر، حتى شُفيَ الجَرو…

كنتُ أعِدّ له وجبة الحليب، وأسقيه إياها بالبيبرونة.. إلى أن صارَ يستطيع تناوُلَ الطعام بمُفرَدِه.. أحَمّمه، وألعَبُ معه.. أطلقتُ عليه اسم “تْشي تْشة “…

وقد بقيَ “تشي تشو ” وفيّاً لنا.. يحرس الدار.. ويعرّ كلما اقترَبَ أحدٌ من الباب.. ولا يسمحُ لإنسانٍ بالدخول، إلاّ إذا أمَرناهُ نحن بذلك.. وكثيراً ماكانَ إبن العَرَبِ يخافُ من ذلكَ الكلبِ الضخمِ الذي يهجمُ عليه، وينبحُ بشَراسة، عندما يقترب من باب دارنا.. فيخرج أحَدُنا ليقولَ له :

-تكَلّم بالعَرَبية.. تكَلّمْ بالعَرَبية..

عندها – فقط- كان “تشي تشو ” يَهدأ.. ويعود لينام أمام باب الدار، مُلقِياً برأسِهِ فوقَ قائمَتيهِ الأماميّتين…

فقد كانَ “تشي تشو ” قد ألِفَ لغتَنا.. وصارَ يربطُ سَماعَها، بحَنانِنا عليه.. فيمنحهُ ذلكَ شعوراً بالأمان.. وبقيَ كذلك، حتى بعد أن غادرتُ البيتَ مع زوجي وطِفلي، إلى الوطن.. ولا أعرفُ ما حَلّ بهِ بعدَ ذلك…

(نهاية 19 )

كثيراً ماكان “تشي تشو ” والهِرّة، يعربشان على الحائط، يخرمِشان بأظلافِهِما على الإسمَنت، وهما يسقطانِ خائبَين.. في محاولات يائسة للوصول إلى فِراخِ الحَمامِ في الطاقاتِ، التي طَيّنتها أمي في طابِقَينِ متوازيَين، تعيشُ فيها الحَمامات.. تتزاَج، وتبيض، وتفرِّخ…

أما الدجاج، فقد بَنَتْ لهُ أمي خُمّاً، سَقَفَتهُ بألواحٍ من التوتياء، وجَعَلَتْ أمامَهُ مُتّسَعاً كبيراً من الدار، تتجَوّلُ فيهِ الدجاجاتُ والديوكُ وفِراخُها بحُرّيةٍ، مُحاطةً بسِياجٍ منَ الشّبَكِ المعدنيّ.. كنتُ ألهو بفِراخها.. أداعِبُها.. تحميني أمي، وهيَ ترَدّ أمهاتها عني، قبل أن أرخي الصّوصَ، وأتناوَلُ البَيضَ من يديها، لأضعه في “الجْمَيِّم “، قبلَ أن تنقلَهُ أمي إلى البيت.. وتضعه في “القْليتي “، وتبيعه..بعد أن نأكل حاجَتنا منه، ونُطعِم الضيوف، ونهدي الأصدقاء…

كانت هناكَ شجرةُ توتٍ كبيرة، أمامَ بابِ الدار.. عُمرُها من عمر تواجُدِ أمي وأبي فيها..وكانَ في الدار، أيضاً، شجرةُ “بومَلي ” كبيرة الحجم، تحملُ عشرات الثمار الضخمة…

كانت هناك أشجارُ الصفصافِ، والكينا…

اختِلاطُنا بالأجانبِ كانَ قليلاً جداً… غالباً مايقتصِرُ على العلاقات الرسميةِ، كالمُناسَبات، والأعياد.. كان أقرَب جارٍ لنا اسمُهُ “دِيّاس “، وهيَ كِنيَتُه، وتعني “أيّام “.. كان “دِيّاس ” تاجراً.. كانوا يحبوننا ونحبهم كثيراً، لكنّ تعامُلنا بقيَ يقتصِرُ على المُناسَبات، فقط…

كنا نجمَعُ لهُ الحَلَزون.. كان يعملُ في حياكة السلال، وكنا كلما جمعنا له سَلّةً من الحَلَزون،، يديرُ لنا سَلّةً، كأنها ثمنُ الحلزون.. لا أعرفُ إن كانتِ السلالُ من الخيزران، أو ما يُشبهه..

أمي كانت تعملُ أطباقاً من قشّ القمح، وصَواني، و”جْمَيّمات ” و “قْليتات “، من مختلف الأشكالِ والأحجام.. تزيّنُ أطرافها بريشِ الطيور المُلوّنِ، الذي كانت تصبغهُ مع القشّ..

كنا نذهب إلى عند بعض العائلات العربية التي تسكنُ في مناطق تبعد عن الروخاس أكثر من أربعين كيلومتر.. مثل “بارغامينو ” و “خونين ” و “أنخليتا “.. في موسم الحصاد.. كانوا مُزارعين، يزرعون القمحَ والبقول والذرة، في مساحات واسعة من الأراضي، ويضعون عمّالاً يساعدونهم على ذلك…

(نهاية 20 )

 

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات