في انتظار العيد السوري..

الدكتور سنان علي ديب
عشر سنوات وتمر الأعياد على سوريتنا كطقس وعادة متوارثة لشعب صبر وصمد و قهر الكثير من المظلوميات والتآمرات و أثبت عمقه وتجذره وانتماءه.. مرت السنوات و المناسبات بظروف معقدة و سلوكيات مختلفة تبعاً لتغيرات بنيوية ساهمت في تعقيد المشاكل و الصعوبة في مواجهتها,لقد كان بلداً يتباهى بمؤشراته الاقتصادية التي تتمايز على مستوى المنطقة, و كيف لا؟ ميزان تجاري رابح عبر أمن غذائي كامل و صناعة تحويلية و غذائية وهندسية متميزة, بنية تحتية قوية في بلد عمت الكهرباء كل جغرافيته وغطت مياه الشرب مناطقه وعمت خدمة الصرف الصحي مجمله و انتشرت المدارس والجامعات في كل مساحته, وخدماته الصحية تمايزت لتكمل طبيعته وتاريخيته الدينية كمنطقة لانتشار الديانات الروحية و انتشار روائع أثرية تدل على عمقه الحضاري , كلها تزاوجت لتشكل منتجاً سياحياً تفوق بتكامله بالرغم من الحروب على بلدنا ولتجتمع كل هذه التمايزات و تتحد مع سياسات اقتصادية اجتماعية لتشكل طبقة وسطى قوية شاملة صلبة, يعجز تهشيمها إلا عبر أسلحة غير تقليدية وكيف لا وقد تجاوزت حدود الـ ٩٠ في المئة, وكلنا يعلم أن الطبقة الوسطى , ببعديها الأخلاقي والمالي عماد النمو والتنمية والتماسك الاجتماعي و جسر التطور والارتقاء بكل أبعاده ولتكون هذه الطبقة قلعة للصمود وللتصدي لكل المؤامرات و المزاودات, متحصنة بمنظمات و أحزاب ومجتمع أهلي متناغم و بطقوس و عادات داعمة و مقوية و لتشكل لوحة جميلة مهما اختلفت أذواق المتلقي المقيم لا يستطيع أن يتناسى جماليتها و ليكون الهدف الأهم للمشروع الامبريالي العالمي تهشيم وتفكيك تماسكات كهذه لفرض أجندات مارقة تحافظ على المعادلة العالمية المتمثلة بثنائية التزعم القيادي العالمي بعد الحرب الباردة وانحسار نموذج الثنائية من جهة و الإعلان العلني لوفاة أي نهج يضم بروحانيته مواجهة النموذجي الليبرالي بقديمه المدعي بحرية اقتصادية عبر حرية السوق, دعه يعمل, دعه يمر, و السوق تنظم نفسها, وبتنظيرات لإنسانية منافقة و لديمقراطية كاذبة و بفرض نموذج يصطفي أشخاصاً تتجاوز الانتماءات المحلية والوطنية لتتماهى مع هذه المشاريع و تكون نواة لضرب الدور المؤسساتي والذي يشكل جداراً لمواجهة هذا المشروع و لن نتكلم عن تخسير القطاع العام و تقويض الصناعات و زيادة الضرائب وتسليع كل شيء حتى حياة الإنسان عبر رفض دور الحكومات بالتوزيع العادل و حماية المواطنين عبر الخدمات الاجتماعية المجانية من تعليم وصحة و دعم مواد أساسية و كلنا يعلم انه بطريقة كهذه يبنى الإنسان المتجذر المنتمي المشبع والمحقق لحقوقه ووجوده وهو أكبر عدو لقوى عالمية لا تقبل دولنا إلا أسواق استهلاك وأرضاً لنهب الثروات وكلنا وجد الوقاحة العلنية لممارسات تسبق العصور الجاهلية للتوحش بسرقات علنية وأساليب همجية تخالف كل الشرائع والقوانين الدولية نابعة عن دول تدعي الحضارة والإنسانية و لتنتج هذه السلوكيات فوضى عالمية كبيرة زادت من الفقر و هشمت الطبقات الوسطى و نشرت الفوضى بالمجتمعات و أفرزت مالكي أموال أغلبهم لم يمروا بتطور تاريخي بنيوي وبالتالي هم أبعد ما يكونون عن الانضباط و السلوك القيمي والاخلاقي والوطني, ولتخسر البلدان أهم طريق للسير قدماً نحو النمو والرفاه والتقدم و ليعم الضياع والفوضى بديلاً عن الاستقرار و لتكون الأعياد طقوساً متوارثة لاستمراريات مكتسبة عوضاً عن مناسبات منتظرة لتعبر عن عمق إنساني منتشٍ بتحقيق رغباته وإشباع متطلباته الإنسانية, فأي أعياد في أجواء أذلت العباد, وأي أعياد في مجتمعات عم فيها الفقر والعوز و تشردت العباد, و أي أعياد لأناس فقدوا كل شيء وأصبحوا عبئاً على البلدان والعباد بأيادٍ سوداء و أفكار سوداء و غيوم سوداء؟.
في انتظار العيد من جديد عبر الخلاص والانتصار على كل هؤلاء عابدي الأموال, أدوات ما بعد العولمة ولن يكون خلاصاً بلا مناص إلا عبر برنامج يعيد الصلابة لطبقة وسطى مسيطرة ويعيد الدور للمؤسسات و يجعل القانون فوق العباد.
في ظل انتظار العيد قد تكون الغيوم السوداء ديكوراً هوليوودياً وخلفها أمطار خيرة تعيد الزرع و تعيد الأعياد كسلوك عميق إنساني معبر وليس كطقوس عابرة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات