تخطى إلى المحتوى
آخر الأخبار
 انطلاق أيام الثقافة السورية تحت عنوان (تراث وإبداع).. الرئيس الأسد يلتقي عدداً من طلبة الجامعات السورية الذين شاركوا في الجلسات الشبابية الحوارية التي أطل... الرئيس الأسد يصدر قانوناً بتعديل بعض مواد قانون تنظيم الجامعات المتعلقة برفع سن التقاعد وتمديد التعي... مجلس الوزراء يوافق على مشروع الصك التشريعي المتضمن قانون الإعلام الجديد أمام الرئيس الأسد.. سفراء 8 دول يؤدون اليمين القانونية مجلس الشعب يبدأ مناقشة البيان المالي للحكومة حول مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2023 الرئيس الأسد يمنح الدكتورة نجاح العطار نائب رئيس الجمهورية وسام أُميّة الوطني ذا الرصيعة الرئيس الأسد يصدر القانون رقم (41) المتضمن تعديل بعض أحكام قانون الكهرباء رقم (32) لعام 2010 مجلس الوزراء يقر مشروع الموازنة العامة للدولة لعام 2023 بمبلغ 16550 مليار ليرة المجلس الأعلى للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي يوافق على الاعتمادات الأولية لمشروع الموازنة العامة للدول...

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية( نبضُ الجذور) للأديبة فاطمة صالح صالح- الجزء الثاني والعشرين والجزء الثالث والعشرين

12033549_954955724592396_544613874_n-225x3001لم يكنْ أهلي يسمحون لي بالإختلاط بالأجانب.. وأولاد العرب كانوا بعيدين.. إلاّ بعض العائلات، مثل عائلة بيت (أحمد عبد الله ) التي كانت تسكن في الروخاس.. زوجته امرأة أجنبية طيبة العِشرة، كنا نحبهم وكانوا يحبوننا.. كانت ابنتُهما “ديليا ” صديقتي.. كنا نلعب مع بعضنا، أحياناً.. وكنا زميلتين في المدرسة.. وقد أوصَيتُها بأهلي، عندما سافرتُ مع زوجي وطِفلي إلى الوطن…
فبعدَ سنتين وسبعة أشهر من مَجيء عادِل.. جاءتنا رسالةٌ تخبرُنا أنّ عمي (الشيخ مَجيد ) قد أصيبَ بالشّلَل…
جُنّ جنونُنا…
ورحنا نكثّفُ الرسائلَ، ونتتبّعُ الأخبارَ من كلِّ مَصدَر.. وكانت جميعُها أخباراً سيّئة…
ولم نعرف الهناء، منذ أن سمعنا بمرضه… صارت العائلة في حالة لا تحسد عليها من القلق والتوتر والترقب، والتفكير بما على كل واحد من أفرادها أن يفعله إزاء ذلك الحدث الأليم…
فعادل، هو الأكبر سنا من أبنائه الذكور.. وأبي، أخوه الوحيد… لكنهما على بعد آلاف الأميال من الوطن…
كان لابد من السفر.. لكن، كيف..؟! وكم من الترتيبات يحتاج ذلك..؟! أو، بالأحرى.. هل كان ذلك ممكنا..؟
كنا، خلال هذه الفترة الحرجة، نكثف إرسال المال واللباس والحاجات اللازمة لبيت عمي…
لكن الأمر كان قد وصل أقصاه، بعد وصول رسالة تخبرنا بوفاة عمي، بعد تسعة أشهر من مرضه.. يوم السبت، في السابع عشر من رمضان عام 1372هجرية – الموافق للثلاثين من أيار عام 1953م…
صار الأمر يحتم على عادل العودة إلى الوطن.. وكان المنطق يحتم عليّ أيضاً، أن أرافقه…
12717853_954624567958845_1837320488439438027_n-225x3001إذاً، كيف أبقى، ولنا ولدٌ تجاوز العام بقليل، وبطني يكبر ويتسع بحَمل ثانٍ..؟!
كيف يتركني..؟!
وكيف أترك أنا أهلي..؟! أبي، وأمي العجوزين، وأنا أملهما الوحيد في هذه الحياة، وفي هذه الغربة الموحشة..؟! (أمران.. أحلاهما مُرّ..).. لكن أمي شجعتني على السفر :
-اتبعي زوجك يا مريم.. كوني معه، كما كان معكِ، يا ابنتي…

———————————————————–

الجزء الثالث والعشرين:

كانت أمي تحكي لي عن ذكرياتها في الوطن، وعن عَذاباتهم من الفقر والجوعِ والمرَض والحَرب.. مثلاً، أنّ زوجَها، أبا إخوتي، كان يمرضُ كثيراً، وأنّ أهلَهُ أهمَلوه، وهي وحدها كانت تعتني بهِ، وبأبنائهما.. وبعد وفاتِه، ضَمّتْ أبناءها إلى صَدرها، وعاهَدَت نفسَها على حمايتهم ورعايتهم، دون أن تتركَهم يحتاجونَ إلى أحد، وكانت – أثناءَ الثورة – تهربُ بهم إلى الحقولِ والوديان، أو إلى القُرى المُجاوِرة، التي قد تكونُ أكثر أمناً، مثل كلّ الناس الذين كانوا يهربون من القصفِ والموتِ وحَريق قُراهم، ومن مُداهَمات القوّات الإستعماريةِ المُستمرّة.. كانت أمي تحملُ فَرشةً مُهترِئةً على رأسِها، وتضعُ فوقها سَريراً يرقدُ فيهِ ابنُها الأعمى.. يمشي أطفالُها أمامَها، والدوابّ أمامَهم، تخبّؤهم في الوديانِ، تحت جَفناتِ الآسِ أو السنديان، إلى أن ينتهي القصفُ، فيعودوا أدراجَهم إلى قُراهم التي قد تكونُ مَحروقةً عن بِكْرَةِ أبيها.. وأنّ النساءَ الحَوامِلَ كُنّ يَلِدنَ حيثما يفاجؤهنّ المَخاض، في الوديان، أو في بعضِ القُرى، فمثلاً، إبن عمتي (عبد الله ) وَلدتهُ أمهُ في (شْرَيجِس )…
ومرّةً، تعبتْ أمي إلى درجة أنها أنزلت طفلها الأعمى، الذي كانت تحمله في سريره فوق الفرشة، على رأسِها.. خَبّأتهُ في جَفنةٍ، وتابَعَتِ السّيرَ مُسرِعةً مع بقيةِ أبنائها، والدوابّ، عبرَ الأحراش.. إلى أن وَجَدَتْ مكاناً، يُمكنُ أن يكون آمِناً.. خبّأتهم في تلكَ الجَفنة، وطلَبَتْ منهم عَدَمَ الحِراك، إلى أن تحضر.. وعادَت إلى الصغيرِ الذي كانَ يصرخُ مَرعوباً :
-أمي ي ي ي … لا تتركيني يا أمي.. أخافُ أن تأكلني الضّبْعَة…
-لن أترُكَكَ يا صَغيري.. لن أتركَكَ يا أمي… ها أنا قد أتيتُ لأنقلَكَ إلى عندِ إخوَتِك…
-أمي.. ماهذهِ العَصافيرُ التي تزقزقُ بشكلٍ مُرعِب..؟! أنا أخافُ منها أيضاً يا أمي…
فتحمدُ اللهَ على أنّ طفلَها أعمى، ولا يعرفُ أنها ليستْ عَصافيراً، إنما هيَ أصواتُ أزيزِ الرّصاصِ، الذي يمرّ فوقَ رؤوسِهم…
وأنها – مَرّةً – استغَلّتْ هدوءَ القَصْفِ، فجَمَعَتْ أطفالَها حَولَها، وفرَشَتْ أمامهم قطعةَ قِماشٍ، ورغيفاً من خبز الذرة، أو الشعير، أو الشوفان، وفوقَهُ قطعة كبيرة من الزبدة :
-فلتأكُلوا بسرعةٍ يا أمي، قبل أن تعودَ الغارَة…
نزلَ الجميعُ بالطعامِ، بشهيّةٍ لا تقاوَم… وماهيَ إلاّ لحظات، حتى سمعوا دويّ طائرةٍ كانت تمرّ فوق رؤوسِهم، على عُلوٍّ منخفضٍ جداً، تحتَ مُستوى قِمّةِ الجَبَل… تجَمّعَ أطفالُها بسُرعةِ البَرقِ، تحتَ جَناحِ أمهم في الجَفنة، ليروا كيف تنزلُ من الطائرةِ زَخّةٌ من الرصاصِ، فوقَ الطعامِ، لتعجنَ الخبزَ بالزبدةِ، والقماشِ والترابِ والحَصى…
عافَ الجميعُ الطعام… (الفزَع، بيطيّر الوَجَع ).. ويُطَيّرُ الجوعَ، أيضاً… لكنّ أمي حَمدتِ اللهَ كثيراً على نَجاتِها ونجاةِ أطفالِها…
***
حَكوا لي، أيضاً، عن زوجةِ أبي الأولى، وعن طِفِها.. فكثيراً ماكانَ الصغيرُ الحافي، والهزيل، يأتي إلى أمهِ العاثِرة، ويطلبُ منها – كَشَحّاذ – بعضَ حَبّاتٍ من الحمّص، ليمضَغَها بأسنانهِ الطريّةِ، عَلّهُ يُسكِت ذلك الجوعَ الكافِر.. لكنّ الأمّ كانت تعطيهِ بعضَ الحَبات القليلة، مرّةً كلّ يومٍ، فقط.. وتمنع عنه الإسرافَ في ذلك، خشيةَ أن تنفذّ المؤونةُ القليلةُ في وقتٍ قصير، فلا يتبقّى عندها ما تبذرهُ في المَوسمِ القادِم…. يبكي الصغيرُ، ويستعطفُ أمه، التي لم يكنْ هَزيلاً، ولا جائعاً أكثرَ منها.. فتضربه ليسكت…
لكنها – مرّة – لاحَظت أنه لايقوى على النهوضِ من الفِراش، فاستدعَت لهُ أحدَ الشيوخ..إلاّ أنّ الرّقى لم تفِدِ الصبيّ في شيء.. لم يلبثْ أن انقطَع عن الكلامِ والحَرَكة.. بقيتْ عيناهُ جاحِظتانِ، تبدوانِ أكبرَ من أيّ جزءٍ من جَسَدِه.. لم يستجِبْ لإغراءاتِ أمهِ بكَمْشَةٍ من حَباتِ الحمّص، التي كان يحلمُ بها… مَرّرَتها أمامَ عينيهِ، دونَ أن يرفَّ لهُ جَفن.. قرّبَتها من فمهِ، دون أن تتحرّكَ شَفتاه.. حاوَلتْ أن تفتحَ لهُ فمَهُ بالقوّة، لتُدخِلَ بعضَها فيهِ، بعدَ أن تكونَ قد مَضَغتها قليلاً، لتسهّلَ عليهِ ابتلاعها، عَلّ لِسانَهُ يتعرّفُ عليها، فيلتهِمُها بسرعةٍ تكفلُ لهُ العَودةَ إلى الحياة.. لكن.. دون جَدوى….. صَرَختْ بهِ :
-سالِم….. وَلَدي………..!!
لكنهُ لَوى عُنقَهُ، كأنهُ (صوصٌ ) أصابَتهُ (الوَجْعَة )…
صَرَخَتْ أكثر :
-سالِم.. سالِم…… طِفلي……………!!
وجاءَ الناسُ على صُراخِها… أغلقَتْ لهُ سِلفتُها عَينيه :
-ألهل يرحمه، يا أم سالِم.. ألهط يعوِّض عليكِ….
-لا.. لا.. لاتقوليها يا مجنونة.. سالِم.. سالِم.. قُمْ يا وَلَدي، قًم يا حبيبي..مَن قالَ لكَ أنّ الحمّصَ قليل..؟!! مَن قالَ لكَ أنّ (السَّدّون )فارِغ..؟؟!! الحمّص بحر يا سالِم… طِفلي.. حبيبي.. ألا تصدّقني..؟! أنا أمكَ يا سالِم.. فكيفَ أمنعُ عنكَ أكلَ الحمّص..؟؟!!
وهُرِعتْ إلى (السّدّون ) لتنهالَ عليهِ ضَرباً وتحطيماً، بكِلتا يَديها، وقَدَمَيها.. لتنتثرَ عَشَراتُ الحَبّاتِ فوقَ الأرضِ التُرابية :
-انظرْ.. انظر… يلعن أبو الحمّص…
ولم تلبثْ أم سالِم – بعدَ وَفاةِ صغيرِها – إلاّ عدّةَ أشهر، حتى لحِقتْ به….
***
وعن أمي، يومَ طَلَبَتْ من زوجةِ عمي “أمّ عادِل ” أن تعيرَها “بَشْلوقَة ” إن كان عندها، لأنّ قدَميها كانتا قد تفسّختا من المَشي حافية، فأعارَتها “بَشْلوقةً ” قديمةً لعمّي “الشيخ مَجيد ” فانتعَلَتها، ومَشتْ إلى الحقل.. وماهي إلاّ لحظات، حتى سقطت، وانكَسَرَتْ رِجلُها.. فقد كانتِ “البشلوقةُ ” واسعةً جداً.. ممّا أوقَعَها…..

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات