تخطى إلى المحتوى
آخر الأخبار
وزير المالية: الإيرادات العامة للدولة تتجاوز 6300 مليار ليرة خلال الربع الاول من العام الحالي بزيادة... الرئيس الأسد لوفد مشترك من روسيا الاتحادية وجمهورية دونيتسك الشعبية: روسيا وسورية تخوضان معركة واحدة... مصفاة بانياس تنجح في الإقلاع التجريبي وتنتظر وصول الخام لخزاناتها للإنتاج فعلياً.. المهندس عرنوس يزور مطار دمشق الدولي ويوجه بالإسراع في تأهيل الأجزاء المتضررة جراء العدوان وإعادته لل... النص الكامل للمقابلة التي اجراها السيد الرئيس بشار الأسد مع قناة rt الروسية الرئيس الأسد لقناة روسيا اليوم: قوة روسيا تشكل استعادة للتوازن الدولي المفقود.. سورية ستقاوم أي غزو ... المهندس عرنوس خلال مؤتمر نقابة المهندسين: الحكومة تحاول من خلال أي وفر يتحقق بالموازنة تحسين أجور وت... وزارة النفط: إدخال بئر زملة المهر 1 في الشبكة بطاقة 250 ألف م3 يومياّ.. وأعمال الحفر قائمة في حقل زم... الرئيس الأسد يصدر مرسوماً بعزل قاضٍ لارتكابه مخالفات وأخطاء قانونية مجلس الوزراء يناقش الصك التشريعي المتعلق بالتشريع المائي ويطلع على واقع تنفيذ الموازنة الاستثمارية

الجزء الأول من رواية ( صَوتٌ، وأصداء )- الأديبة فاطمة صالح صالح

13536183_1044944222260212_1483651346_nقارئي الكريم.. قارئتي الكريمة..

يمكنكم أن تعتبروا (صوت، وأصداء ) جزءاً ثانياً من (صَوت مَحجوبة )

فاطمة

     منذ مدة، نشرَ موقعا (بانوراما طرطوس ) و (مُدوّنة وطن ) مادةً بعنوان : فاطمة صالح.. (الإنعطاف نحو الرواية ) كتبَ (نورس علي ) في (مدوّنة وطن ) على الأنترنيت :

نورس علي

الاثنين 23 أيلول 2013

من بيئة نضحت منها الثقافة وأغنتها “مكتبة الوعي” كتبت الشعر في الرابعة عشرة من عمرها، لتتوسع مداركها الفكرية وتدخل في مخاض المفردات الأدبية وتنجب المقطوعات الشعرية والنصوص الروائية..

مدونة وطن eSyria

التقت الأديبة “فاطمة صالح” بتاريخ 16/9/2013 في منزلها بقرية “المريقب” بريف “طرطوس” وأجرت معها الحوار التالي:

* حدثينا عن بداياتك الأدبية؟

** أستطيع القول إنني بدأتُ الكتابة في سنّ مُبْكرة، ومازلتُ أذكرُ بعضَ الأبيات من أول قصيدة كتبتُها عقبَ نكسة حزيران عام 1967 قبل أن أكمل الرابعة عشرة من عمري، لكنني لم أنشر كتاباتي حتى آذار عام 2001 حيث نُشِرتْ أول قصيدة لي في جريدة “الأسبوع الأدبي” بعنوان “شرقيّةٌ.. أنا”.

* كتبتِ الشعر والرواية فأين تجدين نفسكِ أكثر؟

** كتبتُ

الشعر، والرواية، والقصة القصيرة، والخاطرة، والمقالة، وأجدُ نفسي في كل هذه الأجناس الأدبية، بشكلٍ متكامل، لكن الشعر هو أحبّها إليّ.

* الشعر بشكل عام يحمل عواطف جياشة وصور شعرية تملؤها المشاعر، فكيف اعتنيتِ بهذا في “زهرة فوق الرماد”؟

** مولودتي الشعرية الأولى “زهرةٌ.. فوق الرماد” انبثقتْ فوق تلال رمادي، مزهوّةً بكونها وليدتي الأولى، مُعتزةً باسمها، ولا أعرف إن كنتُ أنا التي اعتنيتُ بها، أم أنها هي التي اختارتْ ثوبَها المزركش الذي رأتْ أنه يناسبها أكثر، فرسَمتْ ذاتَها على صفحات الحياة..!!

* هل كتابة الرواية بالنسبة لكِ نتيجةً لملء كافة الصفحات شعراً ومازال يوجد مخاض ولادة الأفكار الأدبية؟

** كتابةُ الرواية حاجة لمجالٍ أرحب للتعبير عن مكنونات ذاتي، ولطرح أفكار وتساؤلات، وسردِ أحداثٍ لا أريدها أن تذهبَ في طيّ النسيان، لإيماني العميق أن الرواية لها رؤية ورؤيا، تطرحُ من خلالها الواقع المرئيّ أو المُتخيّل، وتقترح رؤيا مستقبَلية، قد تساهم في تغيير الواقع نحو الأفضل، وفي بعض الأحيان، يأتي السردُ الروائيّ بشكلٍ شعريّ وبالطبع مازلتُ أشعرُ بآلام المخاض لرواياتٍ لا محدودة، لا أستطيعُ الجزمَ أنّ القدَرَ سيتيحُ لها، أو لبعضها الانبثاق من عالم الحُلم إلى عالم الواقع لكنّ المخاضَ مُقلِقٌ ومُحَفّز.

* حدثينا بإيجاز عن روايتكِ “نبضُ الجذور” وما الحاملُ الأدبيّ لها؟

**هي روايتي الثالثة وأقرب ما تكون إلى الرواية “التوثيقيّة” إن صَحّ التعبير، حيث سَرَدَتْ على مسامعي الكثير من أحداثها أمي الغالية “ماريا إيلينا سليمان صالح” رحمها الله، والبعض الآخر، ممّا سمعتُهُ من جدّاتي وعمَاتي وغيرهنّ، وما عايشتُهُ من أحداث فحاولتُ أن أوثّقها على شكلِ رواية أحَبّها الكثيرون وانفعَلوا بها وبالتأكيد سيتفاعلون معها ويُنتجون روايةً أجمل.

* ما أهمية ارتباط العنوان العريض للرواية بمضمونها بصورة

رواية “صلاة لغيومك القادمة”

الغلاف الخارجي لها، خاصّة أننا وجدنا انسجاماً فيها لديكِ؟

** حسب رأيي أنّ هذا الانسجام ضروريّ لأنه كلّ متكامل العنوان يدلّ على المضمون وقد يُغري بقراءة الرواية، وصورةُ الغلاف توحي أيضاً بماهيّة المضمون مع أنني لم أخترْ سوى غلافين من أغلفة كتبي، غلاف الطبعة الأولى من روايتي الأولى “صلاةٌ… لغيومكِ القادمة” وغلاف روايتي الثالثة “نبضُ الجذور”، وباقي كتبي، تركتُ للناشر حرية اختيار الغلاف وليتني لم أفعل.

* “صلاة لغيومكِ القادمة”، هل هي رواية تحمل هماً فلسفياً كما العنوان؟

** هي رواية “بانورامية” كما وصَفها الشاعر “خالد أبو خالد” في كتابته لمقدّمتها، يغلبُ عليها الطابع الاجتماعيّ موَشّى ببعضِ الأفكار في مختلف مجالات الحياة التي تشغلني وفيها بعضُ المقاطع السرديّة التي غلبَتْ عليها اللغة الشعرية والشعر رؤيا لا تختلف كثيراً عن الفلسفة.

* كيف لعبت البيئة الاجتماعية والفكرية والثقافية دورها في حياتكِ الأدبية؟

** للبيئة تأثير مباشر وجَليّ على مسار حياة الإنسان وتكوينه المعرفيّ بالإضافة إلى ما يرثهُ من جينات في تكوينه الأول، ومن جهتي فقد وُلدتُ في بيئة كادحة تهتمّ بالفكر والأدب بشكلٍ عام بالإضافة إلى حَملي مورّثات وصَلتْ إليّ عبرَ تسلسُلِ الأجيال حيث إن أغلب أجدادي وجدّاتي وأقاربي البعيدين والقريبين كان الأدبُ والشعرُ بشكلٍ خاصّ من ضمن أكبر اهتماماتهم وعشقهم وأغلبهم كانوا شعراء صوفيّين، أما أبي رحمه الله فقد كان شاعراً ويعشقُ الشعرَ الأصيل بالإضافة إلى كدحهِ اليوميّ في الأرض لتأمين لقمة العيش الكريمة، وأمي أيضاً كانت تهوى الشعر والرواية، وطالما شجّعتني على المطالعة.

وعيتُ على الدنيا وفي بيتنا مكتبة تحوي الكثيرَ من الروايات والكتب الشعرية والتراثية وغيرها، أسّسَها مثقفو القرية الأوائل، وأسموها “مكتبة الوعي”

فكانتْ من أهمّ المصادر الأولى لتكويني المعرفيّ، وبعد زواجي

مجموعة “زهرة فوق الرماد”

وجدتُ في بيت زوجي مكتبة أيضاً كانتْ عشقي وساهمتْ في إضافة الكثير إلى رصيدي المعرفيّ كما أضاف زوجي لي الكثير مما يمتلكه من معلومات، وهو أيضاً مغرَمٌ بالشعر.

* ما أهمية أن ينسجم الأديب واقعياً مع أفكاره التي يطرحها؟

** إن لم يحصل هذا الانسجام لا يكون لهذا الأديب مصداقيّة، مع أنّ مَهَمّة الأدب أن يطرحَ تساؤلات وأفكاراً إشكالية ليُحَرّضَ الفكر وبذلك يساهمُ القارئ في إتمام اللوحة الإبداعية.

* حدثينا عن العناية بالموسيقا الشعرية الخاصة بالألفاظ والتراكيب؟

** الألفاظ والتراكيب الشعرية، إيحائية وليستْ مباشرة وهي بذلك تختلف عن الكلام العادي المألوف والمباشر وأشعاري لا تخلو في بعضها من مباشرة، رغم حرصي الشديد على الاشتغال على اللغة الشعرية.

وحول الأديبة “فاطمة صالح” التقينا الروائية “مها وهيب غانم” التي قالت: «في كتابات “فاطمة صالح” ألمح ذلك التمازج الجميل بين الواقع بصراحته الموجعة والتي تصل إلى حد الصدمة أحياناً وبين خيال جانح نحو تحقيق رغبة أو رغبات مشتهاة وحلم لا يتوقف عند الآني والأنا، هكذا تشكل الأديبة لوحاتها مستعينة بأسلوبها الشعري المنثور تارة وتارة أخرى بأسلوبها النثري المشوب معلنة عن نفسها بجرأة المرأة التي لا ينقصها إقدام الرجال ولا شجاعة الفرسان، ونجد ذلك في شعرها حين نقرأ تلك القصائد التي تحاول من خلالها أن تستحضر الماضي بوقائعه وأسماء رجالاته وبطولاتهم المجيدة، لتجعل منهم عبرة ومسار تجربة يتخذها الجيل والأجيال القادمة، قصائد تمتلئ بالأحاسيس والحماسة والمشاعر الوطنية والقومية، وهي قصائد لا تقل أهمية ولا رهافة عن قصائدها العاطفية التي تتحدث عن الحب والحبيب والحرية والشوق، وإذا انعطفنا إلى الرواية فإننا نجد بأنها لا تقل أهمية عن الشعر، وأن الكاتبة في كلا المكانين مبدعة يختال قلمها بين الحروف ليرسم

الأديبة فاطمة صالح

في كل مرة قصيدة أو رواية جديدة».

يشار إلى أن الأديبة “فاطمة صالح صالح” من مواليد قرية “المريقب” التابعة لمدينة “الشيخ بدر” عام 1953.

______________________________________________

– زوجُكِ أحضرَ الأستاذ خالد أبو خالد إلى بيتنا، فاستقبَلَهُ أبوكِ بحفاوةٍ بالغة، وسألَ زوجكِ :

-هل هذا هو الذي يشجّعكم..؟!

أجابهُ :

نعم.

فتهَلّلَ وجهُ أبيكِ، وقال له : ( مَنْ أحيا نفساً، فكأنما أحيا الناسَ جميعاً ).. وأكرَمَه..

وشَرَحتِ لي شكله..

طويل، سمين، شعره أبيض وطويل… إلخ

رأيتموهُ قبلَ أن أراهُ، يا أمي..

كانَ قد اتصلَ معي من مكتبهِ في دمشق، ليخبرَني أنّ عندهُ مشاركة (بمهرجان الخرّيجين الجامعيين ) في حمص، يوم .. تموز عام… وأنّ عندهُ فراغاً في اليومِ التالي، ويريدُ أن يراني. فاتصلتُ بأختي لأخبرَها إن كانت تستطيعُ استقبالَهُ مع زوجها في بيتهم في طرطوس.. لكنّ زوجي أصَرّ على أن ينزل إلى طرطوس ويستأجرَ سيارةَ تاكسي ليُحضرَهُ فيها، كي لا يُكلّفهُ مشقّةَ السفرِ بأحد الميكروباصات المزدحمة، والجوّ حارّ. فشكرهُ الأستاذ شكراً كثيراً، وأبى أن يأتي معهُ سوى بالميكرو، كباقي الركاب.. وكان ذلك.

قبلَها، كنتُ أراسلهُ إلى (عالم الأدب ) وكان يجيبني بتقييمٍ لما أرسل من موادّ أدبية، يغلب عليه الإعجاب، وبتشجيعٍ كبير على مواصلةِ القراءةِ والكتابة.. وفي أحد الأيام، كنتُ خارجة من (المَحَلّ ) خلف المَقصف، تحت بيت أخي، أقصد السوقَ، أو، ربما كنتُ أقصدُ محلّ الحلويات المقابل، الذي تديرهُ (مَعاني ) لأشتري قطعةَ حلوى، وإذا بشابٍّ، يحملُ كتباُ بكلتا يديه، قادمٍ نحوي من جهة الشارع الرئيسيّ، مقابل سنديانة (الشيخ بدر )، حَيّاني الشاب النحيل الأسمر، فرَدَدتُ التحية، فاستوقفني بسؤال :

هل أنتِ (فاطمة رمَضان ) أو (فاطمة صالح ).؟!

أنا فاطمة صالح.. مَن أنت.؟!

أنا بدر ابراهيم أحمد.. من ( القْصَيبيّة ).. خالد أبو خالد، يحيّيكِ، ويقول لكِ، تابعي الكتابة، ولا تُحبَطي، فأنتِ ذات موهبة عالية، لكن، يبدو أنّ لديكِ مُعيقات مُحبِطة. فلا تُحبَطي..

اضطرَبتُ، وأنا أحاول أن أصدّقَ ما أسمع وما أرى..

للتوّ، أرسلتُ لهُ رسالة بالبريد.. من أين تعرف الأستاذ خالد.؟!

أنا ممّن يراسلونهُ على البرنامج، وبفضلهِ أصبحتُ كاتبَ قصّةٍ قصيرة.. كما أنني مُدَرّس لغة إنكليزية.. ومن زمان، وأنا أزورهُ في بيتهِ في دمشق، وعندهُ زوجَةٌ، لا تُقدَّرُ بثمَن.. قال لي:

( هناك امرأة من منطقتكم، كبيرة بالعمر، اسمها فاطمة صالح صالح، تراسلني على البرنامج منذ مدة، كتاباتها ناضجة، لكن، يبدو أنها غير واثقة من نفسها..

تعرّف عليها، وقل لها، أبو خالد يسلّم عليكِ، ويقولُ لكِ أنّ كتاباتكِ ناضجة، ولا أحد من أصدقاء البرنامج يرسل له بمُستواها، واصِلي الكتابة، أنتِ مَوهوبة..)

وسألني الشاب، لماذا لاأنشر بالصحف..؟!

-كيف السبيل..؟!

-لكلّ صحيفة، عنوان بريديّ، ورقم هاتف.. بإمكانكِ مراسلتها، عبر الفاكس، أسرع من البريد العادي..

– الفاكس..؟! ماهو الفاكس.؟!

في اليوم التالي، أسرَعتُ، وانتقيتُ قصيدتي (شَرقيّةٌ.. أنا ) وغيرَها، وأرسلتها عبر الفاكس، إلى جريدة (الأسبوع الأدبي ) واتصلتُ بالهاتف من عند (مَعاني ) مع رئيس تحريرها (عبد القادر الحصني ) عرّفتُهُ بنفسي، وأخبرتهُ أنني مستعجلة على النشر، لأنني كبيرة بالعمر، فأنا من مواليد عام 1953م، فضحك الأستاذ عبد القادر، وقال : من نفس مواليدي..

فرِحتُ جداً..

وبعد أيام، اتصَلتُ بهِ لأسأله عن مصيرِ ما أرسلت، فأجابني أنّه تلقى الفاكس، وأنّ قصيدتي أعجبتهُ، وسينشرها، لكنه اقترَحَ عليّ أن أبدّل العبارة الأخيرة في القصيدة (سوريةٌ أنا ) ب (شرقيةٌ أنا ) لأنهُ يراها أقوى، لكنّ الخيارَ يعودُ لي، فوافقت..

نُشِرت قصيدتي الأولى في الثالث من آذار (مارس ) عام 2001م..

وجُنّ جنوني، من الفرح.. وارتفعت معنوياتي..

طلبتُ من الأستاذ عبد القادر، أن يعطيني رقم هاتف الأستاذ خالد، لأتواصَلَ معه، وأن يقولَ له مَن أنا، ووعَدني بذلك، عندما يستطيع.. وفي أحد اتصالاتي الإستفسارية، أخبرني أنه لم يستطع، حتى الآن، رؤية الأستاذ، لكنه سيلتقي به أثناء اجتماعٍ مُشترَك، يومَ غدٍ، وبالتأكيد، لن ينسى أخذ رقمه.. وكان ذلك..

– تكرم عينك، أيتها الشاعرة الرقيقة، عندما ذكرتُ اسمكِ للصديق خالد، فرحَ كثيراً، ومَدَحَ بكِ كثيراً..

– ماذا قال..؟!

– كلام مديح، وإطراء، وأنه يتوقع لكِ مستقبلاً مهماً كشاعرة..

أخذتُ رقمَي الأستاذ خالد، في عمله، وفي البيت.. ورحتُ أحاولُ الإتصالَ به..

وصارَ هو، بدورهِ يتصلُ بي على رقم (مَعاني ) أو بيت أخي، ومؤخراً لامتني صديقتي الغالية، لأنني لا أتواصَل مع الأستاذ من عيادتها.. وكان ذلك، مع أنّ عيادتها، تقع في الشارع الخلفيّ لمَحَلّي (الحِسان )…

في أحدِ الأيام، جاء بدر، يحملُ لي المزيدَ من تحيات الأستاذ خالد، وتشجيعه، مُصطحِباً معه رسالةً، وكتاباً..

تناولتُ الرسالةَ، وكانت من دون غلاف، والكتاب، وهو عبارة عن مجموعة شعرية لابنتهِ (بيسان ) عنوانها (صَليبُ انتظار )..

( ابنتي العزيزة فاطمة المحترمة

أجمل تحية .. وأرجو أن تكوني بخير

بداية اعتذر عن قولي لك بأن رسالتك لم تصل، ذلك أنني قرأتها بعد وصولها مباشرة وقدمت منها المحاولتين الشعريتين في حلقتين من البرنامج وفي زاويتين غير متتابعتين بعد أن ناقشتهما .. ولعلك لم تستمعي إلى البرنامج بسبب الانشغال

مرة أخرى معذرة

وتقبلي تمنياتي الطيبة

خالد أبو خالد

8/5/2001

ملاحظة: بسبب من الترتيب .. فقدت هاتفك

فإذا وجدت ضرورة لذلك أرجو أن تزوّديني به

شكراً )

____________

– هاتي البشارة..!!

– الأستاذ خالد يتكلّم معي..؟؟!

– نعم.. قال، اذهبي، واتصلي به من العيادة..

– شكراً.. شكراً جزيلاً، يا نَهلا…!!!!

وأسبقُ المُمرّضة إلى العيادة، لأتصل ب 011……. إلخ..

لكنني كنتُ متحفّظةً، فقد أخدشُ مَشاعرَ زوجته :

– أستاذ، أنا أخافُ من الرجال..

– عيب.. عيب يافاطمة.. أنتِ لاتخافين من الرجال، مَن تخافينهم هم (أشباه الرجال ) كما وصفهم (علي ابن أبي طالب ).. لو أنّ أمي زوّجَتني باكراً، كنتِ من عمرِ ابنتي.. وزوجتي سيدة راقية، ومتفهمة لعملي، بل هي تصحّح لي بعضَ أخطائي اللغوية..

ومع هذا.. وفي أحد الأيام، أرسلتُ لهُ رسالة جوابية، أرفقتُها برسالة لزوجته، أهَم مافيها، أنني أتواصَلُ مع زوجها، أخي، وأنني فلانة بنت فلان وفلانة، وأنني لا أدخلُ البيوتَ إلاّ من أبوابها…… إلخ..

وكنتُ قد سألته عن بعض خصوصياته، عندما كنت أتكلم معه على الهاتف، وقال لي، أن زوجته اسمها (سهيلة منصور ).. وبعد مدة من إرسال رسالتي المزدوجة، اتصلت به، على مكتبه في (الأمانة العامة للإتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين ) في دمشق، فرحّبَ بي كثيراً، وقال لي : الآن وصلتْ رسالتك، وهاهي أمامي على المكتب، وأشكركِ من قلبي، وسأسلّم الرسالة إلى (أم ريم ).. أقسم، أنكِ من أنبل بَنات شعبنا.. والله، يافاطمة، طول ما فيّ نفَس، سأبقى إلى جانبك، لأنكِ تستحقين.. وكرّر : أنتِ من أنبل بنات شعبنا، يافاطمة..

وبعد مدة، زارهم (اسماعيل ) فأرسلت لي الغالية (أم ريم ) رسالة جوابية معه..

( دمشق في 17/6/2001

الأخت العزيزة فاطمة

سلامات يافاطمة وأرجو ان تكوني بألف خير. انت والسيد زوجك المحترم مع تقديري واحترامي لشخصه الكريم.

أستهل بالاعتذار عن تاخري بالرد: اولا لان الرسالة تأتي على عنوان غير مباشر بالنسبة لنا . ثم الانشغال بامور تتعلق بابنتي كانت ملحة ولا اشك ابدا في انك ستقبلين الاعتذار خاصة عندما اقول لك ان ليس من عادتي ابدا التاخر بالرد لاي كان فكيف بالنسبة لك .

والآن اشكرك على رسالتك اللطيفة الودودة الصادقة وسأعتبرها بوابة كبيرة وصامدة لعلاقة صافية وطيدة بيننا ويسعدني ذلك قلبيا

شكرا جزيلا على اهدائك لي القصيدة التى ستحفر عندي في القلب والذاكرة وارجو ان اقرأ لك دوما.

هذه القصيدة والتي قرأتِها لي على الهاتف جميلتان احسست برهافة حسك من خلال السطور وهذا ما اسعدني اذ تأكدت ان ثمة محطة غير بعيدة تقفين وامثالك عندها لتسلم الراية من الجيل الذي سبق فالحياة مستمرة ومافيها يبشر بغد آخر وافضل

الدرب طويل وجميل وشائك تمشي عليه الكلمة الصادقة الحرة بكل عنفوانها لتحرك فينا الحس والشعور كي نفعل شيئا ما للحاضر والمستقبل وهذي لعمري رسالة مقدسة اتمنى لك فيها التوفيق مع شكري وحبي

سهيلة

خالد قال لي ان اخبرك ان عندي كتب مترجمة عن الانجليزية اخصها عن ثورة فيتنام ومن الكتب “ايام لاتُنسى” للجنرال جياب وهو قدم لي الكتاب بنفسه في اللغة الفيتنامية وقامت سفارة فيتنام هنا بترجمته للعربية ليس لدي نسخ منه والا لارسلت لك منها . )

__________________

 

وعلى هذا الأساس، بدأت علاقتنا، التي وصلت إلى حَدّ كأننا عائلة واحدة، تقريباً، مع بعضِ التحفّظ..

– أقسم، أنني لا أجاملكِ، يافاطمة.. أنت موهوبة، وموهبتك عالية.. وأنا أتكلم كلاماً يوازي ماتكتبين.. وإن ثابرتِ، يمكن أن تكوني أفضل شاعرة في الوطن العربي، وليس فقط في سورية..

– أرجوكَ، يا أستاد، ابقَ بجانبي – وتنهمرُ دموعي بغزارة – أبحِرُ بمُفرَدي..

– كلنا نبحرُ بمفردِنا، يافاطمة..

– هنا يسخرونَ مما أكتب، أو يتجاهلونه..

– مَن الي يسخر مما تكتبين..؟! ابتعِدي عن كل مَن يحبطكِ، وما يحبطك.. ولا تقرئي إلا لمَن يعرف قيمةَ الكتابة، أو لمُختص..

– أرجوكَ، إن كنتَ، فعلاً، تثقُ بي كل هده الثقة، أرجوكَ، ابقَ بجانبي..

– أقفُ بجانبكِ، لكن، بشرط..

– ماهو..؟!

– أن تقرئي، على مدى سنتين، مئة كتاب.. كل سنة، خمسين رواية، أو مجموعة شعرية، ابتداءً من الحديث، رجوعاً إلى القديم..

– خمسين رواية..؟! والله لا أعرف إن كنتُ أستطيع..

– عِديني وَعدَ شرَف.. أنا أثق بوَعدِ الشرف.. وهدا شرطي الوحيد..

– أعِدُكَ، أن أقرأ ما أستطيع..

– لا.. عِديني وَعْدَ شرف، أن تقرئي خمسين رواية كل عام.. أنا أثقُ بوَعدِ الشرف..

– أعِدُكَ أن أحاول…

وكان دلك… ورحتُ أقرأ وأقرأ وأقرأ.. وأنا أشعر أن علي واجباً، و وَعْدَ شرَف..

– كيفها فاطمة، يا أستاد اسماعيل ؟ هل تقرأ، كما أوصَيتُها.؟!

– إي والله، تقرأ.. وتقرأ كثيراً..

– الحمد لله..

 ( – هلق بدي اسألِك، أنتِ خيتو، والا بنته، والا، شو بيجي منك، أبو اسماعيل..؟

– بَيي، وإلى الشرف..

وهُرعتْ تقبلني وأقبلها، على كتفيها، من غزارة العرق، مع أن المروحة تعمل..

– ألله يرحمه لأبو اسماعيل ويرحم أمك وخيك، و…. )

وأخبرتني أن أبي، كان… كما أعرف.. مع زوجها، ويرسل لها معه سلامات، و….. وأنه الآن يعمل عند أبن عمي المهندس، الغالي..

وأخبرتها، بكثير من الحب والإمتنان، وأنا أقبل رأسَها، أن من يحب (الأوادم ) هو (آدمي ) مثلهم، وأكثر..

– وهدا ابني، وهده كنتي، بنت أبو ربيع..

– والنعم منكم جميعاً….. إلخ

شهق الزوجان الكريمان، عندما عرفتهما بي، تلكَ المرأة، الفاضلة، وتبادَلنا مشاعر الحب والإحترام..

كثيرون يشبهون تلك المرأة، الغالية، يا أبي، ويا أهلي الكرام، القساة..

وهدا ما يأخده الإنسانُ معه، مند رحيلهِ عن هده الفانية.. وما يتركه، من قِيَمٍ، أيضاً..

الآن تداعُ بعضُ الآيات من الدكر الحكيم..

– بس لا يكون شهيد..

(ولا تحسبن الدين قُتِلوا في سبيلِ اللهِ أمواتاً بل أحياءٌ عندَ ربهم يُرزَقون ) صدق الله العظيم..

انتقلَ إلى رحمةِ اللهِ تعالى، الشهيد البطل، النقيب شرف (عاصِم رمضان ) من قرية (كَرْم مْغيزِل ) ويُحَدد دَفنُهُ لاحِقاً..

للشهيد الرحمة، ولكم الأجر والثواب.) الأحد 7/8/2016م

__________________________________________________

الساعةُ الآن تقاربُ السادسة والنصف عصراً. قبل قليل، تصَفّحْتُ بعضاً من (تاريخي ) فانتابَني دافِعٌ قويٌّ للكتابة، شغَفٌ، جَعَلني أسرِعُ بإعادَةِ بعضِ الصوَرِ، والأوراقِ إلى مكانِها، وبعضها الآخر، وضَعتُهُ في ظرفٍ أسمَرَ، هنا، أمامي، بينَ الفراشِ والحائطِ الغربيّ منَ الغرفةِ الوُسطى. الكهرباء مقطوعة من الرابعة. اللابتوب أمامي، مُغلَق. وقد أفتحُهُ عندما تأتي الكهرباء. وأستطيعُ فتحَهُ الآن، حتى بدونِ كهرباء، لأنني أدخلُ (النّت ) من بطاقة (الجمعية ) وليس لدينا، حتى الآن، (وايرليس ) أو (ADSL ). لكنّ زوجي سَجَّلَ اسمَهُ، وقدّمَ طلباً لتركيبه. وقالت وسائلُ الإعلامِ، أنّ مِئات ( البَوّابات ) قد دَخَلَتِ القطر. وننتظرُ دَورَنا.

______________________________________________

على قِمّةِ الجبلِ الذي سُمّيَ باسمِها، وفي /25/10/2007م

جَلَسْتُ أتأمّل..

كانت بيوتُها تتناثَرُ ، تارةً، على التلال المُحيطةِ بها، أو تنخفضُ قليلاً، لتُجاوِرَ وِديانَها الثلاث.. جِهَةَ الشِّمالِ، والجنوبِ، والشرق.. نحْوَ (المْسيل) الذي تسيلُ فيهِ المياهُ شِتاءً، لتُشكّلَ نهراً صغيراً، ضاجّاً، صاخِباً، تهدرُ فيهِ المياهُ في موسِمِ المَطَرِ الغزير.. وتُسَقسِقُ، سابِحَةً فوقَ البلاطِ الأبيضِ، الذي تنعكِسُ فيهِ أشِعّةُ الشّمْسِ، حينَ تظهَرُ من خلالِ الغيوم.. كما تترَقرَقُ تلكَ المياهُ، مُنسابَةً بينَ الصّخورِ الكبيرةِ، والصغيرة، حينَ يهدأ المَطَرُ، أو تخفّ نسبَةُ هُطولِه..

يبدأ ذلكَ السَّيلُ جَرَيانَهُ مع القرية من جهةِ الشِّمال.. مُنساباً من تحتِ قِمّةِ الجَبَلِ بعَشراتِ الأمتار.. ليَعْبرَ الطريقَ العامّةَ التي تصِلُ القريةَ (بالشيخ بدر) مَركز المنطقة.. وقد بُنيَ جِسْرٌ صغيرٌ في ذلكَ المَعْبَر، يسمَحُ بمُرورِ المياهِ تحتَ الطريقِ الإسفلتيّ، عابراً أسطوانتينِ منَ الإسمنت.. كثيراً ما تفيضُ المياهُ فوقَهُما في مواسِمِ الهَطْلِ الغزيرةِ جداً.. يتّصِلُ ذلكَ السَّيْلُ بمَحَطّةٍ تقعُ في أسفَلِ السّفحِ الذي تترَبّعُ عليهِ (المْرَيقِب) القديمة، في مَعْبَرٍ آخرَ يُسَمّى (المْغَيْسِل)، ليَصِلَ بَعدَهُ إلى (الغَبّيط) الذي يسبَحُ فيهِ الرُّعاة.. وما يزالُ الناسُ يتحَدّثونَ عن ذلكَ الشّابِّ،وَحيدَ أمّه، الذي

غَرِقَ فيهِ منذُ عَشراتِ السّنين.. وبَكَتْهُ أمُّهُ حتى نَضَحَ الحَجَرُ دَماً، وهي تقول لجارتها التي تواسيها، قائلة: (سلامة راسك يا أم محمود ).. فأجابتها– وكأنّها لا ترَى أيَّةَ كَلمةٍ قادرَةً على تعزيَتها-: (ولِكْ ألله يكسُر راسى وراسِك)..!!

يَنحَدِرُ ذلكَ (المْسيل) عابراً الصخور، والمَفازاتِ، حتى يَتّصِلَ بالنهرِ القادِمِ من يَنابيعِ جبال (وادي العيون) المُتَعَدّدَة، والغزيرة.. التي تتجَمّعُ، صيفاً، وشِتاءً، لتُشَكِّلَ (نهر البَلّوطَة) الذي يتّجِهُ من الشرقِ، إلى الغربِ، ليَصبّ في (البحرِ الأبيضِ المُتوَسّط) شِمالَ مَدينة (طرطوس)..

عِدّةُ طُرقاتٍ، صارَتْ تتخَلّلُ قريتي.. كانت – في طفولتي، تقتصِرُ على (الزاروب) وهوَ الشارِعُ الرّئيسيُّ فيها.. لم يكنُ عَرضُهُ يتجاوَزُ الأربعةَ أمتار.. تتوَزّعُ حَولَهُ بيوتُ القريةِ الطينيةِ المُتلاصِقَة.. وقَدْ ثُبِّتَ (جرْنُ) الضّيعَةِ الحَجَريِّ الرّمارديّ، مُلاصِقاً لحائط (بيت العَجي) لتدُقَّ فيهِ نساءُ القريةِ كُلّها، القَمْحَ المُبَلّلَ، ب (المِدَقِّ ) الحَجَريّ، المَنحوتِ من نفسِ الصخرةِ البُركانية، في مَوْسِمِ (البرْبارَة) أو، عندما تريدُ المرأةُ أن تطبخَ (القَمْحيّة) في الشتاء.. أو تطبُخَ القَمْحَ المَقشورَ معَ (الحمّص) وتضيف إليهِ (العيران) تمزجهُ

جيّداً، ليصيرَ (مْتَبّلة).. كما يُدَقُّ فيهِ (السّمّاق) عندما تجمَعُ المرأةُ (اللوفَ) منَ الحقولِ البعيدةِ، لتطبُخَ منهُ (طَنجَرَة) للعائلة.. كما تُدَقُّ فيهِ أوراقُ (الرّيحان) الآس، الذي كانتْ أجسادُ الأطفالِ تُدْهَنُ بهِ – بَعْدَ (تنخيلِهِ) – وإضافةِ قليلاً من زيتِ الزيتون لهُ – في الأيامِ الأولى للوِلادة..

كانَ هناكَ (زاروبٌ) فَرْعيٌّ صغيرٌ، يتخَلّلُ (بيت العَجي) و (بيت صالح ديبة) أو (صالح ابراهيم علي حسين).. يتّجِهُ نحوَ الشّمال، حوالي عشرة أمتار، أو أكثرَ قليلاً.. ليوصِلَ القاصِدَ إلى (بئرِ الضّيعة)

وطريقٌ يهبطُ من خَلْفِ (بيت الشيخ سليمان) جنوباً، وُصولاً إلى (بيت جدّي عبّاس) ويتّجِهُ شَرقاً، عابِراً (بيت محمّد عباس) واصِلاً (بَيْدَر الضّيعة).. يتقاطعُ من تحت (بيت علي ابراهيم) و (مْصيف بيت حَبيب) صاعِداً شمالاً نحوَ (الدّوّارَة) التي تقابلُ (بيت أهلي) و (بيت ابراهيم) في منتصَفِ القرية.. وعلى ذلكَ المُفتَرَقِ الذي يَصِلُ (الدّوّارَةَ) ب (الزاروبِ) بالطريقِ الهابطِ نحو (البَيْدَر).. ما زلتُ أذكُرُ تلكَ الصّخرة السوداء المَلساء قليلاً، والتي كانت تتشبّثُ بالأرضِ، تشبُّثَ أهل قريتي بها، وبقيَمِهمُ الإنسانية الراسخة.. كان الصغار (يتزحلطون) عليها، أمام أعين الأمهات الكبيرات، عجائز القرية، الجَدّات، اللائي تعوّدنا أن نُنادي كلَ واحدةٍ منهن (ستّي) لأنها بنظرنا ونظر أهلنا، سيّدتنا، خُلاصَة تجارِبِ الأجيال، المَرجع الأهمّ.. معترفينَ بقيمَتهنّ.. مُقدّرينَ تضحياتِهِنّ، وما يحملنَ من تراثٍ، على كل جيلٍ أن يبني عليه، ويطمئنّ إلى رسوخِ جذوره..

كُنّ يجلسنَ في ظلالِ البيوتِ الطينيّةِ، حينَ تميلُ الشمسُ نحو الغروب.. بثيابهِنّ التراثيّةِ الجميلة.. فساتين قطنية واسعة مُشجّرَة، تزنّرُها (زنانيرُ) قماشيّةٌ بعَرضِ راحَةِ الكَفّ، تعقِدُها المرأةُ على أحَدِ جانبَيّ خَصْرِها.. وقد تربطُ فيها بعضَ قِطَعِ النقود المعدنيّة.. الأكمامُ طويلة.. والقَبّةُ مُدَوّرَة، تصِلُها من تحتِ العنقِ، إلى تحت الزنّارِ على الصَّدرِ عِدّةُ (كبّاسات) أو أزرار.. تُتيحُ للمرأةِ إرضاعَ أطفالِها بسهولة.. أو أنّ تدسَّ في (عُبّها) بعضَ (التّينِ المُهَبّل) عندما تذهبُ إلى جَلْبِ (الحَشيشِ) أو الرّعي، أو قطعِ الحَطَبِ من الوِديانِ البَعيدةِ (ويدي وِهْبانْ)، أو القريبة.. لتحملهُ على رأسِها، ربّما قبلَ بزوغِ الفجْر.. وقد لا تطلعُ الشمسُ، إلاّ وتكونُ المرأةُ قد قطَعَتْ، ونقَلَتْ أربعَ (حَمْلاتٍ) منَ الحَطَبِ، منَ الوادي، إلى جوارِ البيت..

أو بعضَ الخُبْزِ، والعِنَبِ.. عندما تُرافِقُ زوجَها، وهوَ يصطَحِبُ الثيرانَ إلى الحقولِ للحِراثةِ التي قد تمتدُّ من قبْلِ الفجْرِ، إلى ما بَعْدَ المَغيب (لَمّة الضّوّ)..

تحتَ الفساتينِ، تأتي (القُمصانُ) القطنيّةُ الرّقيقةِ، المُعَرَّقَةُ بعُروقٍ ناعِمَة.. واسِعَةٌ، أيضاً.. مزمومةٌ من الخصْرِ، أو ذات طَيّاتٍ مُسَطّرَة.. ولها (جَيباتٌ) قد تحملُ فيها المرأةُ بَعْضَ حَبّاتِ (الزّبيب) لتتناوَلَها أثناءَ العَمَلِ بالأرضِ.. أو تُطْعِمَها للأطفال.. أو.. ربما تحملُ فيها المرأةُ (مَحرمة) عبارةً عن قِطعَةِ قماشٍ صغيرةٍ، اقتطَعَتْها من ثوبٍ قديم.. تستعمِلُها لمَسْحِ عَرَقِها، أو تجفيفِ أنفِها، أو دموعِها.. أثناءَ هُبوبِ الرّياحِ البارِدَة..

تلي ذلكَ (اللبّيس).. وهي عبارة عن سراويلَ قطنيّةٍ مُشَجَّرَةٍ، أيضاً.. يغلبُ عليها اللونُ الأحمر.. كانتِ الجَدّاتُ الكبيراتُ يَجْمَعْنَ طَرَفَيها بقطعتينِ من المَطّاط، مَنعاً من ارتفاعِها عنِ الكاحِلَينِ أثناءَ العَمَل.. أما بناتهُنّ (عمّاتي، وأترابهُنّ) فقدِ استبدَلنَ المطّاط، بكَشاكِشَ في أسفلِ كلّ ساقِ من ساقيّ السروال، وضَيّقْنَ فَردَتيهِ أيضاً.. لكن، مع مُراعاةِ السّعَة، التي تبدأ من الرّكبَتَينِ، حتى الخصْر، الذي يُثبّتُهُ المَطّاط فوقه..

أما غطاء الرأس.. فقد كانتِ الجَدّاتُ تلبَسْنَ فوقَ (البوشيّة) وهي عبارة عن غطاء دائريّ قماشيّ سميك أسود، قد تلمَعُ فيهِ بَعضُ خيوطِ القصَبِ الفضّيّةِ، أو الذّهَبيّة.. يحيطُ بالرأسِ حتى فوقَ الأذنين.. تليهِ (شوراية) قماشيّة قطنيّة بيضاء، مُرَبّعَة الشكل، تُلَفُّ كالكعكةِ فوق البوشيّة.. أو تُطوى بشكلِ مُثلّثٍ، ويُرْبَطُ طَرَفاها من الأمام، تحتَ الذّقن..

كثيراً ما كانتِ النساءُ، والرجالُ، والأطفالُ، حُفاةً.. أو ينتعِلون أحذيَةً من (الغوما) كانتْ بعضُ النسوةِ يخلعنها وهُنّ صاعداتٍ من الوادي، إلى القرية، يحملنَ على رؤوسهنّ (حَمْلاتِ) الحطَبِ، أو (الحْماية) ويضعنَ الحذاءَ داخِلَ (الحَمْلةِ) التي يلفّها (خْناق) مصنوع من شَعْرِ الماعز، ويُكْمِلنَ الدّرْبَ الضّيّقَ المليء بالحَصى والتراب، حُفاةً.. حتى يصلنَ إلى بيوتهنّ على ارتفاعِ عِدّةِ كيلومترات.. كي لا (يخيس) أو (يخرب) الحذاء، أو (المْداس) أو (الصّرماية).. هذا الأمر، ظلّ حتى خمسينات القرن العشرين، على الأقَلّ..

في حوالي منتصف العشرينات، من القرن العشرين، خَلَتِ المنطقة من الحروبِ المُباشِرة، وهُمِّشَتْ (المْرَيْقِب) مثلها مثل أغلبِ القرى، مع أنها كانتْ تعجُّ بالحياةِ، أثناءَ الثورةِ التي انطلَقَتْ منها الشّرارِةُ الأولى ضدّ الغُزاةِ الفرَنسيّين، في خريفِ /1918/م.. وأُخْمِدَتْ عام /1921/م..

كانتْ (المْرَيقِب) أثناءَها، مَحَطّ أنظارِ، واهتمامِ القوى الداخليّةِ، والخارِجيّة.. فهيَ مَسقطُ رأسِ قائِدِ الثورة، الشيخ المُجاهِد، ورَجُلِ الدّينِ الوَرِع (الشيخ صالح العلي) والكثير من الثوّار، منذُ العَهْدِ العُثمانيّ البَغيض.. ومن أهَمِّهِم – إن لم يكنْ أهَمّهم – أجدادي، وجَدّاتي.. وعلى رأسهم جَدّي لأبي، المُجاهِد البطل العنيد الشجاع (الشيخ سليم صالح) الذي عَيّنَهُ قائدُ الثورة، (عَقيداً) فيها..

______________________________________________

في منتصف الخمسينات من القرن العشرين،

لاحظت الأم أن بتول، ذات الأعوام الثلاث، تترنح في سيرها، فأوقفتها :

-إلى أين يا بتول..؟

-إلى عند ذكية..

-قفي.. قفي لحظة، يا ابنتي..

وكشفت لها عن بطنها.. كان مليئا بالبقع الحمراء الصغيرة..

أرخت فستان الطفلة، وهي تضحك بقلق خفيف :

-لا والله، لن تذهبي يا بتول.. اليوم بقاء في البيت.. ذكية.. لن تزوريها منذ الآن، إلى.. وتلمّست جبين الطفلةِ، و وَجهها، الذي كان كالجمرة الحمراء..

تابعت الأم :

-عودي يا بتول.. عودي، يا ابنتي، ونامي بين إخوتك، حول المدفأة..

بكت الطفلة، معترضة على منع أمها لها من زيارة ابنة الجيران، الذين كانوا قد أحضروا منذ مدة قصيرة، جهاز راديو، وضعوه في الغرفة الطينية، ومَدّوا له (أنتيناً) معدنياً على السطح، وثبّتوه بقليل من الطين، والحجارة..

كانت الأم تعجز أحياناً عن إقناع ابنتها بعمل شيء ما، إن لم تقدم لها إغراءات كثيرة.. كأن تعمل لها (عضوضة) زيت وسكّر.. أو تسمح لها باللعب بالطين.. وإن استعصى عليها إقناعها، كانت تلجأ إلى إغرائها بأكثر الأشياء رغبةً عندها :

-أضعكِ في راديو بيت (أحمد عزيز)..

فتسرع الطفلة بإنجاز كل ما تطلبه منها أمها، أمَلاً بتحقيق حلمها الأكبر.. وهو الدخول في جهاز الراديو، الذي كان يُدهشها كثيراً خروجُ أصوات النساء والرجال منه، وتنشغل أكثر في التفكير : – كيف يدخل هؤلاء البشر إلى هذا الصندوق..؟! لكنها اقتنعتْ أخيراً، أنّ أجسادهم تتقلّصُ وتصغر بالتدريج، وتتضاءلُ، حتى تصبح على مقاسٍ يمكّنها من الدخول في الراديو من الخلف، وتبادُل الأحاديث، والغناء.. إلى آخر ماهنالك مما تسمع..

لكنها عجزتْ عن إقناع أمها هذه المرة، بالسماح لها بزيارةِ ذكية، بنت (أحمد عزيز).. فقد تأكّدتِ الأم أنّ ابنتَها أصيبتْ ب (الجرْشِة).. وأنّ عليها أن تنام قرب المدفأة الحديدية الأسطوانية، التي يتوَقّدُ فيها حَطَبُ السنديان، والبَلّوطِ، وجذور الآس..

كانت ماري قد حَمَلَتْ أبناءها وبناتها، واحداً واحِداً، وصعدت بهم الطريق الترابية، التي تصل القرية بحارةٍ، تبعد عنها أكثر من نصف كيلومتر، لتنيّمَ الأطفال بين أترابهم من الأقارب الذين سبقوهم إلى العدوى بهذا المرض الذي يبقى هَمّاً على الأهل توقّعُ إصابة أبنائهم به.. وكانوا متأكّدين أنّ أيّ طفل سيتعرّضُ للإصابة به.. كما في (الشاهوق) وغيره من الأمراض التي لا مندوحة عنها، وليس لها أيّ دواءٍ، إلاّ رحمَةُ الله..

– أراكِ تضحكينَ..!!

– إي والله، أضحك..

– أعرف لمادا.. لكن..

– لكن، لمادا لا تسمي الناس بأسمائهم الحقيقية..؟!

– لكي لا أسيءَ إلى أحد..

– لكنني عرفتُ مَن هيَ ماري، و… و..

– أرجوكِ، يا أمي.. أنا أعرف أنكِ تعرفين، لكن، ألم تطلبي مني تغييرَ الأسماءِ الحقيقيةِ في (نبض الجدور ) ولنفسِ السبب..؟!

– صحيح

– وعُدتِ، وسألتني أكثر من مرة، وأنتِ تعيدين قراءتها، لمادا غيرتُ الأسماء، فأجيبكِ، أنني فعلتُ دلك، بطلبٍ منكِ، ولنفسِ السبب..

– ألله يعطيكِ العافية، يا ابنتي.. أكمِلي توثيقك، برعايةِ اللهِ وحِفظه..

– ألله يسعدك، حيثُ أنتِ، يا أميَ الغالية..

______________________________________________

هناكَ، في الأعماق، تبدو بيوتٌ ثلاثةٌ، مُتجاوِرة، وآخرُ قريبٌ من قِمةِ الجبَل..

(بيت الشرقي) و (بيت الوسطاني) و (بيت الغربي ) لأجدادي الثلاثة (الشيخ محمد صالح) و (الشيخ علي صالح ) و (الشيخ سليمان صالح ) والبيت الرابع لجَدي (الشيخ سليم صالح ) وهوَ أصغرُ إخوته الكور.. ولهم أختٌ كان اسمُها (آمنة ) وهي (ستي أم علي ) أو (أم علي آمنة ) وقدِ اغترَبَتْ مع زوجِها إلى الأرجنتين، وعادتْ، ومعها حفيدُها (زكريا ) الدي كان في مثل عمري، تقريباً، وقد تعلمَ معنا في المرحلة الإبتدائية..

وبيتٌ آخرُ، أحاوِلُ أن أتصورَه، فأظنُ أنه في حارةِ (القَلع ) أو قرب (الروَيْسِة ) وهوَ بيت (الشيخ غانم سلمان ) أبو جَدتي (خديجة ) أم أمي..

_________________________________________________________

تلك الزيارة، فتحت جراحَ الماضي..

مدَحوا كثيراً، وفخروا، بابنة جيرانهم (المتفوقة ) سابقاً.. كما هو ابنهم متفوقٌ بالشهادة الثانوية..

قلتِ لهم، أنكِ لاتحترمينها، وشتمتها، وشتمتِ أهلها – جيرانهم – الدين أرهقوكِ، لمدةٍ طويلة..

لم يتخلوا عن علاقاتهم الحميمية، مع تلك الأسرة التي أساءت لكِ أكثر من مرة، يا مَحجوبَة.. وهم على عِلمٍ بأغلبها..

صَمَتوا.. وصمتَ معهم مُعتز.. وقطبوا..

– إي.. مادا لديكم من أخبار….؟!

وراحوا يواصِلون أحاديثهم، بكل اهتمام، بين الطرفين.. هو.. وأقاربه.. دون أن يعيروا مشاركتكِ لهم، بأحاديثهم (الهامة )..

لم تستغربي.. ولم تتأثري كثيراً.. فقد (تكَسرتِ النصالُ على النِصالِ ).. تابعتِ الحديث الدي كنتم قد بدأتموهُ معاً، حول أحوال البلاد، والوطنِ الجريح، وحَولَ الفساد، وكيف جاءت إحدى السوريات المُغترِبات، وأهدت جرحى المشفى الدي يعمل به زوجُ هَنا، الدكتور، الدي يحبكِ ويحترمك، وتبادلينه وأهله الحب والإحترام.. لم تري منهم سوى الإحترام، فكيف لاتحترمينهم..؟!

– استلَمَ الهدية، المدير المسؤول عن الجرحى.. (ويزدادُ انفعالُه ).. خمسمئة ألف ليرة….

– ألا يوزعهم على الجرحى، كما أوصتهم تلكَ المرأة التي طلبتْ ألا تعرف بنفسها، فهدا واجبها تجاه مَن يحمونها ويحمون الوطن..؟!

– لا يوزع منهم سوى القليل..

– ألله يحرقهُ بهم..

تابَعوا أحاديثهم (الهامة ) وأخبارَهم (المؤكدة ).. دون أن يلتفتوا،أو يستمِعوا إليكِ، وأنتِ تضيفين من معلوماتكِ، في نفسِ الموضوع.. وتخبرينهم، دون أن يولي أحدُهم، حتى الدكتور، أيةَ التِفاتة..

وتتوجهين إلى الطالب المتفوق، وتتابعين (مُبتسمةً ) :

– لا أحَد يستمع إلي، يا خالتو.. وتحكين باقتضاب، بضع كلمات، أنكِ تعرفين امرأةً دمشقيةً، مُغترِبة، من مكونات هدا الوطن الأم، تعرفتِ إليها عن طريق مَواقع التواصُل، أحبتكِ، وأحببتِها، وطلبتْ منكِ أن تخبريها كيف بإمكانها مُساعَدةَ دلكَ الجريح الجميل، المُبتسم بالصورة التي وضعتها على صفحتكِ، تستجدينَ أحداً يساعدُ جَرحانا من حُماة الديار، (شَلَل رُباعي ).. وأنها لم تكن ترغبُ أن تفصِحَ عن اسمِها، حتى طلبَ منكِ أحد الجَرحى، أن تربطيهِ معها، كي يتواصَلا، مباشرةً.. وكان دلك.. وأرسلت له، دفعة أولى، أكثر من (52 ) ألف ليرة سورية.. وزعها على ثلاثة جرحى.. وقد أخبركِ أنها حضرت إلى طرطوس، وأعطته عشرة آلاف ليرة.. ولم تعودي تسألينهُ شيئاً من هدا..

– هيَ موظفة، وتعيلُ ابنيها، وأمها.. لا تستطيع إرسال مبلغٍ كبير..

وأنا أكتب هده السطور، دخلت (لورا ) :

– مسموح الدخول .؟!

– ولو.. يامية هلا.. أنتِ ؟ (وترفعين سماعة المدياع من أدنيكِ ) ظننتكِ (مَها ) بنت عمتك.. لا تؤاخديني، كنتُ أكتب..

– لا لا.. لايهمك.. أنا لا أطيق القراءة والكتابة..

(يومن على يوم.. لو طالتِ الفرقة.. مانسيت انا، يوم.. ما نسيت انا الرفقة… ) كم تحبين هده الأغنية التي تستمعين إليها الآن، من إداعةِ دمشق، وتطربكِ، تتمايلين وأنتِ ترددين كلماتها، مع (فهد بلان ) بمنتهى النشوة والتأثر.. وطالَما ساهَمتِ، من خلالِها، بالتواصُل مع أبناء وطنك، إخوتك، في (جَبَل العَرَب ) و (سَهل حوران ) الدين كان بعضهم يعتقد أن ماجرى ويجري في البلاد (ثورة )..!!

– إن كنتِ راغبة في الجلوس، أنزل من السرير، وأترك الكتابة..

– لا والله، سآخد التين، وأنزل..

– ألله يجعله ألف صحة وهَنا…

___________________________________________________

سأعود إلى الكتابة، فالنت مقطوع..

نشرة الأخبار الصباحية، السابعة والربع من صباح هدا اليوم، الأربعاء 10/8/2016م

(بتوجيهٍ من السيد الرئيس بشار الأسد، زار العماد فهد جاسم الفريج، قواتنا العاملة في حلب.. واستمع منهم…………….. إلخ )

__________________________________________________

هنأتِ الشاب النحيل، وأهله.. أنت التي أحضرتِ له علاماته العالية، من موقع وزارة التربية.

– معتز.. استطعتُ الوصول إلى الموقع، هل لديكَ أحد من أقاربكَ في (البكالوريا )..؟

– “ببعضِ التمنع ” نعم..

– مَن؟

– إبن هَنا..

– ماهو رقمه؟

– سأتصل بهم، وآخده..

– دعكَ عن الهاتف..

ناجح.. وعلاماته، كدا، وكدا..

طاروا من الفرح..

هنأهم زوجك.. وطلبتِ منه أن يعطيكِ السماعة، لتهنئينهم بدورك..

– ألف مبارك، ياخالتو.. ألله يعطيك العافية.. أللهم صَل عالنبي، كبرتَ سريعاً، يا حبيبي.. صحيح أنني لم أرَكَ مند سنوات.. لكنني أحبكَ جداً، وأنا فخورة بك، وسعيدة من أجلك.. اعطني أهلكَ لأهنأهم..

– هاهي أمي..

– هاتِها..

– ألف مبارك، يا هَنا.. ألله يخلي لكم اياهم.. والله أنا سعيدة بهدا التفوق.. ان شاء الله تفرحون بهم كلهم، وبأعلى المراتب، وبصحتكم أيضاً..

– ألله يسلمك، يا مرت خالي.. وشكراً جزيلاً، لأنكِ أعطيتِنا العلامات.. كنا نظن أن الوقتَ مُبْكِرٌ لفتح النت..

– كم أنا سعيدة، لأنني أول مَن أدخلَ السعادة إلى قلوبكم..!!

( ملخص الحديث، أنتِ لا تحبين أقاربي )..!!

(ليكي، لا تحاولي.. لا تتعبي حالك.. مارح إترك أقاربي..)..!!

وتصمُتين..

كنتِ تقولين لهُ، عندما يحنقُ من أبناء وبنات أخيه، ومن أمهم الظالمة، التي طالما أساءت له، ولأهلهِ، وإخوته :

– لايهمكَ، يا معتز.. لكن، عليكَ أن تثق ثقةً تامة، بأبناء وبنات أختك.. أختكَ التي مازلنا نأكل من تعبها، من قبل زواجها المتأخر، وبعده.. هؤلاء أصيلون..

– لكن أبناء أخي، كأمهم.. وكل سلالة أمهم.. ليس منهم أمَل..

– هدا لاينفي قيامنا بواجبنا تجاههم، يا مُعتز.. يجب علينا أن نزورهم، باستمرار، حتى لو كل أسبوع مرة.. كي لايشعروا بالمزيد من آلام اليُتم.. كي يشعروا أنكَ بديلٌ عن أبيهم، رحمه الله..

– كيف أفعلُ دلك..؟! لن تسمحَ لي أمهم.. أنا أخافها..

حتى ولو كانت أسوأ مما هي عليه، فهي زوجةُ أخيك، وأم أبنائه.. وهي تكره (وائل ) وتحبك أنت.. وأخوكَ، رحمهُ الله، كان يحترمني جداً، ويدافعُ عني عندما يسيءُ لي وائل وزوجته..

– تركت هون شوية شوكولا إلك ولخالي..

– بالله..!! ألله يسلم إيديكِ، يا هَنا.. بالنسبة لي، أخدتُ الضيافة، عندما علمتُ بتفوق الغالي ( وَعْد ) ألله يهنيكم بصحتكم وبهم..

– قلتُ، أنتم لم تزورونا، فأحضرتُ لكم الضيافة..

– والله، أنا لم أزر أختي، يا هَنا..

– هوَ ليس عَتَباً.. لكن….

يا هَنا…. اعلَمي، واعلَموا جميعاً، أنني لا أعرفُ مادا في الكيس، الهدية.. ولم ألمسهُ، أيتها ( السيدة ) رغم أن خالكِ أخبرَني، بإعجاب، أنكِ (أهدَيتِنا ) الكثير مما لا أريدُ أن أعرف…!!

مَحجوبَة

___________________________________________________________________

       بقيتِ أكثر من ستةِ أشهر، وأنتِ متأكدة أن كتلةً في صدركِ الأيمن.. لم تخبري أحداً.. وجاءَ يومٌ، وأنتِ تنامين نومةَ القيلولة، على جانبكِ الأيمن، فوق بلاط الصالون، ومُعتز، ينام على الديفون المقابل، بعد أن عاد من عمله مُرهَقاً، وتناولتما طعامَ الغداءِ معاً..

نهضتِ قبلهُ، كالعادة، نبضات قلبكِ مُسرعة، وهناك بعض (خَوارِج الإنقباض ) تزيد من توترك.. فوجئتِ بقميصِ نومكِ، وقد نضحت فوق صدره الأيمن، بعض السوائل، ازداد خوفكِ، وتوترك.. :

– معتز.. ” وبكيتِ بقهر “.. أريد أن أخبركَ شيئاً، لكن لاتقلق.. أنا أسلم أمري إلى الله..

– مادا بكِ.؟!

وانفجرتْ دَمامِلُ روحكِ دفعةً واحدة..

– معتز.. مند ستة أشهر، على الأقل، وأنا أشعر بكتلةٍ صغيرةٍ في صدري، ولم أخبركَ، كي لا أزعجك.. والآن.. انظر… مَصلٌ ممزوجٌ بدم..

بدا عليه القلق الشديد، واصفر وجهه..

– لمادا لم تخبريني بدك..؟؟

– لا أريد أن أتعبك.. كفاكَ ماتعبته من أجلي، سابقاً..

– والآن، ما العمَل..

– العمل، سنستشيرُ أحد الأطباء.. لكن، لاتقلق.. مهما حدث، فالحياة والموت من عند الله.. وأنتَ لم تقصر بحقي، ولا مرة في حياتك.. تماسَك، مهما حدث.. أنا أتقبل القدَر.. لكنني لا أستطيع تحمل ظلمِ البَشر..

– يا أللــــــه…!! مند ستة شهور، ولم تخبريني..؟!

– لا أريد أن أزيدَ أعباءك، يا معتز.. وكن مطمئناً، أنكَ لم تقدم لي سوى الخير، من يوم أن عرفتك.. يجب ألا تشعر بأي دنب، لقد قدمتَ لي كل ماتستطيع.. ولم تقصر تجاهي، حتى لحظة..

– أوف…………… يا ألله..!!

ولم تترك طبيباً إلا واستشرته.. ودهبتَ إلى بيت أختي، التي لم تكن تطيقها، لأنها كانت تؤويني، حينَ يعز المأوى.. وتهتم بي، كأنني ابنتها الوحيدة، التي أضعفها المرض، وأنهكَ قِواها.. تخبرها، متهالكاً، عما حدث.. وتسألها، ما العمل..؟! وأنت تحمل نتيجة التحليل المخبري المكتوب باللغة الأجنبية.. (إنتروداكتال بابيلوما ).. ولم نعرف لها تفسيراً..

وتصطحبني إلى دمشق.. (مشفى المُواساة ) لأكشف عن صدري، أمام الأطباء والمريضات المنتظرات أدوارهن..

ويأتي (السعودي ) الأكثر خبرة بهده الأمور.. يتفحص صدري من بعيد.. ثم يلمسه بقوةٍ تؤلمني :

– ليس هنالكَ من كتلة.. ليس بكِ شيء..

– لكن مصلاً ودَماً يخرج من صدري، مند عدة أيام.. وأنا تحسستُ كتلةً مند أكثر من ستة أشهر..!!

– اعصري صَدرَكِ، وأرِني الإفرازات..

تضغطين، وتضغطين، وتستجدين صدركِ أن يفصحَ عما يعاني.. دون جدوى تُدكَر..

– هده النقطة، تعتبرينها إفرازات..؟! ليس بكِ شيء.. جاءَ دَورُ غيرك..

– الحمد لله.. الحمد لله… سنعود إلى القرية..

– ما بكَ، يا مُعتز..؟! هل أنتَ مُقتنعٌ بما قال الطبيب..؟! لن أدهبَ قبل أن أعرفَ ما بي..

– سيدتي.. سيدي.. هنا، لا يعرفون شيئاً.. سأدلكما على عيادةِ طبيبٍ حادق..

وراحت إحدى ملائكة الرحمة، تشرحُ لنا، ما اسم الطبيب، وأين تقع عيادته.. وحتى رقم هاتفه..

ولم أقبل أن أزورَه، لأنني أدركتُ سقاطةَ الموقف، ولا إنسانيته.. تجارة..!!

وعدنا إلى القرية.. مررنا بطرطوس.. حَمَلتَ نتيجةَ (التشريح المَرَضي ) ورَم حُلَيمي داخل القناة..

عُدنا إلى دمشق.. دَلنا أحدهم على طبيبٍ دِمشقي مشهور.. دَرَسَ على حسابهِ في أوروبا.. وأجرى ليَ العملية (تخدير موضعي )، بناءً على طلبي..

_________________________________________________________________

الثانية والنصف، بعد ظهر يوم السبت 16-7-2011م

تركتُها تكرج على ذلك الطريق الترابي المحصى، نازلة بصحبة عمتيها اللتين تمسكانها كل واحدة بيد، وهي تزقزق فرحة سعيدة، والصبايا من خلفهن ومن أمامهن، تحمل كل واحدة منهن صرة من الغسيل الوسخ فوق رأسها، وفيها، أيضا ( المخباط ) الخشبي، وبضع ألواح من الصابون.. بيد كل منهن سطل نحاسي يصدر صريرا كلما لوحته بيدها، وهي تهبط ذلك الطريق الترابي الضيق، الذي يتخلل جفنات الآس والحيصل والديس والشفشاف والبلان والجربان، أو العوسج، والطيون، وغيرها من نباتات تلك الجبال الساحرة.. وعلى كتف كل واحدة منهن ( دست ) من النحاس الشميك، يلمع من الداخل، كالفضة، ومن الخارج تكسوه طبقة سميكة من الشحار الأسود الناتج عن كثرة تعرضه لنار الحطب، ودخانه..

تضع البنت كفها في أسفل الدست، من الداخي، وترفع فمه بزندها، حتى يستريح على كتفها..

وحين تصل البنات إلى (عين السنديانة ) تضع كل صبية حِملها، وتبدأ بالتعاون على إيقاد النار، وتسوية الركنين الحجرين، اللذين سيركن (الدست ) فوقهما، ويوقد الحطب تحته، ويتصاعد منه الدخان الأسود، الذي تتكاثف طبقة جديدة منه، وتلتصق بقفا الدست، بعد أن تملأنه بالماء من العين القريبة، الصافية، التي تنساب مياهها العذبة بين الصخور والحجارة، منذ مئات السنين، وقد تشكل مستنقعات صغيرة، في طريقها إلى النهر، في أسفل الجبال التي تتوسطها العين، وتميل نحو الأسفل.. ونادراً ماتجرؤ واحدة بمفردها على النزول إلى العين، حتى في وضح النهار، خوفاً من أن تظهرَ لها (جنّية عين السنديانة )، وتصفعها، وتورب خدها، وتبقى كذلك حتى يقرأ العديد من الشيوخ عليها الفاتحة والمتعوذات ويتلون الصلوات، ويكتبون لها حجاباً، أو حُجُباً تشفيها من (لطشة ) الجنية، ويعود خدها إلى وضعه الطبيعي، وتشكل هذه الحادثة الرادع لها ولباقي النسوة، وحتى بعض الرجال، لسنوات طويلة، أو حتى لأجيال..

تبدأ كل صبية بفك صرتها، وفرد غسيلها، وفرزه، والبدء بغسيل كل نوع قماش على حِدة، والقطع القابل لونها ليحلّ، تفسلها لوحدها، وتحرص على عدم تقريبها من الغسيل الفاتح، كي لا تحلّ عليه ألوانها..

هي المرة الأولى والأخيرة التي تستحم فيها تلك الطفلة على ذلك النبع..

فلأتركها في متعتها الطبيعية العفويةِ تلك، ولآتي إلى منزلها الكائن في قمة جبل القرية، أو تحتها بقليل..

هاهي تسند جسدها المتعب قليلاً، على ذلك الديفون، أو تلك الأريكة، وتحت جذعها مسندان، أو وسادتان، إحداهما من الإسفنج، والأخرى من القطن، يغلف إحداها غطاء مزهر جاهز، من السوق، وآخر مقلم بالأبيض والسماوي، خاطته بنفسها..

أنهت الآن تناول وجبة غدائها، وهي عبارة عن لفافة من الخبز، دهنت عليها قليلا من زيت الزيتون، والزعتر، الذي صنعته بنفسها، منذ عدة أيام.. غسلت الحبوب، وحَمّصتها في فرن الغاز، ثم طحنته في مخبز القرية المجاورة، وحملتها في الكيس القطني الأبيض، إلى البيت، وضعتها في وعاء جاف، كبير من الستنلس، وخلطت طحين الحمص، والزعتر البري، والسماق، والحنطة، وغيرها، مع كمية من الملح.. وعبأت الزعتر الدي صار جاهزاً، في مرطبانات زجاجية، مختلفة الأحجام، وأغلقتها جيداً..

___________________________________________________________________

إحدى المحجوبات، قالت لي، أنها كانت تبادر بتهدئة غضب زوجها، وهو يتهددها ويتوعدها، دون سبب يُدكر، بأن تطلب منه، الهدوء، لأنها تخاف أن يقتله انفعاله الشديد، وأنها تحبه، وتحترمه، ولا تستطيع الإستغناء عنه.. فيرد عليها، ساخراً :

– والله أنتِ مثل (فلان ) عندما أحتقركِ، تحترمينني.. وعندما أحترمكِ، تحتقرينني..

فتصرخ في وجهه، صائحةً :

– طلقني، إداً.. طلقني، يا (فلان ) كيف تسمح لنفسكَ أن تعيش مع زوجةٍ بهده الدناءة.. لو كنت مكانك، لما استطعت مقاسمتها الفراش..!!

________________________

– حضرتَ الجنازة..

– إي.

– ألله يرحمها..

– …

– هل زعل عليها زوجها كثيراً..؟!

– ماهدا السؤال.؟ زوجته، فكيف لا يزعل عليها..

____________________________

– يقولون أن ( س ) تشرب الخمرة، وتسكر.. ومرةً، دخلت إلى مطبخِ مُضيفيها، وهي تترنح، وراحت تستجديهِ، باكيةً، أن يقبلها.. فخرجَ المُضيفُ، هارباً منها، وعاد إلى الصالون، وأخبر زوجَها :

– أرجوكَ، تعالَ، وخد زوجتك..

– ما الغريبُ في دلك..؟! حقها.. فزوجُها يُهمِلُها…!!

( س ) جارة أختك، يا معتز….

وتعرف دلك وغيره عنها، وعن زوجها، أنتَ وأختك، وعائلتها، وغيركم الكثير..

كنتُ في بيت أهلي، في أسوأ حالاتي النفسية، عندما اتصلت معي ( س ) القادمة مع أسرتها من طرطوس، ليستقروا في بيتهم الجديد في القرية.. راجيةً أن أزورها.. فزوجها يعاني، مايشبه معاناتي، علي أزيدهم من معلوماتي عن (المرض النفسي ) الدي أعاني منه، وأشجع زوجها وأساعده على الشفاء..

تناولتُ المزيد من الحبوب المهدئة، بالإضافة إلى مضادات الكآبة، ومضادات التشنج.. وزرتها…

كانت دَمسةً معي في بادئ الأمر.. ثم ما لبثت أن صارت تتواقحُ علي، وتسخر من مرض زوجها، ومني… وصرتم كلكم تسخرون مني ومنه، وكلما تجشأتُ، سخرتم قائلين :

– هه.. مثل ما يفعل ا( ص )..

– لكن ما أمرَضَ قريبكَ، غير الدي أمرَضني.. وأنت تعرف جيداً..

– ألله يساعدك، يا معتز.. كيف استطعت تحمل حالة زوجتك، كل هده السنوات.. والله أنا غير قادرة.. غير قادرة على التحمل أكثر..

(بحضورِ أختكَ، وعائلتها )..!!

وعندما ألومك، تجيبني :

– والله، هده هي الحقيقة، يا محجوبة.. مهما تكن الحقيقةُ مُرة..!!

كانت تخصك بالكلام، والإحترام، والإهتمام… دون الجميع.. وتبادلها دلك، كما تبادلها السخرية مني، ومن زوجها..

وعلى مدى سنوات، لم تترك بيتَ قريبك… الدي كنتَ تتبرأ من قرابته، أنتَ وأهلك.. وتسخرون منهم..

تزورهم، وتسهرُ عندهم، وتتركني وحيدة.. وبعِلمِ أختكَ، وعائلتها..

وعندما أدكركَ بأنكم كنتم تتبرؤون من أبيه، وسلالته، وتسخرون من أمه، كنتَ تجيبني :

– هدا قريبي.. وليس له أحدٌ غيري..!!

وللحديث بقية..

اليوم، يا أمي.. الثلاثاء الثاني من آب عام 2016م..

أجلس على الديفون، في صالون منزلنا في (الضهر ) مقابل جهاز التلفزيون الصامت، ليس، فقط، نتيجة انقطاع الكهرباء، إنما لأنه لم يعُد يعمل، مند مدة…

أفتح المدياع، على (صوت الشباب ) التي تحتفل بإنجازات الشباب الفائزين، في الأولمبياد العلمي..

الطقس في الخارج صَحوٌ، وحار، مع بعضِ نسمات الهواء الغربي، أشعر بالإنتعاش عندما تداعب ظهري، عبر النافدة الكبيرة التي أفتح نصفها الغربي..

قبل قليل، حضرتِ في بالي، الدي لم تبرحيه، لحظةً واحدة.. لكنني دكرتكِ أكثر، عندما تلألأتْ فوقَ ظفر إبهاميَ الأيسر، نقطةً من قطرِ مربى التين الأخضر، من النوع الزرقاني، كان زوجي قد جناها صباح اليوم، فنقيتُ الثمرات الصالحة، وفتحت فمَ كلٍ ثمرةٍ منها، وقسمتُها قسمين أو ثلاثة أو أربعة، حسب حجم الثمرة.. وضعتها في جاط الستنلس الكبير، الدي كنت قد خصصته للعجين، أيام كنت أعجن وأخبز بعض الأرغفة على التنور الدي بنته لي، أم علي عباس، الخبيرة بدلك، بعد أن استجاب زوجي لإلحاحي، وكنت قد قاربت الأربعين، وخبزت عليه عدة مرات، كل مرة حوالي عشرة، أو، 15، أو 20 رغيفاً، أو أكثر.. يتناولها زوجي مني، ويصعد بها درج المنزل، ليتناولها، مع أصدقائه، حاف، أو مع زيت زيتون، أو… وكنت أسعد جداً لأنني أسعدتهم.. لكنني هجرتُ دلك التنور، بعد أن أجريت لي عملية جراحية، ولم يعد من المستحب تعرضي للحرارة الشديدة..

سكبت فوق التين المفتوح، كمية من السكر الوطني الأسمر، كنت قد اشتريت عدة كيلوات منه، مند مدة، من المؤسسة الإستهلاكية، بعد أن أخدوا مني دفتر العائلة.. ثم نثرت فوق السكر والتين، كمية قليلة من ملح الليمون، وتركته حوالي ساعة، ثم أفرغت المزيج بطنجرة ستنلس سميكة، ورفعتها على نار متوسطة، حتى درجة الغليان، فضعفت الغاز تحتها، إلى أضعف درجة ممكنة، مع التقشيط المستمر، وإزالة كل الزبد المتشكل، ورميه في المجلى الرخامي.. وخرجتُ لأكملَ تشميس الكيلوات الست من الحمص، الدي كنت قد فرطتها من حوالي نصف شهر، ودريتها، ونقيت أغلب شوائبها.. ثم دخلت الصالون، وأحضرت قطعتي قماش قطنيتين، وحكتُها على شكل كيسين واحد أكبر من الثاني، وخرجتُ لأعبئَ الحمص البلدي في الكيس الكبير، وحوالي كيلوغرام واحد من حمص المعونات، الدي زرعه زوجي، ولم يكن جيداً، أبداً، حتى أن (الجرابيع ) عافته، وأكلت أكثر من أربع كيلوات من الحمص البلدي، قبل أن يقتلعها زوجي، ويحضرها إلى الشرفة، وأستخرجها أنا..

عدتُ إلى المطبخ، تناولتُ (الكبشة ) التي خصصتها لتحريك المربى، وإزالة الزبد، ورفعتُ بواسطتها كمية قليلة من القطر الحار، وأسقطتُ قطرةً منها فوق ظفر إبهامي الأيسر، كما علمتِني، يا أمي، وكما علمتكِ أمك، أيضاً.. وعندما تأكدت أن القطرة بقيت متماسكة، أطفأت الغاز، وأحضرت المرطبان (القطرميز ) الدي كنت قد غسلته وجففته، تحت أشعة الشمس.. ثم عبأته بالمربى، ووضعت فوق فمه قطعة قماش قطنية بيضاء نظيفة، وأخرجته إلى الشمس، وأنا أحرص على حمله بنزالات سميكة، كي لا يحترق كفاي.. ومازال على حرف البرندة، لكنني أزلت قطعة القماش، بعد أن برد، وأغلقته بغطائه العادي الأبيض..

دقت مما تبقى في الطنجرة، لقمتين، ولا ألد، بعد تناولي لطعام الغداء المكون من سلطة بندورة وخيار وبصل، مع زيت وملح وحامض ليمون..

شعرت بالتخمة.. وها أنا أشعر بالنعاس، وقد تجاوزت الساعة الثالثة وخمس دقائق، بعد الظهر.. سأنزل إلى بيت أخي، بعد السادسة، لأحضر كمية من الحليب الطازج بقيمة خمسمئة ليرة، كما أفعل أسبوعياً..

إلى اللقاء يا أمي..

صباح الأربعاء، جاءتني رسالة من ابنة أختي، تُعلِمني أنهم في بيتهم في القرية، وأستطيع زيارتهم، عندما أرغب، فأجبتها برسالة، أنني سأدهب، بعد أن أستحم.. تركتُ قليلاً من الأواني في المجلى، دون تنظيف، وحملتُ مظلتي ودهبتُ، غرباً نحو بيتهم المبني في (أرض الوتت ) إلى جانب بيت أختي الثانيتين، فوق الأرضِ التي كتبتَها، باسمهن، يا أبي الغالي.. أما أنا، فقد اشترت مني البلدية، أرضي، التي كتبتَها باسمي، ومساحتها حوالي تسعمئة وخمسة وأربعين متراً، واقترَحتَ علي، والعرقُ يتصببُ من جبينكَ المُرهَق، ووجهكَ الغالي الحبيب، وينضح بعضُهُ خارِجَ قميصكَ، الدي أتمنى لو أنني احتفظتُ به، لأبقى أشم رائحتكم، يا أهلي الكرام.. وأنا الآن أرتدي (جلابية ) الغالية أمي، دات اللون الخمري، الدي كانت تعشقه، موشى ببعضِ العروق الجميلة، وبالأمس زرتُ صديقتي، وجارتي الأحَب بالنسبة إلي، وكنتِ تحبينها لأنها تحبني، وحتى حماتي، رحمها الله ورحمكم جميعاً، كانت سعيدةً في آخر أيامها، عندما صارَ في بيت كلينا، هاتف أرضي، نديره بواسطةِ يدِهِ، ونطلب عاملة المقسم، أو العامل، الدي يوصلنا بمن نريد.. فرحت حماتي الغالية، أنه صار باستطاعتنا التواصُلَ مع بعضنا، نحن الجارتين الوحيدتين اللتين تنسجمان مع بعضهما في تلك الحارة البعيدة عن القرية.. رحمكِ الله يا صديقتي وجدتي وحماتي الغالية (أم علي بَدْرَة ).. ورحم أهلي وكل الطيبين والطيبات..

(هاهي ابنة أختي الثانية، تتصل معي على الأرضي، لنفس السبب والهدف، وأن أحسب حسابي أن أبقى مدةً طويلةً عندهم، لأن (الشباب ) سيحضرون ظهراً، وسيحضرون الغداء، ونتغدى معاً.. ) رحبتُ بالفكرة، لكن، بعد أن أنهي كتابة هده الفقرة، مباشرةً على جهاز اللابتوب..

قبل قليل، اتصلتُ بعيادة صديقتي الدكتورة، لأخبرها، ضاحكةً، أنني بالفعل، كنتُ أظن أن الأمس كان الجمعة، ولدلك سألتها عندما اتصلت بي، عصراً : مادا تفعلين عندكِ..؟! فأجابت، ضاحكةً : أنتِ مادا تفعلين عندكِ..؟! أنا أنتظر المزيد من المريضات اللاتي سيأتين على المواعيد..

أجابت الممرضة، وقالت أنها في المشفى، ولمدةٍ طويلة ..

– هل هي مناوِبة..؟!

– لا.. لكن لديها عمليات..

أخبرتها بهدفي من الإتصال.. فضحكنا معاً، وهي تقول، أن هده الحالة تحدث معها أيضاً..

عند نهاد، شربتُ معها الشاي، وأكلتُ قطعتين من الكاتو، من صنعها، وأحضرتُ كميةً لابأس بها، من (المَردَكوش ) وقد زرعت لي في علبةٍ معدنيةٍ قديمة، شتلةً منه، ولم تقبل أن أحضرها معي، وهي ترافقني، بعد الغروب، من الطريق التحتاني، عودةً إلى منزلنا، لكنني رجَوتُها أن تعودَ، من قبل وصولها إلى قرب بيت محمد، إبن جيراننا، لأنني أخشى عليها من الأفاعي، لاسمحَ الله.. وقد قاربت العتمةُ من إخفاءِ معالِم الطريق.. عادت، بعد أن ضممنا بعضنا إلى صدري كل منا، مع تقبيلٍ مُتبادل…. لم أخبرها عن موتكِ يا مَحجوبة.. أتينا على دكركِ، لكنني غيرتُ الحديث، فالأحاديث التي نحتاج أن نرويها لبعضنا كثيرةٌ جداً، وتتزاحَمُ على فمِ كل منا، ونضحكُ أحياناً، لأننا لم نكمل أغلبها….

جارتي الغالية، وصديقتي، نهاد، من قرية (الدوَيْلية ) استشهدَ ابنُ أختها، قبل وفاتكِ يا أمي الغالية.. ولها ابن أخٍ أصيبَ أكثر من مرة، إصابةَ بالغة، وعادَ إلى ساحةِ الحرب، حيث يخدم مع رفاق السلاح..

حفيدكِ الغالي، ابن أخي، أصيبَ أيضاً، ومكثَ في البيت، غير قادر على القيام من مكانه، عدةَ أيام، استطاع بعدها المشي داخل البيت، لكن، بواسطةِ عكازتين، وبصعوبة، أيضاً.. وعاد إلى خدمته مع رفاق السلاح، في صحراء تدمُر.. زوجتهُ الحامل بطفلهما الأول، كانت تطعمه بيديها.. وبعد عودته إلى عمله، صارت تتنقل بين بيتها وبيت أخي، المُشترك، وبين دكانهم الصغير جداً، في القرية، وبين بيت أهلها في (سَلْحَب ) حيث تُمطِرُهم قدائفُ الحقدِ الأعمى، بين فترةٍ وأخرى، فيلتجؤون إلى أمكنةٍ أكثرَ أماناً، وغالباً يبقون في منازلهم..

سأتركُ الكتابة الآن، يا أمي، وسأحضر نفسي للدهاب إلى عند أخواتيَ الغاليات، فكثيراً ما يؤنسني تواجُدي مع العائلة، كما كانت تقولُ ابنةُ أخي الغالي بعد وفاةِ أبيها، واحتضانكم لها ولأمها وأخيها.. كانت تقولُ، بفرحٍ غامِرٍ، وهي تحضر نفسها للإنضمامِ إلى الأسرةِ الكبيرة، المتجمعة حول مائدةِ الطعام الكبيرة :

( يا ألله أنا شو بحب هالدويرة )..!! يعني أنها كانت تعبر عن سعادتها الكبيرة، باجتماع العائلة على مائدةِ الطعام.. رحمَ الله أباكِ الغالي، يا ابنةَ أخي الأغلى..

الساعة الآن، تشير إلى العاشرة وسبعٍ وأربعين دقيقة، من صباح الخميس، الرابع من شهر آب، عام 2016م

الطقسُ لطيفٌ، هدا اليوم.. غائمٌ جزئياً..

________________________

هالة….

أيتها المتمردة الطائشة..

أين أنتِ الآن، وأمكِ تئن تحتَ الركام..؟!

سأتركُ روحَها تنهضُ بالتدريج.. لأنني متأكدةٌ من صِحةِ ما قالهُ الأستاد ( إن القيامَةَ مَشروطةٌ بالرماد..)..

ها أنتِ تتملمَلينَ، يا مَحجوبة…

ها أنتِ تزيلينَ الركامَ عن روحكِ الطيبة.. وجسدُكِ الجميل، الدي طالما تغنى بهِ زوجُكِ، وغيرُ زوجك.. يرفعهُ عمالُ الإنقاد، الدين يبحثونَ عن الأشلاءِ الآدميةِ، التي خلفها دلكَ التفجيرُ الإرهابي، المُتنقلُ ما بين حي، وآخر.. مدينةِ، وأخرى… يحصدنا، طائفةً، طائفة.. ومدينةً، مدينة.. وانتماءً فرعياً، بانتماءٍ فرعي آخر… يركزُ على منطقةٍ معينة، أو طائفةٍ مُعينة، أو انتماءٍ مُعين…… لكنه، للأسفِ الشديدِ جداً… يستهدفُ الجميع.. دونَ استثناء…… يدعمهُ الجُهَلاء، والطامعون.. والتكفيريون الحاقِدون.. وأبناء، وأحفاد (أمين ) الدي لم يكن، يوماً، أميناً، سوى على مَصالحهِ الخاصة… وهدا ( الأمين ) الأحمق، مُستهدَفٌ، أيضاً.. لكن.. ربما يؤخر الغُزاةُ قتلَهُ، أو تهميشَهُ، ليستفيدوا من دَعمهِ لهم أكبرَ استفادة، في تحقيقِ أهدافهم الدنيئة…

أخبرَنا السيد الرئيسُ الرمز.. وسيدُ المقاومة الرمز، أيضاً.. بأننا سنشهَدُ خلالَ هده الأشهر، أحلَكَ ساعاتِ الظلام…. لكن :

(إن أحلَكَ ساعات الظلام، هي تلكَ التي تسبقُ طلوعَ الفجر…..)

 

 

بعدَ عودتي، مع زوجي، من (الرقة ) حيثُ شاركتُ ب ( مهرجان الشعر العربي الأول ) مع شعراء وشاعرات من سبع أقطار عربية، ولاقتْ مشاركتي استحساناً كبيراً من الحضور الدي كان يملأ صالة مُديرية الثقافة، تلقيتُ دَعوةً إلى أنطاكيا .. وهدا هو الفاكس ، المكتوب باللغة التركية والعربية :

                                    (          اتحاد الثقافة والفن آلن – انطاكية

الرقم : 2006 / 27

الموضوع : الأيام الأدبية بأنطاكية .                                              12 نيسان 2006 

                                                                                _________________

 

  السيدة فاطمة صالح : بالمُشاركةِ مع نقابة كتاب تركية وجمعية أدباء تركية – سوف تنظم في أنطاكيا أيام الثقافة والفن والأدب العالمية الرابعة، بتاريخ 28 – 29 – 30 نيسان 6…

نتشرف بمشاركتكم بالنشاطات ، ونأمل أن تلبوا دعوتنا ، مع تقديم احتراماتنا

                                                                  رئيس الهيئة الإدارية

                                                                    محمد قره سو .  )

وكانت  الطبعةُ الأولى من روايتي الأولى، قد صَدَرتْ للتو.. وكلفتني أكثر من أربعين ألف ليرة سورية، أعطاني إياها زوجي.. واصطحبتُ نسختين منها، وأهديتُها للغالية (نلغون قره سو ) وأهلها، ولعمها، صاحب الدعوة الأستاد (محمد قَرَه سو) لكنهم، لا يتقنون القراءةَ باللغةِ العربية، مع أنهم عربٌ سوريون، وأصلهم من الساحل السوري، وكنيتهم(زهرة) .. فرحوا بي كثيراً.. وفرحتُ بهم أكثر.. لكنني كنتُ قلقة، لأنها أول مرةٍ أخرجُ بها خارجَ الوطن، بمُفرَدي.. ومن الحَماقةِ، أن أفوتَ هده الفرصةَ علي.. مع أنهم قالوا لي، أثناء اتصالاتهم معي، أنهم يرحبون بي، وبزوجي، وأهلي، وصديقاتي.. وكل من يرغب برفقتي…………… ويجب أن أكتب عن هده الزيارة، لاحِقاً..

بعد عودتي من أنطاكيا، في الأول من آيار عام 2006م.. أقامَ لي أهلي حفلَ تكريم، في أحدِ المطاعِم، حَضرتِها، يا أميَ الغالية، بأناقتِكِ المُعتادة، وعِطركِ المُمَيز.. وحضرها إخوتي وأخواتي، وعائلاتهم، وعمي وزوجته، وأم عمار، وابنتها، وابنة عمتي الغالية ندة، وإخوتها، وعائلاتهم.. وأنا، وزوجي..و بعضُ المُحِبين…….

وأنا (أدينكَ ) يا أبي الغالي.. وأتهمكَ، أنكَ، كعادتكَ، تفعلُ الخيرَ، ولا تتبناه…..!!

وقد ألقى كل من ابنة أخي محمد، وابن أختي آمال، الكلمتين التاليتين :

_________________________________________________________

( للحظةٍ.. تمنيتُ لو تصبحَ اللغةُ طوعَ مشاعري.. لو تتحوّلَ الحروفُ إلى زهورٍ… أنثرها على قدميكِ.. أنتِ يامن جعلتِ الأسودَ في دنياكِ… ناصعاً كقلبكِ.. ونثرتِهِ على دروبنا.. واستطعتِ أن تعكسي قتامةَ الألوان.. بمرآةِ روحكِ.. وتملئيها حبّاً.. وحياةً..

كيفَ لكِ أن تكوني جليّةً.. نقيّةً.. نورانيّةً.. في عالمٍ اغتالتنا فيه الظلمة.. ونهشت أحلامنا؟…

تعالي.. يا ابنةَ الحزن.. نفرح اليومَ مع أهلكِ.. مَن نهبوا رقادكِ يوماً.. وأقسم أنهم ما استراحوا.. تعالي.. فالمدى الرحبُ مازال يخبّئ الهتونَ في رحمهِ… وبيدكِ وحدكِ مفاتيحُ دموعها…

نحبّك.. لا تنحني… ولا تلومينا.. يا زينب… ويا منتهى.. ويا حبيبة.. لا تلومينا… فما كنّا يوماً ضدّكِ… ولكننا اعتدنا أن نحبَّ بعنفٍ لا يعرفُ الرحمة… وأن نتعاملَ مع من نحبّ بأنانية الأطفال… لكنكِ استطعتِ… رغم كل شيء… أن تضيئي أعماقكِ.. وتبحثي عن محاركِ..

هنيئاً لنا بكِ..

دمتِ لنا.. ودمنا لكِ..

أيتها الغالية

يارا دمشق 4/5/2006)

_______________________________________________

(والتقينا..

والتقينا على شرفها..

نكرمها.. أم نكرم أنفسنا بها.. لايهم..

ما يهم أننا معاً.. وهي بيننا..

أستاذة الجمال..

لملمته من بين الصخور.. وجمعته بإرادة منقطعة النظير..

هي التي ارتشفته برفق.. كما دفقات الفجر النقي الذي يزور شباكها كل صباح..

كما قطرات الندى التي كثيراً ما استسلمت للشمس في أحواض ورودها..

علمتنا..

نحن أبناءها رغم أنف الطبيعة..

أن نبحث عن الجمال في كل مكان..

وزرعت فينا هواجس عديدة..

الحرية.. التجديد.. تقبل الآخر.. احترام الإنسان مهما اختلف انتماؤه أو فكره..

وكثيراً ما مسحت خوفنا.. وتقبلت انكساراتنا.. فكانت الملجأ الأخضر لنا..

كما نحن.. دون أي ابتذال أو ادعاء لأي قوة أو تميز..

وصيّتها الدائمة لنا.. أن نثق بأنفسنا، ونبحث في مزارع أرواحنا عن تلك المساحات التي لم يلوثها الزمان.. لنزرعها.. ونحصد منها..

ويدها الحنونة.. التي كثيراً ما سرحت شعورنا ونحن نصارع النوم في حضنها الخصب.. وأمسكت أيدينا الصغيرة في مشاوير المساء.. كانت تغزل الدفء.. وتعلقه زينة وردية على جدران منزلها.. لتسكن أرواحنا.. وتتجول أحلامنا بحرية فيه..

اجتمعنا اليوم حولها.. فرحين بها.. بإنجازها..

ونتساءل معاً.. أي خيال ذاك الذي رافقها إلى منابع الغيم..؟

هي التي اختصر وجهها الخبير وطناً صغيراً.. وسنابل حنطة.. تراقصت فوق صدرها.. وجيوشاً من الخيول التي أدمنت الحج إلى العدالة الغافية خلف شفقها الجبلي..

كيف جعلت حنانها دميةً شقراء.. رافقت طفولتنا.. وأغانٍ رددناها حول منزلها العالي..؟

اجتمعنا.. لنحيي الإنسان المبدع الساكنَ روحها.. الذي كثيراً ما همس في أصدائنا فتأثرنا به.. لنخبرها أن ما حققته وسام نتقلده بفخر بفخر.. ونعتز به..

وأقول لها:

روايتك.. بدأت من تراب قريتنا الحزين.. وانتهت عند آخر ترتيلة من الصلاة لغيومها القادمة..

ككل مبدع.. يثيره الحزن.. ويلوح للأمل..

وهي جمالية جديدة.. تضاف للسنديان البري.. والقمح والتفاح في ثنايا جبالنا الطاهرة..

ليس غريباً..

فكثيراً ما عجزت عن تجريد أثرك فيّ من أثر تلك الجبال العذارى التي تعانق امتداد نظركِ..

عن تجريده من صوت فيروز في صباحاتي..

كنت دائماً في بالي خضراء.. خصبة.. عاصفة بالحنين..

كنت نسمة جبلية.. تبارك جبيني وتقبله..

فعلى أمل لقاءات قادمة.. تتوج إنجازات جديدة..

نتمنى أن تبقي بيننا كما أنت..

محجة للثقافة.. للإنسانية.. للإبداع بكل أشكاله..

نتمنى دوام الصحة والعافية لك.. ولزوجك الغالي..

لتبقيا معاً ركناً ثابتاً نحبه في محيطنا..

ولي شخصياً.. أهلاً وأصدقاء..

وسيلاً من النور أعتز به.. رافقني ولونني منذ الطفولة..

دمتم لنا.. كما حبكم لنا..

متجدداً لايموت..

فادي)

________________________

 

وخلال الحفل، رجوتُ أخي الغالي، الدي كان أولَ مَن ألقى كلمةً مُرتجلةً، بكى خلالَها، وهو يوجهُ الكلامَ لي…

( كيف لي أن أكافأكم، يا أغلى الغاليين…!! )

رجوتُهُ أن يهاتفَ الأستاد، ويشكرهُ على رعايتهِ لموهبتي.. وليُسعِدَهُ بخبرِ الإحتفال..

أخبَرَتني الأم الغالية (سُهيلة ) أن زوجها قالَ لها، بتأثرٍ بالغ :

-والله، يا أم ريم.. هده أكبر فرحةٍ في حياتي….. عائلة تحتفلُ بكِتاب…!!!

الحمد لله…

 

تزوّجَته عن حبّ .. رغم معارضة أهلها .. والكثير من أقاربها ومعارفها .. لكن ..

بعد عشر سنوات زواج ..لأنها لم تنجب.. ولم يزورا طبيبا ً.. إلا /الشيخ شعبان/ الذي أفتى له أنه : حرام أن يبقى رجل شريف مثله بدون ذرية.. وأن زوجته مقطوع الأمل منها من هذه الناحية.. فقررت هي المسكينة.. أن تزوجه.. كي تريح ضميرها.. لكنها مرضت بعد ذلك اليوم .. حين رأته يحضن ضرّتها عل مرأى ومسمع منها.. ويدخلها غرفتهما المشتركة.. التي جهّزتها لهما بنفسها.. وكادت ساقها تنكسر.. لكثرة ما كانت مستعجلة في تنظيفها قبل أن تذهب معه لإحضار العروس ..

وعندما أغلِق َ الباب دونها..عصرت قلبها.. ودخلت / لتنام/.. مدّعية ً أن الأمر أكثر من عادي ..

وعندما استيقظا.. كانت مضرب مثل في القرية كلها.. في أنها أحسن امرأة في العالم ..لأنها اقتنعت بقدَرها.. ولم يقبل ضميرها أن تحمّل زوجها واقعا ً لاذنب له فيه..

وضعت الفطور على طاولة المطبخ .. بعد أن ابتسمت للعريسين.. وباركت لهما.. وشجعت العروس الخجولة.. فسبقتها إلى الطعام .. بعد أن وضعت حبة زيتون مغمّسة بالزيت في فمها.. كي تكسر حاجز الحياء الذي لا مبرر له..

لكنها – ربما من كثرة ما دبكت في العرس – سقطت عصر ذلك اليوم..

وقرر الطبيب أنه الفالج ..

وكانت نتيجة تحليل سكر د مها في المتشفى قد تجاوزت السبعمائة.. والكوليستيرول أيضا ً.. والشحوم الثلاثية..

– ربما لأنها سمينة.. –

– ألله يسامحك يا مسعودة .. قلت لك مئة مرة .. لا تأكلي الحلويات بهذه الشراهة.. لم تسمعي مني ..

هكذا كان زوجها يقول لها وهو ساهرٌ على راحتها.. مع زوجته الثانية/ رفيقتها /يأكلان الفستق .. ويشربان المتة .. أمامها .. وهي تموت ..

وأحيانا ًكانا يتعشيان أمامها .. وربما كان معهما بعض الزوار من الجيران والأقارب.. ويتمتمان بحنان :

– مسكينة .. لا تستطيع تناول لقمة .. مهما حاولنا . .

ألله يهوّن عليها ..

بينما هي صامتة.. تغلق فمها أكثر، عندما يقرّبون اللقمة منه ..

لكنها – مرة ً- أشارت إلى أختها – بيدها السليمة- أن : اخرجوا.. لا أريد أن يسهر عليّ أحد..

كان صوتها شبه المكتوم، يخرج قيحا ً، ودما ً نتِنا ً.. عندما كانت تحاول اختصار مشاعرها..

لكن الزوجين الحنونين .. لم يتركا غرفتها .. لا ليلا ً.. ولا نهارا ً..

إلى أن فاضت روحُها المسكينة ..

عندها قالا للمعزين :

– علينا أن نزغرد..لا أن نحزن .. فقد ارتاحت .. رحمها الله .. وستدخل الجنة بصبرها..

وكان المعزون يرددون :

– رحمها الله .. رحمها الله .. ارتاحتْ .. وريّحتْ ..

 

 ( – والله بدي سَود عيشتِك، والله… )

(لمادا، يا مُعتز..؟!! لمادا..؟! لمادا..؟! مادا فعلتُ لك..؟؟!! )

ويسودها، ياهالة..

كان يحنقُ، لأمور تافهة، أعرفُ بعضَها، ولا أعرفُ أغلبَها…

يشتمني، ويهينني، ويسخر مني… وأنا أرتجف وأبكي، وأشهق… ولا أحد يدري بي، يا ابنتي..

ينامُ في غرفةٍ أخرى..

وأحياناً، كنتُ أحاولُ مُراضاتِه، لأخفف من التوتر الدي لايُحتمَل، في دلك المنزل الدي أكرهُه.. فأدهب إلى غرفته، وأنام قربه.. فيزجرني، ويطردني، كأنني عاهرة… وأكثر من مرة، دفعَني بقدميه.. فأصرخُ، من قهري ودلي وهِواني.. دون أن أعرف كيف أرضيه، أو أخفف من انفعاله.. ولا جارَ أشكو له.. ولا أهل.. ولا أحد يعرف بما يجري في منزله.. وصحتي النفسية والجسدية، تتدهوَر، باستمرار..

لأكثر من عشر سنوات، وهو يحضر طعامَهُ بنفسِه.. وإن غسلتُ الخضارَ، مثلاً.. أو ساعدتهُ في تحضيره، يأبى أن يدوقه.. وكنتُ، عندما تتقبل معدتي، آكلُ من طعامه.. لكنه يأبى أن يدوق ما أطبخ…. وعند قدوم الشهر الفضيل، أغتنم الفرصة، لأستعطفه.. فأضعُ الطعامَ الدي حضرهُ، والطعام الدي حَضرتُهُ أنا، على نفس المِنضدة، في الصالون.. وأحاولُ إضفاءَ جَوٍ من العفوية.. لكنه، يدخل الصالون، ويأخد طعامَهُ إلى مكانٍ آخر، ويفطر بمفرده..

يصلي، ويصوم، ويقرأ القرآن الكريم..

وأنا حائرة..

ومرةً، كان يغلي ( فروجاً ) في طنجرةٍ، على الغاز.. وكان في بدايةِ استغنائهِ عن طبخي… يشتمني، ويهزؤني، ويركضُ خلفي، حاملاً الملعقة الكبيرة، التي يحركُ بها طعامَه… هربتُ منه، صارخةً : ( ولكْ، يا معتز، كيف فيك تعمل فيني هيك..؟؟؟؟ كيـــــــــــــــف…؟؟ كيف إلكْ قلب تعمل فيني هيــــــــــــــــك….؟؟؟؟!!! )

( – ولك، هدا أقل ما تستحقيه، يا…………… !! )

هربتُ منهُ إلى الجهةِ الأخرى من المطبخ، غافلتُهُ، وبسرعةِ البرق، أضفتُ المِلحَ إلى طبخته، لأنه كان قد نسي أن يضيفه… وعندما رآني، أسرعَ خلفي، فصرختُ :

( – كنتُ أضعُ الملحَ، لأنكَ نسيتَه… )

وخرجتُ إلى الشرفة، وجلستُ أرتجفُ، وأخافُ أن يلحقني.. فأختفي خلف جدران المنزل، إن سمعتُ حركة…

سمعتُ صوتَ إغلاقِ البابِ الخارجي، بقوة..

شعرتُ ببعضِ الراحة… لكن………………. وبعد أن اختفى في الطريقِ البعيد، شعرتُ بالرعب….. فليسَ لدي مِفتاحٌ لباب المنزل….!!

أتعلمين، يا ابنتي، مادا كان يُرعِبُني أكثر…؟؟!!

أنني غير قادرة على الدخول إلى المنزل، لأتناوَلَ كميةً من المُهدئ العصبي، وأدخلَ الحمام، لأفرغَ مافي أمعائي ومثانتي، الحاجة التي تلح علي كثيراً، في مثل هده الحالات…

للحديثِ بقيةٌ، أيتها الطائشة….

مَحجوبة

نهاية القسم الأول من رواية (صَوتٌ، وأصداء )

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات