تخطى إلى المحتوى

طفولتي القروية: طفولة شقيّة لكنها سعيدة وهنية (عُبرّ ودروّس للجيل الحالي وللأجيال القادمة)

بقلم الدكتور جوليان بدور

لست روائيًا يبحث عن شغف الحكاية، ولا كاتباً يتلاعب بالكلمات ليكتب قصة خيالية شيقة وجذابة ولا شاعرًا ينسج قصائده من محض الخيال. أنا باحث أكاديمي مغترب أقضي وقت طويل، بسبب ما تسببته غربة ٤٤ سنة من اضعاف في لغتي العربية ومفرداتها وقواعدها، في البحث عن الكلمات المعبرة والبسيطة لأصف وأوثق ذكريات طفولتي في قريتي الصغيرة .
نعم أبحث عن الكلمات البسيطة والناعمة (كحياة أهل القرية )، والصافية والنقية (كمناخها)، والمعبرة والمؤثرة (كأشغال القرويين )، والطيبة والنبيلة (كقلوبهم) لكي لا أخطئ في وصف ذكريات ما زالت تعيش حتى اليوم بداخلي ومخيلتي ببراءتها ودفئها وصفاءها كما عهدتها في طفولتي.
شاءت الأقدار أنني ولدت في عائلة ريفية تعمل بالزراعة، بين يدي أمً حنونة رؤوفة يغمر الحب والعطاء قلبها وأب لطوف وغيور لا يتوانى عن بذل أي جهد من أجل إسعاد أبنائه. أمي وأبي كانوا يسكنان في قرية نائية مسورة بالجبال والسفوح والهضاب ، ترقد في أحضان الضباب مساءً وتستيقظ على أشعة الشمس الذهبيّة الاتية من ما وراء الجبال. قرية جميلة وساحرة ليس فقط بموقعها على حافة وادٍ لا قاع له ، بل أيضاً لكونها محاطة ومغطاة بأشجار معمرة من السنديان والغار والحور التي تلامس السماء ومغموسة بمناخ صافٍ وباردٍ وجاف ينعش القلب والفؤاد.

تزوج والديّ عام ١٩٤٨، في زمن كان فيه الحبّ وعداً يكتب على الصخور لا على الورق. أنجبا أحد عشر طفلًا، دون أن يشغلهما الخوف من ضيق الوقت وقلة الإمكانات المادية. كانوا يؤمنان بأن الخير يأتي من الأرض والبركة تُولد حين تزرع الأرض بالحب قبل القمح والتبغ والبقوليات .
قساوة الحياة وقلة الموارد لم يمنعان والديّ من إرسالنا إلى مدارس القرية والمدينة. الجميع درس وتعّلم وحصل البعض مِنا على شهادات دراسيّة عليا. شهادات مغمسة برائحة ورد وزعتر وبنفسج القرية ومجبولة بجهد وعرق وعطاء أبي وأمي الذين قضوا حياتهم في خدمة ابناهم وتعليمهم وسعادتهم.

في مثل هذه الظروف التحديات التي كان من الواجب على والديّ مواجهتها كانت متنوعة وقاسية. البعض منها ناجم عن عزلة القرية وانزوائها وغياب الخدمات الأساسية فيها (لا طريق معبّد، لا سيارة لا مياه منزلية لا كهرباء ولا مؤسسات اجتماعية وتعليمية …). والبعض الآخر مرتبط بطبيعة هضاب وسفوح القرية الحادة الانحدار وبالأراضي الجبلية الوعرة والمليئة بالأحجار والشوك والديس والأحراش. وآخر التحديات كان اضطرار الفلاحين لزراعة محاصيل نباتية متعبة وقليلة المردود كزراعة التبغ والحبوب.
١- زراعة الحنطة والشعير والشوفان
منذ البداية يجب الاشارة إلى إنه كان على الفلاحين القيام، خلال شهر ايلول بما يسمى بفلاحة عيار الأراضي وقطع الحرش وفروع الديس والأشواق والأعشاب الضارة وحرقها قبل البدء بزراعة الحنطة. من بعدها تبدأ زراعة الحبوب في شهر تشرين الثاني . المهمة كانت صعبة وتتطلب مشاركة جميع أفراد الأسرة .
فبينما كان والدي يستيقظ باكرًا منذ الفجر لإطعام الثورين وتحضير شوال من بزار الحنطة ووضعه على ظهر الدابة (الجحشة بعيد عنكم) واقتيادهم إلى الحقل مع طلوع الفجر ، كانت والدتي تقوم بحلب البقرة وإعداد الفطور وإيقاظ الأطفال الصغار وإرسالهم إلى المدرسة. من بعدها كانت تقوم بإعداد الفطور وإبريق الشاي وحملهم مشياً على الأقدام (قد يستغرق الوقت ساعة وأكثر) إلى الحقل الذي كانوا يعملون به.
بعد تناول الفطور، الجميع كان ينهض للعمل. والدي يبدأ بنثر بزور الحنطة أو الشعير وحراثة الأرض بالمحراث اليدوي (أي الصمد المصنوع من الخشب المربوط بالنيرْ المُثبت على أكتاف الثورين). والدتي وأخواتي الكبار كانوا يركشون وراءه أجزاء الأرض التي لم يطالها المحراث ويقتلعون الأعشاب الضارة. يستمر العمل هكذا دون توقف حتى الظهيرة. لكن قبل حلول الظهيرة كانت والدتي تعود إلى البيت للقيام بمهمتين أساسيتين: الأولى هي القيام بعجن الطحين، وتركه يتخمر حتى يكون جاهزاً للخبز عند عودتهم في المساء، والثانية تحضير طعام وجبة الظهيرة (الغدى). أتذكر بأننا كنّ نأكل نفس الوجبة (مجدرة عدس أو متبل أي برغل مع لبن) طيلة أشهر الصيفية.
الطريق من البيت إلى الحقل كانت في أغلب الأحيان طويلة وقاسية بسبب الطلعات والنزلات التي كانت تتخللها. بعد الغدا التي كانت تتم أغلب الأحيان في ظل شجرة السنديان أو الغار أو البلوط، كان والدي، المستيقظ باكرًا، يمنح لنفسه قسطًا قصيرًا من الراحة. لكن الوقت كان من ذهب لأنه كان عليه زراعة خمسين دونماً من الأراضي الوعرة وأكثر. والسؤال ما هي الطريقة التي كان يتبعها لاختصار وقت الاستراحة؟
القصة حقيقة وأثارت إعجابي ودهشتي. قبل أن يتكئ على كتفه كان والدي، المدخن العتيد، يلف سيكارة دخان عربي ويشعلها ويضعها بين أصبعه. بهذه الطريقة وقت الاستراحة لم يكن يتجاوز خمسة دقائق (الوقت الذي يستغرق وصول نار السيكارة إلى أصبعه). بعدها الجميع كان ينهض للعمل الذي كان يستمر حتى المساء. لكن قبل غروب الشمس، كانت والدتي المرحومة وأحدى أخواتي يعدن إلى البيت من أجل إعداد الطعام والقيام بالخبز على التنور.

مُرْهقين وتعبانين وجائعين، عند عودتنا للبيت مساءاً ،وقبل أن نُغيّر ثياب العمل، كنا نهرّع مسرعين إلى التنور ونأخذ كماْجة أو رغيفا ساخنا مقرمش من الخبز الأسمر ذو الطعم اللذيذ والمفيد للصحة (الخبز الأبيض لم يكن دارجاً بعد) ونلف سندويشه من زيت الزيتون والملح والبصل الأخضر.صدقوني ياجماعة كانت السندويشة ذات طعم ولذة لا يوصفان في الحقيقة. بعد تناول العشاء كان أبي وأمي وإخوتي الكبار يخلدون إلى النوم مبكرًا بسبب التعب والإرهاق. أما نحن أطفال المدرسة كُنّا نقوم بعمل وظائفنا على ضوء القنديل والسراج.
٢- موسم الحصاد.
موسم الحصاد كان يبدأ في شهر حزيران، شهر الحر وطول النهار. لكن في زمن لا يوجد فيه لا كهرباء ولا ساعة ولا مُنبّه ولا موبايل، كان صياح الديك هو المنبه الوحيد الذي يوقظ الفلاحين. لكن ما هي الطريقة التي كانت تسمح لوالدي بمعرفة الساعة تقريباً؟ مقابل بيتنا كان هناك جبل يدعى ريف خزام يظهر من ورائه النجوم والقمر والشمس. بعد الاستيقاظ كان أبي أو أمي يخرجان من البيت وينظران إلى نجمة الصبح. فإذا كانت النجمة قريبة من قمة الجبل، هذا يعني بأن الوقت ما زال مبكرًا (اي كانت الساعة تنتين أو ثلاثة صباحاً). أما إذا كانت النجمة بعيدة عن قمة الجبل هذا يعني بأن طلوع الفجر قد أقترب وقد حان موعد الاستيقاظ.
بعد لف وتدخين سيكارة من الدخان العربي (البصمة) وشرب فنجان من الشاي كان أبي يذهب إلى الحقل باكرًا مع منجل الحصاد وكوز من الماء. من ناحيتها كانت والدتي، بعد حلب البقرة وإيقاظ الأطفال، تلحق بوالدي بالحقل حاملة معها الفطور وإبريق الشاي. أما أنا ذو العمر ستة أو سبع سنوات ، فقد أوكلوا لي مهمة رعاية البقرات . اذ كانت والدتي تناديني يا وحيد يا قلبي طلعت الشمس يا أبني قوم خود البقرات . هلق بيكونوا ماتو من الجوع.
يجب التنويه أيضاً إلى أن حصاد الزرع هو من أصعب الأعمال وأقساها ليس فقط لأنه كان يتم في وضح النهار وعز الحر وبدون ألبسة خاصة أو كفوف واقية، بل لكونه يتطلب من الحاصود أن يحني ظهره طوال وقت العمل ويمسك المنجل باليد اليمنى وشميل من الزرع باليد اليسرى. ومن ثم يتم قطع الزرع بالمنجل بالقرب من جذوره (ما يعني زيادة انحناء الظهر) لا من وسطه لأننا كنا بحاجة إلى أكبر كمية من التبن لإطعام الماشية.
بسبب قساوة الحصاد كنا نشاهد أغلب الفلاحين يطلبون المساعدة من الأبناء والأخوة والأقارب في حصاد الزرع والشعير والشوفان. لكن كون أبي يتيماً ووحيد أهله، وأخواتي الكبار كلهم بنات وأنا صغير السن، كان أبي يقوم بحصاد كامل الموسم الذي يٌقدر ما بين ١٠ و ١٢ طن من الحنطة والشعير. منظر قيام والدي بهذا الكم الهائل من العمل الشاق وبمفرده كان يؤلمني حقًا ويثير بنفسي الكثير من الشفقة والحنية عليه.
لكن قساوة العمل لم يكن يقتصر على والدي، والدتي المرحومة لم تكن بأفضل حال. مثل والدي، والدتي الحنونة كانت تستيقظ باكرًا لإنجاز كل أعمال المنزل قبل اللحاق بالحقل. فبينما كان والدي يقوم بحصاد الزرع ، كانت والدتي وإخوتي يقومون بقوقلة الزرع (أي جمع شميلا الحنطة وربطهم بحزمة كبيرة) . كالحصاد قوقلة الزرع كان عمل مضني وشاق لأنه كان يتطلب انحناء الظهر أيضًا طوال الوقت وجمع شميلات الحنطة المنتشرة على الأرض وربطها في وضح النهار وتحت أشعة الشمس الحارقة ودون استخدام أي ألبسة خاصة أو كفوف تقي الجسم من الحر الشديد والأيادي من وخز الشوق.
بعدها كنا نجمع “القوقلات” في وسط الأرض ونحضر الداَبة المجهزة “بسريجة ” ونُحْمّلها ما بين ٥ إلى سبعة قوقلات حسب وعورة الطريق. من ثم نقوم بنقلها إلى البيدر الموجود بقرب القرية. خلال العطلة الصيفية ، وبالرغم من صغر سني (٧-٨ سنوات )، كنت أقوم باقتياد الجحشة (بعيد عنكم) المحملة من الحقل إلى البيدر. الطريق كان طويل ووعر ومليء بالطلعات والنزلات والمطبات، والمسافة ذهابا وإيابا كانت تأخذ مني حوالي الساعة أو أكثر. كاهلي وأخوتي ، العمل كان يستمر من طلوع الشمس حتى غروبها.
٣- طفولتي القروية : طفولة سعيدة وهنية
في حين أن الكثير من الكتاب والروائيين والشعراء في بلدنا يعتبرون أن طفولة أبناء القرى والفلاحين كانت قاسية وكئيبة لأن سكان القرى كانوا يشغلون أطفالهم معهم بالحقل ولم يمنحوهم أي وقت للعب والتسلية والترفيه كما يحدث مع أطفال المدن. فيما يخص هذا الموضوع نحن في خلاف تام مع آراء هؤلاء الكتّاب . فيما يلي سأذكر الأسباب التي دفعتني للقول لماذا طفولة القرويين كانت سعيدة وقائمة على المودة والاحترام؟

* لأننا كُنا نشارك أهلنا وبمحض إرادتنا أعمالهم بالأرض وحياتهم اليومية طوعيًا وفي مناخ مليء بالمحبة والمودة والتفاهم والاحترام
* لأن عملنا كان يتم خارج البيت في وسط طبيعة وبيئة ساحرتا الجمال وهواء يشفي العليل وطعام بيئي صحي ولذيذ.
* ولأننا كُنا مُغرمين بمنظر سنابل حقول القمح التي كانت تفوح حباً وعطاءً وتتمايل مع نسمات الهواء المنعش يمينًا وشمالًا وكأنها ترقص فرحًا وزهوًا ومحبةً
* ولأننا كٌنا مبهورين بمشاهدة عصافير “الدنيرورة والقتالة والقنبر” وطيور الحجل، التي كانت تقصدنا وترفرف فوقنا ومن حولنا وهي تغني وتزغرد فرحاً لأنها كانت تجد ما يكفيها من الطعام لها ولأطفالها
* ولأننا كنا نراقب بإعجاب استنفار مملكة النمل لجميع أفرادها والعمل الشاق ليلًا نهارًا لنقل ما يمكن من الحبوب ومن مسافات طويلة لتأمين مونة الشتاء.
* ولأننا كُنا نقضي كل أوقاتنا خارج البيت في الحقول أو على الطرقات الترابية أو في ظل أشجار الغار والسنديان والحور والصنوبر حيث كنا نقتات الطعام ونشرب الشاي المعطرة بطعم الزوفا والبنفسج
* ولأنه لم يكن هناك سيارات أو شاحنات أو سرافيس أو موبايلات تعكر هدوءنا وتلوث هواءنا
* ولأننا لم نكن نعاني من انقطاع الكهرباء أو المياه ولا من مشكلة شحن الموبايلات وقضاء الكثير من الوقت على مشاهدة الصور والفيديوهات الملوثة لأفكارنا ومخيلتنا المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي حالياً
* ولأننا كٌنا مع أمهات وآباء نذروا وكرسوا حياتهم وكامل طاقاتهم وأوقاتهم على تربية وتعليم وإسعاد أبنائهم وتخلوا عن كل ما يسمى حُب الذات والاستئثار والأنانية والشهوات والمصلحة الفردية
* ولأننا كُنا نجني في فصل الصيف الحبوب والمأكولات التي تقينّا ، نحن وحيواناتنا الأليفة، من شر الجوع والفقر في الشتاء الطويل والقارس.
نعم كُنا نعمل مع آبائنا بالأرض، ملابسنا ممزقة ومهرمشة ويغطيها الغبار، أكلنا بسيط جداً وبيئي، شعرَنا طويل ومْجعدْ وخدودنا محمرة من الجري وراء البقرات ونقل المواسم. لكن الفرح والبهجة والسعادة كانت تغمر قلوبنا وحياتنا لأننا كُنا نقضي أوقاتنا بالعمل ورعي بقارتُنا في مروج تفوح بالحب والعطاء، ونلعب ونلهو مع عصافير وفراشات زاهية اللون كانت تقصدنا من بعيد لتتقاسم معنا موسم الفرح والخير، ونلعب على الأرض باالتسيعة في ظل أشجار كانت أغصانها تتمايل وترقص مع نسمات الصيف العليلة.
هكذا كانت طفولتنا وهكذا كانت حياتنا القروية القائمة على المشاركة والأحترام والعمل والمحبة في وسط من الجمال الطبيعيّ والبيئي قلّ نظائره. فهل هناك في هذا الكون أجمل من هذه الطفولة ونمط الحياة وهل هناك أطيب وألذ من هذه الشقاوة والسعادة والهناء؟

*باحث وأكاديمي فرنسي من أصل سوري- جامعة ريونيون الفرنسية

هامش 1: بما أن هذا المقال هو مقال توثيقي وتاريخي، لا يمكنني اختصاره اكثر من ذالك
هامش ٢ : هذه النسخة مغايرة جذرياً للنسخة الأولى من هذا المقال التي نشرت في صحيفة الثورة في ٤ تموز ٢٠٢٣

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك