
عبد الحميد غانم
في مشهد يعكس حالة الارتباك التي تعيشها السوق العقارية، تغرق الأسعار في متاهات التسعير العشوائي والتخمينات الشخصية، وتُبنى الوقائع على الظنون والخيالات بعيداً عن أي أسس علمية أو قواعد اقتصادية راسخة.
فما بين مدينة وأخرى، وحي وآخر في المنطقة نفسها، بل بين شقة وأخرى في البناء ذاته، تتفاوت الأسعار بشكل صارخ، محكومة بمبدأ “العقد شريعة المتعاقدين” وتقديرات غير موحدة تفتقر إلى أي آلية ضبط.
ضمن هذه التعقيدات، تشهد أسعار المنازل السكنية قفزات سعرية متلاحقة تتجاوز بكثير ما يمكن تفسيره بمعدلات التضخم المعتادة.
هذا الارتفاع الحاد، الذي يتركز في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص، يعكس واقعاً اقتصادياً منهكاً ونسيجاً اجتماعياً معقداً، نتاج سنوات طويلة من الفساد وسوء الإدارة وفقدان الاستقرار. وخلف كل ذلك، تتجسد معاناة المواطن الباحث عن مأوى، حيث تتشابك العوامل الاقتصادية الكلية مع التفاصيل القانونية الدقيقة التي تحدد مصير حلم التملك.
جولة على الأسعار
في جولة ميدانية أجرتها صحيفة “الثورة السورية” في دمشق وريفها وعدد من المدن، ظهر تفاوت واضح في الأسعار يعكس حجم الفجوة بين منطقة وأخرى. ففي حي مساكن برزة شمال شرقي العاصمة، كشف غسان مراد، من أحد المكاتب العقارية، أن سعر منزل بمساحة 107 أمتار مربعة (طابو أخضر – 2400 سهم) يتراوح بين 120 و140 ألف دولار.
وقال مراد لصحيفة “الثورة السورية” إن دمشق تُعد مركز الثقل الاقتصادي والسياسي، ومن الطبيعي أن تنعكس هذه المكانة على أسعار العقارات فيها، حيث تشهد ارتفاعاً ملحوظاً ومستمراً في سعر المتر المربع. وأوضح أنه في الأحياء الراقية مثل المزة وكفر سوسة وأبو رمانة يبدأ سعر المتر من 2000 دولار وقد يصل إلى 4000 دولار في بعض الأبنية الحديثة.
وفي تنظيم كفرسوسة، عرضت شقة للبيع مسحتها 230 متراً مربعاً، بمبلغ 850 ألف دولار، بينما تراوحت ما بين مليون ونحو ثلاثة ملايين دولار في منطقة المالكي.
وفي حي المزة 86 غير المنظم شمال غربي العاصمة، أشار فادي هلال، إلى أن سعر المتر المربع للشقة المكسية يتراوح بين 10,000 و30,000 ليرة جديدة (1–3 ملايين ليرة قديمة). وأضاف أن مبلغ 600,000 ليرة (60 مليون ليرة قديمة) قد لا يؤمّن سوى مسكن متواضع (غرفة وصالون) في موقع غير مرغوب به، كطابق خامس أو سادس أو شقة أرضية محرومة من الشمس، في حين أن شقة بمساحة 100 متر مربع في موقع مقبول تحتاج إلى نحو 3,000,000 ليرة (300 مليون ليرة قديمة).
أما في وسط دمشق، وتحديداً في منطقة الفحامة – حي الأنصاري، فأوضح الخبير العقاري المحلف أحمد الحمصي أن أسعار الأقبية في هذا الحي والأحياء المجاورة، مثل المنصور وشارع خالد بن الوليد والبختيار وبستان الحجر، حيث يغلب البناء الحجري القديم المؤلف من ثلاثة طوابق وقبو، تتراوح بين 5,000,000 و7,500,000 ليرة (500–750 مليون ليرة قديمة). أما الطوابق السكنية فتتراوح أسعارها بين 90 و110 آلاف دولار، تبعاً للمساحة والإكساء وعلو الطابق واتجاهاته.
وأشار الحمصي إلى أن سعر المتر المربع غير المكسي (على الهيكل) في الأبنية الطابقية غير الحجرية ذات الأعمار القديمة يتراوح بين 1200 و1300 دولار.
وفي ريف دمشق، بمنطقة الباردة – ضاحية السلام، أوضح هيثم بشير النجم، من أحد المكاتب العقارية، أن سعر الشقة بمساحة 85 متراً مربعاً يتراوح بين 2,000,000 و3,000,000 ليرة (200–300 مليون ليرة قديمة)، فيما تتراوح أسعار شقق بمساحة 107 أمتار مربعة بين 3,000,000 و6,000,000 ليرة (300–600 مليون ليرة قديمة)، وتصل في الشقق بمساحة 125 متراً مربعاً إلى ما بين 5,000,000 و10,000,000 ليرة (500 مليون إلى مليار ليرة قديمة)، وذلك بحسب مستوى الكسوة والموقع والاتجاهات.
وفي حمص، أشار أحد العاملين في الشأن العقاري، عبد الحسيب الأعرج، إلى أن إحدى الشقق (دوبلكس – كسوة سوبر ديلوكس) في منطقة الحمراء عُرضت بمبلغ 1.5 مليون دولار، فيما عُرضت شقة أخرى في المنطقة ذاتها بنحو 300 ألف دولار. وفي حي كرم الشامي بلغ سعر شقة بمساحة 141 متراً مربعاً نحو 120 ألف دولار، بينما تجاوزت الأسعار هذا المستوى في أحياء مثل الإنشاءات والغوطة والمحطة. وفي المقابل، تراوحت أسعار الشقق بين 50 وأكثر من 70 ألف دولار في أحياء مثل حي الخضر وباب السباع، وانخفضت إلى ما بين 30 و35 ألف دولار في مناطق أبعد عن مركز المدينة أو ضعيفة الخدمات، وربما أقل في مناطق مثل السكن الشبابي وكرم اللوز والبياضة.
وأوضح الأعرج أن الأسعار ليست ثابتة، بل تختلف بحسب نظافة المنزل ومستوى الإكساء وحداثته والديكورات.
وبحسب الأعرج، فإن جزءاً من عقارات حمص ما زال بين طابو وسجل مؤقت وأراضٍ مغتصبة استولت عليها جهات تابعة للنظام المخلوع، وقد تقدم أصحابها بدعاوى لاستعادة ملكياتهم، معتبراً أن “السطو على الأراضي وتخريب القوانين” كانا من الأسباب الرئيسة في فوضى الأسعار الحالية.
أما في حلب، فتتباين الأسعار بين أحيائها بشكل لافت، إذ يبلغ سعر الشقة في سيف الدولة قرابة 85 ألف دولار، وفي الحمدانية أكثر من 100 ألف دولار، وفي حلب الجديدة أكثر من 150 ألف دولار، بينما قد يصل السعر في الفرقان إلى نحو 235 ألف دولار وفي الزهراء إلى نحو 250 ألف دولار، تبعاً للمساحة والموقع.
وفي اللاذقية، تتوزع الأسعار بحسب الموقع أيضاً، إذ عُرضت شقة للبيع في أوتوستراد الثورة بنحو 5,000,000 ليرة (500 مليون ليرة قديمة)، وأخرى بنحو 55 ألف دولار، وفي العوينة نحو 55 ألف دولار، بينما بلغ سعر شقة في شارع ميسلون نحو 60 ألف دولار، ومشروع صليبة على الشارع العام نحو 130 ألف دولار، وفي الكورنيش الجنوبي (نسق ثانٍ) نحو 155 ألف دولار.
جذور المشكلة
في قراءة تحليلية لأبعاد الواقع الحالي لسوق العقارات، تطرق الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال، إلى جذور المشكلة، واصفاً إياها بالارتفاع “غير المسبوق” الذي يتجاوز بكثير تأثيرات التضخم التقليدية.
وقال رحال لصحيفة “الثورة السورية”: “إن هذا الغلاء الجامح يعكس واقعاً اقتصادياً منهكاً ونسيجاً اجتماعياً معقداً، هما نتاج سنوات طويلة من الاضطراب وفقدان الاستقرار”، مؤكداً أن المشكلة الحالية هي نتاج تشابك عدة عوامل.
وأرجع رحال الجزء الأكبر من تفاقم الأسعار إلى قطاع الإنشاءات الذي يشهد “موجات متكررة من ارتفاع أسعار الحديد والإسمنت والخشب” بسبب نقص حاد في المعروض وتعقيدات الاستيراد في ظل شح العملة الصعبة.
وأضاف أن التضخم طال تكلفة اليد العاملة والخدمات، مما رفع سعر المتر المربع. أما العامل الثاني الأكثر تأثيراً فهو الانهيار المستمر لليرة، “ففي سوق تعتمد بشكل كبير على التمويل الذاتي والدفع بالعملة الصعبة، بات من الطبيعي أن ترتفع الأسعار بشكل متسارع”، خاصة في المدن الكبرى حيث الطلب لا يزال مرتفعاً نسبياً.
لم يغفل الخبير الاقتصادي الحديث عن “القيود القانونية والإجرائية” التي تحول دون التملك، مشيراً إلى أن القوانين الحالية تمنع أو تحد من تملك الأجانب والمغتربين، وتفرض بيروقراطية معقدة على المواطنين.
وتتفاقم المشكلة بسبب “تضرر بعض السجلات العقارية وتخريبها”، والنزاعات المحتدمة حول ملكية الأراضي والمباني، وهي نزاعات ناتجة بشكل مباشر عن سنوات النزوح والهجرة. ونتيجة لذلك، يجد المشترون أنفسهم في متاهات للتحقق من صحة الملكية قبل إتمام أي صفقة.
الفقاعة الصامتة
من زاوية أخرى، يقدم خبير التقييم العقاري الدكتور أنور وردة، رؤية شاملة لجذور الأزمة، متجاوزاً الأرقام الظاهرية إلى البنى التحتية للاقتصاد.
ويؤكد وردة لصحيفة “الثورة السورية” أن ما يحدث في سوق العقارات لا يعد فقاعة سعرية عابرة، إنما “عرَضٌ واضح لمرض عضال يصيب الكيان الاقتصادي السوري برمته”.
يقول وردة موضحاً رؤيته: “حين ينهار الإنتاج، وتتبخر فرص العمل، وتفقد العملة الوطنية قوتها الشرائية يوماً بعد يوم، يجد المواطن والمستثمر نفسه في دائرة بحث محموم عن وعاء يحفظ ما تبقى من قيمة مدخراته. وفي غياب سوق مالية منظمة أو بدائل استثمارية حقيقية، لا يبقى أمامه سوى العقار. إنه تحول قسري من اقتصاد الإنتاج والخدمات إلى اقتصاد (التحنيط)، حيث تُدفع الأموال تحت الأنقاض لا لتعمرها، لكن لتحفظ قيمتها من الذوبان”.
ويضيف وردة شارحاً الآلية النفسية التي تدفع بهذا السلوك: “الليرة السورية تحترق في جيب المواطن، فإذا لم يحوّلها إلى حجر وإسمنت، يستيقظ صباحاً ليجدها قد تحولت إلى رماد. هذا الهلع الادخاري يخلق طلباً وهمياً على العقار، لا علاقة له بالحاجة الحقيقية للسكن، ويعد أشبه بهجرة جماعية إلى المال، وهو ما يفسر هذا الارتفاع الجنوني للأسعار رغم الركود الاقتصادي الواضح”.
ويحذر وردة من أن هذه الآلية تخلق ما يصفه بـ”الفقاعة الصامتة”، حيث ترتفع الأسعار إلى مستويات لا تعكس أبداً القيمة الحقيقية للعقار أو القدرة الشرائية للمجتمع.
ويشرح ذلك بالقول: “نحن أمام سوق يشتري فيه الناس بسعر اليوم على أمل أن يبيعوا بسعر أعلى غداً، ليس لأن العقار أصبح أفضل أو المنطقة تطورت، بل لأن العملة ستكون أسوأ. هذا المنطق يؤدي إلى وهم الثروة على الورق، بينما الأرض التي تقوم عليها هذه الثروة مهزوزة اقتصادياً. المشكلة أن هذه الفقاعة إذا انفجرت لأي سبب كان، ستنهار معها المدخرات الأخيرة لملايين السوريين”.
أزمة الطلب
يلفت الخبير وردة إلى عامل حاسم آخر هو تأثير الاضطراب الاجتماعي على هيكل الطلب. ويقول: “الحرب والنزوح أحدثا تغييراً جذرياً في الخريطة السكانية. هناك مناطق في دمشق وحلب شهدت نزوحاً كثيفاً من سكان القرى والمناطق المتضررة، مما خلق طلباً كبيراً على السكن في هذه المراكز. في المقابل، هناك مناطق بأكملها أصبحت شبه خالية، لكن أصحابها الأصليين لا يستطيعون بيعها بأسعار معقولة لأنهم هم أنفسهم يبحثون عن الشراء في مكان آخر. إنه خلل هائل في التوازن بين العرض والطلب، يرفع الأسعار في مناطق ويجمدها في أخرى”.
آليات التمويل
يتوقف وردة طويلاً عند معضلة التمويل، منتقداً بشدة الآليات الحالية. ويقول: “الحديث عن تمليك المواطن بيتاً بمئات الملايين من الليرات بينما راتبه الشهري لا يتجاوز بضع مئات الآلاف هو ضرب من الخيال أو السخرية. الجهاز المصرفي السوري ما زال بعيداً كل البعد عن روح التمويل العقاري الحقيقي. الإقراض العقاري لا يمكن أن ينجح وهو مربوط بسعر الفائدة الاسمي في ظل تضخم جامح. يجب أن تكون هناك فلسفة جديدة تربط القسط الشهري بدخل المقترض وقدرته الشرائية، وليس بقيمة القرض الاسمية”.
بينما يصف رحال آلية التمويل بأنها “بعيدة كل البعد عن تحقيق متطلبات السوق”، مشيراً إلى محدودية التسهيلات البنكية وارتفاع الفوائد، مما يدفع المواطنين للاعتماد على مدخراتهم الشخصية أو السوق غير الرسمي، وهذا الضغط المتزايد على الطلب يرفع الأسعار أكثر.
حلول لكسر الجمود
في خضم هذا التشخيص للواقع، يقدم الخبير وردة مجموعة من الحلول العملية التي يرى أنها قادرة على كسر الجمود، معترفاً في الوقت ذاته بصعوبة تنفيذها دون إرادة حقيقية.
ويقترح وردة “الربط بالدخل”، أي تحويل نظام الإقراض العقاري من نظام القيمة الثابتة إلى نظام يُحتسب فيه القسط كنسبة مئوية من دخل الفرد الحقيقي، مع إعادة تقييم دورية للدين تراعي التضخم.
كما يشير إلى إمكانية “فرض ضرائب على العقارات الشاغرة”، موضحاً أن “هناك آلاف الوحدات السكنية في سوريا مغلقة، إما احتكاراً أو هروباً من الضرائب أو خوفاً من انخفاض السعر”، وفرض ضريبة تصاعدية على العقار الشاغر “سيجبر مالكيه على طرحها في السوق للإيجار أو البيع، مما يزيد المعروض ويخفض الأسعار”.
ويدعو وردة إلى تفعيل أدوات التمويل الإسلامي، خاصة منتجات مثل الإجارة المنتهية بالتمليك والمشاركة المتناقصة، معتبراً أنها أكثر مرونة وقرباً من ثقافة المجتمع السوري، وقادرة على استقطاب مدخرات قطاع واسع لا يتعامل مع الفائدة المصرفية.
ويشدد على ضرورة تطوير البنية المعلوماتية للقطاع العقاري، عبر إنشاء قاعدة بيانات مركزية وشفافة للأسعار والمعاملات العقارية، تكون مرجعاً رسمياً يحد من العشوائية ويوقف هيمنة التخمينات الفردية.
ويقول: “طالما بقيت سوق العقار كهف أفلاطون هذا، حيث يرى كل طرف ظلاً يظنه الحقيقة، فسيبقى المواطن السوري ضحية أوهام الأسعار وتقلباتها”.
تحديان متلازمان
خلص الدكتور رحال في تصريحه إلى أن السوق العقارية تعاني من “تحديين متلازمين”: الغلاء المستمر من جهة، وأزمة التملك من جهة أخرى.
وعن الحلول، أكد رحال أن المعالجة تتطلب مجموعة إجراءات عملية تبدأ بـ”تطوير البنية القانونية للعقارات”، مروراً بـ”تسهيل التمويل العقاري وضبط أسعار مدخلات البناء”، وصولاً إلى “تحفيز المشاريع الإسكانية التي تستهدف شريحة المساكن بأسعار معقولة”.
وشدد رحال على أن معالجة هذه القضايا تشمل الجانب الاقتصادي، كما ترتبط بخلق بيئة اجتماعية مستقرة، حيث يستطيع المواطن أن يمتلك بيتاً دون أن يكون مرهقاً مالياً، وهذا هو السبيل الوحيد لتحقيق استقرار السوق وتحسين القدرة الشرائية للمجتمع السوري بشكل عام.
وأمام واقع السوق العقارية الصعبة، ومع عودة اللاجئين والمهجرين والمغتربين، ومع حاجة السوريين المستأجرين إلى تملك شقة سكنية أو العودة إلى بيوتهم، تتصاعد الحاجة إلى البحث عن حلول عاجلة لمشكلات هذا السوق وتذليل العقبات المعيقة لتحقيق حلم المواطن في الحصول على شقة سكنية.
وأمام غياب أي حلول رسمية حتى الآن، تتصاعد التحديات أمام تحقيق ذلك الحلم، وهو ما يتطلب حلولاً عاجلة وجدية وتعاون كل الجهات المعنية بالسوق العقارية من ناحية الاستثمار والإنتاج والإعمار، وخاصة في المناطق والأحياء المدمرة، التي يعاني أصحابها، خاصة في المخيمات والمهجرين، معاناة معيشية كبرى.
الثورة







