نور جوخدار
تتجلى التأثيرات المباشرة لإغلاق مضيق هرمز واضطراب خطوط الملاحة مع اشتداد تداعيات الضربات الأميركية والإسرائيلية على طهران، على مسارات التجارة والطاقة الإقليمية وتكاليف الشحن البحري والبري، خاصة بعد تحويل طرق التجار إلى رأس الرجاء الصالح وإغلاق قناة السويس.
ففي منطق اقتصاديات الحروب لا تقاس قوة الدول فقط بقدرتها العسكرية، بل بقدرتها على تحويل الجغرافيا إلى أداة نفوذ. وفي هذا السياق تتزايد إمكانيات تحريك نشاط الترانزيت وتنشيط المعابر البرية في الشرق الأوسط، مما يبرز تساؤلا حول قدرة سوريا على إعادة تقديم نفسها كعقدة عبور برية-بحرية في شرق المتوسط.
الخرائط التجارية تتغير بالاستثمار والاستقرار
وفي هذا الإطار أكد الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال أن السؤال الجوهري هو: من يملك البديل؟ ومن يملك القدرة على الاستثمار فيه؟ فبرأيه تمتلك سوريا موقعا جغرافيا حساسا، إلا أن تحويل هذا الموقع إلى عقدة عبور إقليمية يتطلب أولا استقرارا أمنيا طويل الأمد، إلى جانب استثمارات بمليارات الدولارات في شبكات الطرق والسكك الحديدية والموانئ، إضافة إلى اتفاقيات سياسية واقتصادية مع دول الجوار.

وأضاف رحال في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أنه حتى ذلك الحين تبقى المعادلة واضحة، عبر كل يوم إغلاق في هرمز يعني أسعار طاقة أعلى وشحنا أعلى وضغطا تضخميا أوسع على الأسعار، أما الخرائط التجارية الكبرى فهي لا تتغير بالصدمة وحدها بل بالاستثمار والاستقرار.
تشير بيانات عام 2025 أن حجم التصدير برا عبر سوريا حتى نهاية آب بلغ نحو 67 مليون دولار، واستحوذ كل من العراق والأردن على الحصة الساحقة من الحركة التجارية البرية. إذ بلغت قيمة الصادرات إلى العراق في أول 8 أشهر من 2025 نحو 29 مليون دولار، فيما بلغت الصادرات نحو الأردن خلال الفترة نفسها نحو 38 مليون دولار.
وتظهر هذه الأرقام تراجعا نسبيا خلال عام 2025 مقارنة بالسنوات السابقة، مقابل 111 مليون دولار في عام 2024، منها 62.7 مليون دولار إلى الأردن و47.9 مليون دولار إلى العراق. بينما بلغت في عام 2023 نحو 112 مليون دولار، 55.3 مليون دولار منها إلى الأردن و55.7 مليون دولار منها إلى العراق.
ويستخدم مصطلح الترانزيت (Transit) للإشارة إلى حركة البضائع أو الأشخاص عبر دولة أو منطقة معينة دون أن تكون تلك الدولة أو المنطقة هي الوجهة النهائية.
في سياق التجارة والنقل يعرف الترانزيت أكاديميا على أنه عملية نقل البضائع أو الركاب عبر أراضي دولة وسيطة بين بلد المصدر وبلد الوجهة النهائية، مع تطبيق إجراءات جمركية خاصة تضمن عدم تأثر هذه البضائع أو الركاب بالقوانين الاقتصادية أو الضرائب المحلية للدولة الوسيطة.
يوجد في سوريا حوالي 12 معبرا بريا يربط الأراضي السورية بدول الجوار “تركيا ولبنان والأردن والعراق”، بعضها يعمل بشكل كامل، فيما توقف عدد قليل عن العمل منذ عام 2011، دون إعلان رسمي حتى الآن حول إعادة تفعيله.
خط الغاز المصري
وحول تداعيات الحرب وإغلاق المضيق أوقفت مصر ضخ نحو 100 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميا إلى سوريا ولبنان عبر “خط الغاز العربي”، وذلك في أعقاب توقف الإمدادات التي تتلقاها من حقلي “تمار” و”ليفياثان” “الإسرائيليين” في شرق المتوسط، بحسب موقع الشرق.

وكشف الموقع أن القاهرة وجهت الكميات التي تستقبلها عبر سفينة التغويز “إنيرجوس فورس” الراسية في ميناء العقبة الأردني لتلبية الطلب المحلي في مصر والأردن، بعدما أوقفت “إسرائيل” توريد نحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميا لمصر و300 مليون قدم للأردن، إثر إغلاق حقولها كإجراء احترازي عقب هجومها على إيران.
وكانت مصر قد اتفقت سابقا مع سوريا ولبنان على تسييل شحنات غاز لصالحهما عبر بنية التغويز التابعة لها، مع ضخ 100 مليون قدم مكعب يوميا خلال أشهر الشتاء، على أن تقوم سوريا بضخ 50 مليون قدم مكعب منها إلى لبنان من حقولها الشمالية، وهي الترتيبات التي تجمدت بفعل نقص الإمدادات الحالي.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن مشروع خط الغاز العربي الذي يمر من مصر إلى الأردن ثم سوريا ولبنان كان ينظر إليه كممر تكاملي للطاقة، لكن أي تعثر في الضخ في ظل ارتفاع أسعار النفط يعني شيئا بسيطا في الحسابات المعقدة وهو أن “البديل سيكون أغلى”.
موضحا أن الاقتصاد السوري الذي يعاني من ضعف في الإنتاج المحلي للطاقة، فإن كل متر مكعب غاز مفقود يستبدل بمازوت أعلى تكلفة، ما يضاعف الضغط على المالية العامة وعلى أسعار الكهرباء والصناعة.
وبين رحال أن سوريا جغرافيا تقع في منتصف الطريق بين الخليج العربي والبحر المتوسط، إلا أن المسألة اقتصاديا أكثر تعقيدا مما تبدو عليه. فإذا أردنا نقل بضائع برا من الخليج العربي إلى الساحل السوري لمسافة تقارب 2500 كيلومتر، وكان متوسط تكلفة النقل البري عالميا بحدود 0.1 دولار للطن/كيلو، فإن الحساب يكون على النحو الآتي: 1000 طن × 2500 كم × 0.1 دولار = نحو 250 ألف دولار.
ولا تكمن المشكلة في حجم هذا الرقم بحد ذاته، بل في المقارنة مع النقل البحري الذي يبقى أقل كلفة بكثير حتى في حال الالتفاف حول إفريقيا، ولا سيما عند الحديث عن ملايين الأطنان. فناقلة نفط واحدة قد تحمل نحو مليوني برميل، ونقل هذه الكمية برا يتطلب آلاف الشاحنات أو شبكة سكك حديدية حديثة غير متوافرة حاليا.
لذلك يبقى النقل البري خيارا محدودا أو حلا تكميليا للبضائع ذات القيمة العالية أو للشحنات المستعجلة، لكنه لا يمكن أن يشكل بديلا عن النقل البحري في تجارة الطاقة الضخمة، وفقا للخبير رحال.
شراكات لتعزيز سلاسل الإمداد
وفي وقت تسعى فيه سوريا بالشراكة مع تركيا والأردن إلى تعزيز سلاسل الإمداد وتقليص الاعتماد على الشحن البحري في ظل ارتفاع التكاليف وتأخر الشحنات، كانت قد وقعت اتفاقا مع الدولتين الجارتين على تسهيل حركة البضائع والأشخاص عبر ممر بري مشترك، لخفض كلفة النقل وتحسين الربط الإقليمي، بعد أكثر من عقد من تعطل الطرق البرية.

الاتفاق الذي أعلن عنه بعد توقيع مذكرة تفاهم ثلاثية يشمل تطوير البنية التحتية للنقل البري والجوي، مع التركيز على إحياء خطوط السكك الحديدية وتبني أنظمة نقل ذكية، وتوحيد المعايير التنظيمية.
ويرى محللون أن إعادة تشغيل الممر يمكن أن يخلق بديلا أرخص وأكثر كفاءة، مع إمكانيات لربط الأسواق الأوروبية بالخليج عبر تركيا وسوريا والأردن، إضافة إلى دعم قطاعات الخدمات اللوجستية والتخزين والتصنيع المشترك.
كما أن المشروع يشكل عنصرا محوريا في جهود إعادة دمج سوريا في الاقتصاد الإقليمي رغم التحديات اللوجستية، كما تسعى تركيا من جانبها لتأمين ممرات برية مباشرة إلى أسواق الشرق الأوسط ضمن مشروعها لإحياء “طريق الشرق الأوسط”، الذي يتوقع تشغيله تدريجيا.
ويشمل الاتفاق توحيد المعايير والمواءمة التنظيمية، وتعزيز التحول الرقمي وأنظمة النقل الذكية، إضافة إلى إشراك القطاع الخاص وتشجيع الاستثمارات في البنية التحتية، وهي عناصر تعد أساسا لبناء ممرات نقل إقليمية مستدامة.
يرى مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية في عمّان، أحمد عوض، أن الاتفاق الثلاثي في مجال النقل “يمثل خطوة استراتيجية نحو إعادة بناء ممر إقليمي عابر يربط المشرق العربي بالشبكات الأوروبية عبر الأراضي التركية”، مشيرا إلى أن ارتباط تركيا المتقدم بشبكات الطرق والسكك الحديدية الأوروبية يتيح مستقبلا نقل البضائع القادمة من الأردن عبر سوريا إلى الأسواق الأوروبية بوقت وتكلفة أقل مقارنة بالمسارات البحرية الطويلة.
وبحسب تقارير صادرة عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا “الإسكوا” فإن إعادة تفعيل هذه الممرات البرية تشكل عنصرا محوريا لأي تعاف اقتصادي مستدام في الدول الخارجة من نزاع، نظرا لدورها في تحفيز التجارة والخدمات اللوجستية والأنشطة المرتبطة بالنقل، إضافة إلى توفير إيرادات عبور سريعة الأثر.
وتشير بيانات “الإسكوا” إلى أن تكاليف التجارة في المنطقة العربية تبلغ 148% من قيمة البضائع، وهي من بين الأعلى عالميا.
وفي تصريحات سابقة قال وزير النقل يعرب بدر إن سوريا تحتاج إلى استثمارات تقدر بنحو 5.5 مليارات دولار لإصلاح وتطوير شبكة السكك الحديدية وفق المعايير الدولية، مضيفا أن 1052 كيلومترا فقط من أصل 2800 كيلومتر من شبكة السكك الحديدية في سوريا هي قيد الخدمة حاليا.
ويرى عوض أن إعادة تفعيل خط سكة حديد الحجاز وربطه بالشبكات التركية “يفتح المجال لإنشاء مسار متكامل يمتد من العقبة على البحر الأحمر مرورا بالأردن وسوريا وصولا إلى تركيا وأوروبا”، مع إمكانية توسع هذا المسار لاحقا ليشمل دولا أخرى عبر ممرات نقل متعددة الوسائط.
ولفت إلى أن العائد الاقتصادي طويل الأجل قد يجعل المشروع مجديا رغم كلفته المرتفعة في المدى القصير.
القفزة السعرية من “صدمة” إلى “واقع تضخمي”
وعقب العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران وإغلاق مضيق هرمز حولت مجموعة الشحن الدنماركية ميرسك ومجموعة الشحن الألمانية هاباغ-لويد وشركة “سي إم إيه سي جي إم” مسار سفنها لتدور حول إفريقيا، تجنبا للمرور عبر قناة السويس ومضيق باب المندب.
وقالت ميرسك في بيان: “بسبب الوضع الأمني المتدهور في منطقة الشرق الأوسط عقب تصاعد الصراع العسكري، قررنا تعليق إبحار سفننا مستقبلا عبر قناة السويس ومضيق باب المندب في الوقت الحالي”.
وأضافت: “بمجرد أن يستقر الوضع وأن تكون الأوضاع الأمنية سانحة من جديد، سنواصل منح الأولوية لمسار قناة السويس”، وذلك في ما يتعلق بخدماتها من الشرق الأوسط-الهند إلى البحر المتوسط، ومن الشرق الأوسط-الهند إلى ساحل شرق الولايات المتحدة.
أما مجموعة هاباغ-لويد فقالت في بيان منفصل إنها بدأت تغيير مسار خدمة الشحن “آي إم إكس” التي تربط الهند والشرق الأوسط بالبحر المتوسط مرورا بجنوب إفريقيا.
وأضافت أنها ستعطي الأولوية لهذا المسار مجددا بمجرد أن يسمح الوضع الأمني بذلك، مضيفة إنها ستفرض رسوما إضافية بسبب علاوة مخاطر الحرب على الشحنات من الخليج وإليه اعتبارا من 2 آذار الجاري.
وذكرت شركة “سي إم إيه سي جي إم” أنها ستفرض أيضا رسوما إضافية طارئة بسبب النزاعات على الشحنات من العراق والبحرين والكويت واليمن وقطر وسلطنة عمان والإمارات والسعودية والأردن وجيبوتي والسودان وإريتريا، فضلا عن ميناء العين السخنة المطل على البحر الأحمر وإليها.
ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من النفط العالمي، بما يشمل النفط القادم من السعودية والإمارات والعراق والكويت وإيران، فضلا عن كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال من قطر.
وأكد الخبير الاقتصادي أن الحديث عن مضيق هرمز لا ينحصر كونه ممرا مائيا عاديا، بل شريانا يمر عبره قرابة 25% من تجارة النفط والغاز المنقولة بحرا في العالم، وبالتالي فإن أي اضطراب فيه لا يبقى حدثا إقليميا بل يتحول سريعا إلى أعباء إضافية على فواتير الوقود والكهرباء والغذاء في عواصم الدول الإقليمية والبعيدة.
وأشار إلى أنه يعبر المضيق حاليا نحو 20 مليون برميل نفط يوميا، وإذا افترضنا أن سعر البرميل يقف عند 80 دولارا قبل إغلاقه فإن القيمة اليومية لهذه الكميات تبلغ 1.6 مليار دولار، لكن في سيناريو الإغلاق الطويل فمن المتوقع أن يرفع السعر إلى 130 دولارا للبرميل، وبالتالي فإن الفارق البالغ 50 دولارا يترجم إلى “مليار دولار إضافية يوميا” على نفس الكمية العابرة.
وشدد رحال على أن هذه الأرقام لا تمثل أرباحا صافية لأحد بقدر ما هي كلفة وأعباء موزعة على الاقتصاد العالمي على شكل وقود أعلى سعرا وديزل (مازوت) أكثر كلفة، وكهرباء تضغط على الموازنات وسلع استهلاكية ترتفع أسعارها تباعا. وكلما طال أمد الأزمة تحولت القفزة السعرية من “صدمة” إلى “واقع تضخمي”.
وفيما يسميه الخبير بـ”الطريق الأطول” يوضح أن عندما تتعطل الملاحة في البحر الأحمر أو تتراجع حركة العبور عبر قناة السويس تعود السفن إلى المسار الكلاسيكي حول رأس الرجاء الصالح.
وتظهر الحسابات في هذا المسار البديل زيادة تقارب 30% في المسافة بين آسيا وأوروبا، مع 10 إلى 14 يوما إضافيا إلى زمن الرحلة واستهلاك وقود أعلى قد يضيف نحو مليون دولار على تكلفة السفينة الواحدة.
كما أن الرسوم الإضافية للحاوية الواحدة قد تصل إلى 1000 دولار. أي بالأرقام فإن سفينة تحمل 15 ألف حاوية يمكن أن تضيف وحدها في رحلة واحدة فقط أكثر من 7 ملايين دولار كتكاليف إضافية.
ومن هنا تبدأ ما يسمى “العدوى الاقتصادية”، أي ارتفاع أجور الشحن يؤدي إلى ارتفاع كلفة الاستيراد، وبدوره يؤدي إلى تضخم في أسعار التجزئة، بحسب الدكتور سامر رحال.
مفهوم اقتصاد الحرب
يقوم اقتصاد الحرب على تنظيم القدرة الإنتاجية والتوزيعية للدولة خلال فترة الصراع وإجراء تعديلات جوهرية على إنتاجها الاستهلاكي لاستيعاب احتياجات الإنتاج الدفاعي.
في أوقات الحرب تتعامل الدول مع إعادة تشكيل اقتصاداتها بطريقة مختلفة، وقد تعطي بعض الحكومات الأولوية لأشكال معينة من الإنفاق على غيرها.
ففي الدول التي تعيش في ظل اقتصاد حرب تستخدم أموال الضرائب في المقام الأول في الدفاع، وبالمثل إذا كانت البلاد تقترض مبالغ كبيرة من المال فقد تذهب هذه الأموال في الغالب إلى الحفاظ على الجيش وتلبية احتياجات الأمن القومي.
وعلى النقيض من ذلك تميل الدول التي لا تشهد صراعات إلى توجيه الإيرادات الضريبية والأموال المقترضة نحو تحسين البنية التحتية والبرامج المحلية، مثل التعليم والصحة.
وينشأ اقتصاد الحرب عادة بدافع الضرورة عندما ترى الدولة أن الدفاع الوطني بات أولوية قصوى، فتسخر قدراتها الصناعية والتكنولوجية والطبية في سياق تنافسي ضاغط يهدف إلى إنتاج تجهيزات دفاعية أكثر تطورا وبكلفة أقل. إلا أن هذا التركيز غالبا ما يؤدي إلى تراجع نسبي في مستويات التنمية والإنتاج المحليين.
وقد شكلت اقتصادات جميع الدول المنخرطة في صفوف دول المحور والحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية نموذجا كلاسيكيا لاقتصاد الحرب، ومن بينها الولايات المتحدة واليابان وألمانيا.
وكانت القوة الاقتصادية الأميركية آنذاك ركيزة أساسية مكنت الحلفاء من الحصول على التمويل والمعدات اللازمة لهزيمة دول المحور.
وانتقلت الحكومة الأميركية رسميا إلى اقتصاد الحرب عقب الهجوم الياباني على بيرل هاربور، وهي غارة جوية مباغتة نفذتها البحرية الإمبراطورية اليابانية في السابع من كانون الأول 1941 على الأسطول الأميركي القابع في المحيط الهادئ في قاعدة بيرل هاربور الأميركية بهاواي، حيث رفعت الضرائب وأصدرت سندات حرب لتمويل المجهود الحربي.
كما جرى تأسيس مجلس الإنتاج الحربي الأميركي لتخصيص الموارد الحيوية للمجهود الحربي مثل النحاس والمطاط والنفط، ومنح عقود الدفاع لمصالح الشركات المدنية وتحفيزها على التحول نحو الإنتاج العسكري بين أصحاب الأعمال المدنيين.
وشهدت تلك المرحلة مشاركة النساء في جميع أنحاء الولايات المتحدة في اقتصاد الحرب في سوق العمل الصناعي والعسكري، عبر شغل وظائف كانت حكرا على الرجال قبل الحرب.
وفي الحروب المعاصرة لم تعد الأدوات الاقتصادية تقتصر على تعبئة الإنتاج الداخلي، بل باتت تشمل منظومة متكاملة من أدوات الضغط المالي والتجاري، من بينها تجميد الأصول وقطع الوصول إلى الأنظمة المصرفية الدولية، وحظر تصدير السلع الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة، إضافة إلى الحصار الاقتصادي الشامل أو الجزئي لقطع الإمدادات الحيوية من الغذاء والطاقة، إلى جانب توظيف الرسوم الجمركية والعقوبات الثانوية لمعاقبة الأطراف المتعاملة مع الدولة المستهدفة.
بحسب المؤرخ نيكولاس مولدر في كتابه “السلاح الاقتصادي: صعود العقوبات كأداة للحرب الحديثة” لم تأت فكرة “السلاح الاقتصادي” بوصفها مجرد عقوبة رمزية، بل بصفتها آلية ردع تقوم على تهديد الخصم بالعزل الشامل عن التجارة والتمويل، بما يفرض عليه كلفة اجتماعية واقتصادية واسعة.
وقد عبر الرئيس الأميركي وودرو ويلسون عن هذا التصور عام 1919 حين وصف العقوبات بأنها “أشد رهبة من الحرب”، لأنها تقوم على خنق الدولة المستهدفة دون إطلاق النار.
ويربط مولدر هذا المنطق بتجربة الحصار البحري الذي فرضته بريطانيا وحلفاؤها على القوى المركزية خلال الحرب العالمية الأولى، حيث أدى قطع إمدادات الغذاء والطاقة إلى إنهاك المجتمعات المستهدفة وتقويض قدرتها على الاستمرار.
وفي السياق المعاصر توسع مفهوم “الحرب الاقتصادية” ليشمل أدوات أكثر تعقيدا من مجرد الحظر التجاري، فقد فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ عام 2006 قيودا مالية وتجارية صارمة على إيران استهدفت النظام المصرفي وصادرات النفط، وهو ما أسهم في فترات متكررة من الانكماش الاقتصادي وتراجع حاد في قيمة العملة المحلية.
الثورة السورية








