تخطى إلى المحتوى

كيف يعمل عقل الدولة؟

كيف يعمل عقل الدولة؟

 عبد الرحمن الحاج :

لا تدار الدولة بخبراء ومتخصصين من التكنوقراط، فإدارة الدولة ليست مجرد إجراءات إدارية وتعليمات تنفيذية، هي قبل كل شي عملية سياسية، وما نسميه “سياسات” (Policies) هو في الواقع انعكاس للسياسة العامة وتوجهات الحكم، وليس للإدارة ولا للنظام السياسي، والدولة من هذا المنظور فاعل سياسي بقدر ما هي جهاز مؤسسي بيروقراطي وكيان قانوني سيادي.

ما مناسبة هذا الحديث النظري الآن؟ نحن أمام دولة في مرحلة انتقال سياسي تعيد تشكيل نفسها، ومؤسسات تُبنى من جديد، وكوادر يتقدمها أشخاص لم يخوضوا تجربة العمل الحكومي بمعناه المؤسسي الكامل: إدارة الدولة. صحيح أن بعضهم مارس أشكالاً من الحوكمة المحلية في ظروف استثنائية، غير أن إدارة دولة ذات سيادة، بشرعيتها وأجهزتها الدستورية والقضائية وبيروقراطيتها المستقرة، تختلف جذريًا عن إدارة مناطق في مرحلة النزاع.

التجارب المحلية قدمت خبرة في الإدارة العامة في حالة الطوارئ، لكنها لم تشكل خبرة في تسيير الدول، والسياسة، في النهاية، خبرة قبل أن تكون شهادة، فدراسة العلوم السياسية لا تصنع سياسياً تلقائياً، كما أن دراسة الفلسفة لا تُنتج فيلسوفاً بالضرورة. لهذا، يغلب على رجال الدولة أنهم أبناء تجارب طويلة في التفاوض، وإدارة المصالح، وبناء التحالفات، أكثر من كونهم نتاج قاعات أكاديمية.

فهم كيف يفكر عقل الدولة أمر مهم في مرحلة تأسيس الدولة، خصوصاً في ظل وضع مثل وضع سوريا، حيث تنعدم تقريباً الطبقة السياسية، وما من سبيل لبناء الخبرة السياسية ورجال الدولة سوى بالجمع بين التجربة والخطأ والدراسة النظرية.

ولأن الأخطاء في هذه المرحلة لا تبقى أخطاء عابرة وإنما تتحول إلى مسارات يصعب تعديلها لاحقاً، فقد يتسبب عدم فهم عقل الدولة في أزمة شرعية عميقة للنظام السياسي التمثيلي، ونقع في “اغتراب الدولة” على حد تعبير عالم الاجتماع مانويل كاستلز، وذلك حين تشعر قطاعات واسعة بأن المؤسسات تعمل لخدمة دائرة ضيقة، وأن هناك تداخلًا بين النفوذ السياسي والمال، بالتزامن مع ضعف الشفافية والمساءلة، ما يؤدي إلى تآكل الشرعية تدريجياً. عندها تُرى الدولة كشبكة مصالح مغلقة، لا كإطار يمثل الإرادة العامة، فكيف يفكر عقل الدولة؟

فيما يلي سبعة أسس للتفكير الدولتي، وأقر مقدماً أن هذه الأسس ليست حصرية، وأنه بالإمكان ذكر أسس أخرى، إلا أنني أرى أنها أسس جوهرية تحكم ما عداها، لهذا السبب وجدت أنها مثالية للتعبير عن عقل الدولة:

المؤسسية: رجل الدولة لا يفكر كفرد أو ضمن مجموعة من المستشارين وحسب، هذا يفترض أنه جزء من إجراء طويل لصنع القرار، فالدولة محكومة بآلية مؤسسية، عبر ملفات، تقارير، تقديرات، لجان، وبيانات، وضمن قيود قانونية وإجرائية، فهو عقل مقيد بالإجراءات والوقت والموارد والبيانات.

الواقعية: الدولة تبحث عن حلول قابلة للتنفيذ في الأمد القريب، حتى لو لم تكن مثالية. غير أن بناء المؤسسات، خاصة السيادية منها، يحتاج إلى أفق أعلى ومعايير رفيعة، لأنه يؤسس لقواعد دائمة. هنا يصبح التفاوض بين القوى الاجتماعية والسياسية شرطاً لبناء نموذج مستقر، وفي مثل هذه القضايا السيادية، وفي شكل خاص بناء المؤسسات الحكومية، يسعى عقل الدولة إلى حلول مثالية، وإن كان الوصول إليها يبقى محكوماً بالواقعية والقابلية للتنفيذ.

الاستمرارية: منطق الدولة هو البقاء والاستمرار، لا معنى للدولة بدون ذلك، ولهذا فالحفاظ على الكيان ومنع الانزلاق إلى الفوضى يوجهان إدارة الدولة. حماية المؤسسات، وصون السيادة، وضبط استخدام القوة ضمن إطار القانون، تشكل ركائز هذا المنطق، واحتكار العنف المشروع عنوان للسيادة، وتقنينه معيار للشرعية، والاقتصاد في استخدامه علامة نضج في جهاز الحكم.

إدارة التوازنات: عقل الدولة لا يسعى إلى تصفية الحسابات والانتقام أو حسم الصراعات بالقوة كلما سنحت الفرصة. أولوية الاستمرار تفرض عليه كسر دوائر العنف واحتواء التوتر، أو إقامة تسويات والتفاوض بدل المواجهة، والاحتواء بدل الإلغاء، والإصلاح التدريجي بدل القطيعة، وتبني الحلول الوسط، وهذه كلها أدوات مفضلة ما دامت تحقق الاستقرار وتحمي المصلحة العامة، لكنها تفقد قيمتها إذا غابت الشفافية.

الشرعية: كل قرار يحتاج إلى سند قانوني وقبول اجتماعي، شرعية القرارات في مدى تمثيلها لإرادة المجتمع ومصالحه، والأساس القانوني للقرار، بحيث أن عقل رجل الدولة يفكر باستمرار في قانونية قراراته، وكيف تنتج قبولاً اجتماعياً، فالدولة تأخذ شرعيتها من التمثيل السياسي للمجتمع، وكلما ضعُف هذا التمثيل تحولت إلى ناد مغلق على أصحاب مصالح يتبادلون المواقع، وضَعف التمثيل يضعف الشرعية ويوسع الهوة مع المجتمع، وفي فترة تأسيس الدولة يجب أن يلحظ التمثيل أكثر من أي وقت آخر، لأن ضعفه قد يعيق الانتقال السياسي.

عندما تضعف الشرعية، تميل السلطة إلى التعويض بتوسيع قبضة الأجهزة الأمنية وتضييق المجال العام. ينتقل العنف من كونه وسيلة لحماية النظام العام إلى أداة لحماية السلطة ذاتها، أي أن العنف يصبح بديلاً عن السياسة، وفي الأوضاع الطبيعية يكون العنف في آخر خيارات الدولة وليس في مقدمتها، وحين يصبح في مقدمتها فإنه يستهلك الشرعية، ويرفع كلفة الحكم ويغذي مقاومة اجتماعية مضادة.

الاستراتيجية: لا يفكر عقل رجل الدولة في الآثار قصيرة الأمد، وإنما يفكر دائماً في المآلات على المدى البعيد، في أثر القرارات على استمرار الدولة، وفي التوازنات الجيوسياسية، في التنمية الاقتصادية، في الديمغرافيا، ويبني أولوياته على هذا الأساس، لذلك فهو يعتمد على التراكم في الإنجاز لا على ردود الأفعال والحلول السريعة.

العمومية: يُفترض أن يحكم عقل الدولة هدف ثابت هو تحقيق مصالح جميع مواطنيها دون استثناء، تحقيق أكبر منفعة عامة ممكنة بأقل كلفة سياسية واجتماعية، ضمن قيود الموارد والوقت المتاح. والمصلحة العامة هي مفهوم معياري سياسي وأخلاقي وقانوني في الوقت نفسه، يُستخدم لتوجيه السياسات وإنتاج الشرعية معاً.

بديل العمومية بطبيعة الحال الخصوصية، حين تهيمن مصالح فئة أو فئات محدودة على عقل رجال الدولة تتحول إلى دولة زبائنية، قائمة على الولاء مقابل الحصول على المنفعة، هذا يجعل المصلحة العمومية أداة سلطوية تُستخدم لتبرير قرارات سبق تحديدها بدوافع مصلحة نخبوية تحت عنوان “وفق مقتضيات المصلحة العامة”! ولتفادي مثل هذا الانزلاق الخطر، لا بد من رقابة مستقلة، وشفافية في القرار، وتوزيع عادل للموارد، وإعلام حر، ومجتمع مدني فاعل، وسلطة قضائية مستقلة.

في لحظات الانتقال السياسي، يتبدّل منطق التفكير داخل الدولة. فهي لا تتصرف بعقل مرحلة الاستقرار الراسخ، ولا بذهنية الصراع المفتوح، وإنما تتحرك في مساحة دقيقة بين ضرورات البقاء ومتطلبات التأسيس الجديد، فالهدف هو ترسيخ الشرعية خطوة بعد أخرى.

الشرعية في هذه المرحلة يجب ألا تُنتج عبر احتكار أدوات القوة فقط، وإنما عبر منظومة متكاملة تتضمن شفافية في القرار، وإشراكاً حقيقياً للفاعلين السياسيين والاجتماعيين، وصياغة تفاهمات دستورية واضحة، وجدول زمني مُعلن للإصلاحات، وبناء قضاء مستقل يحظى بالاستمرارية، وسيادة قانون تطبَّق على الجميع دون استثناء. هذه العناصر مجتمعة تصنع الثقة، والثقة هي الرأسمال الأهم في الفترات الانتقالية. دون ذلك؛ فالنتائج وخيمة على الجميع.

إذا بدأت الشرعية بالتآكل، يتغير المنطق في عقل الدولة من الإدارة الرشيدة إلى السيطرة والتحكم، فتتسع صلاحيات الأجهزة الأمنية، وتتقدم سياسات الضبط على حساب السياسات العامة، ويتراجع منسوب الثقة في المجال العام باضطراد، ويحل الخطاب التعبوي للمسؤولين محل الإنجاز المؤسسي، وتنمو الهويات الفرعية. الدولة إذا فقدت توازنها ودخلت في هذا المسار، تصبح استعادة الأمور إلى نصابها صعبة ومكلفة.

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك