
بعضُ الواقع الإعلامي السوري ما زال يحتاج إلى قدرٍ كبير من تهيئة بيئةٍ مناسبة لتحوّلاته المجتمعية أولاً، ثم السياسية بوصفها نتيجةً لاحقة. يشمل ذلك تجفيف الرديء، وتنمية الروح الإيجابية، وتعزيز دور الصحفي والمؤسسة بوصفهما معبراً عن الرأي العام، ووسيلةً لنقل الأسئلة والوقائع بين السلطة التنفيذية وشارعٍ قلقٍ ومتعطّش للتفاصيل والخبر والتعليق والرأي والتحليل.
ولتبقى “صاحبة الجلالة” محوراً رئيسياً في حياة سوريا الجديدة؛ تبدو مهمتها شاقةً ومتعبة، لكن شرف ريادتها—في تمهيد الطريق أمام الحقيقة، وإطلاع الناس على الوقائع، وسبر أغوار السلطة التنفيذية والتشريعية وصولاً إلى القضائية—مهمةٌ تستحق شرف المحاولة مرةً بعد أخرى وثالثة.
في كتابه الصادر عام 2002 ” أمريكا والسعودية” حملة إعلامية أم مواجهة سياسية” للدكتور غازي عبد الرحمن القصيبي، الوزير والسفير السعودي في بريطانيا، تعرض فصول الكتاب، كيف يمكن للصحافة أن تتحول إلى قوة مؤثرة في السياسة الدولية؛ وكيف يصبح الإعلام أداة ضغط، وكيف يُصنع الرأي العام عبر تكرار الرسائل وتثبيت الصور الذهنية. والمعنى الأكثر حضورا في هذا السياق أن ليس كل ما يُنشر يعكس الحقيقة كاملة، وأن أهم الأخبار كثيرا ما تكون تلك التي لا تُنشر.
ومن بقايا الذاكرة في بعض فصوله، ما يروى عن العلاقة بين الصحفي والسياسي، فحين يريد السياسي تمرير معلومة بلا إعلان مباشر، يلجأ إلى “التسريب”. دعوةٌ مسائية على طاولة مقهى، ومعلومةٌ تُمرّر دون تأكيدٍ صريح، قد تكفي أحيانًا ليَنسِبها الصحفي إلى “مصدرٍ مسؤول”. ثم تتكرر في صحيفةٍ كبرى، وتُعاد في محطةٍ تلفزيونية، وتلتقطها مراكز الدراسات، فتتحول من “رأي” إلى ما يشبه “حقيقة مستقرة” في ذهن الجمهور.
الحالة السورية، ما زال وضعها الصحفي صعبا، وتحتاج وقتا وجهدا ومراسا وتدريبا وانفتاحا وتوطيدا لقواعد العلاقة بين أطراف العملية الإعلامية، من المسؤول إلى الصحفي إلى القارئ، وصولا إلى رجع الصدى في نهاية الدورة الإعلامية.
كل ذلك مشروط بتهيئة البيئة، فأي عثرةٍ في البنية قد تُفشل المسار برمّته.
لا يمكن الحديث عن بيئة إعلامية بمعزل عن شروط العمل داخل المؤسسات نفسها. فحتى لو اتسعت هوامش التعبير نظريا، يبقى الاستقرار المهني عنصرا حاسما في إنتاج صحافة متوازنة. هنا تُستحضر فكرة شائعة في علم الاجتماع السياسي مفادها أن الحرمان النسبي—لا الفقر وحده—قد يدفع إلى الانفجار والتغيير، لأن الشعور بعدم المساواة وانعدام الفرص يفتك بالثقة. وعلى المستوى المهني، لا يُعقل أن ينجح بناءٌ إعلامي وصحفي يتقدم على زميله بالراتب والحفاوة والموقع دون معيارٍ واضح؛ فهذا يخلق روايةً معاكسة تتسرّب من داخل المؤسسات ذاتها، ويعمّق الشروخ بدل ترميمها.
وبمنتهى الوضوح، لا بد من الوصول إلى حدٍّ أدنى عادل في الأجور داخل المؤسسة الإعلامية؛ فلا يُعقل أن يكون في المؤسسة نفسها من يتقاضى مئات الدولارات، وآخرون ما زالوا على “الراتب القديم”. كما أن الشراكة المهنية يجب أن تتسع للجميع؛ فكل صحفي لم يكن جزءاً من منظومة الانتهاك هو زميل تكفل له النصوص الدستورية مبدأ المساواة، ويستحق تقدير خبرته وجهده، وإعلاء دوره ووضعه الوظيفي في إدارة الأقسام والمؤسسات.
التشريعات الصحفية ضرورةً لإكمال الرسالة ورفع فرص نجاحها. فلا معنى لإعلامٍ “حرّ” وصحفيٌّ قلقٌ وخائف. وحقّ الحصول على المعلومة هو حجر الأساس في الصحافة المهنية الحديثة، لأنه ينقل الصحفي من موقع “ناقل التصريحات” إلى موقع “المحقّق في الوقائع”، ويضع الدولة في موقع المساءلة بدل الاحتكار.
تؤكد المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حق الإنسان في تلقي المعلومات والأفكار ونقلها بأي وسيلة. والوصول إلى المعلومة حقٌّ أصيل للصحفي وللصحافة، بل يُفترض أن توفر كل وزارة أو مؤسسة عامة قواعد بيانات تعريفية: تاريخها، أقسامها، مسؤوليها، خططها، ومؤشراتها الأساسية، برنامجها. فالمرفق العام، بتماسه مع الجمهور، لا يقوم على إخفاء الأسرار بقدر ما يقوم على الشفافية، وأجهزة الدولة لا ينبغي أن تخشى كشف معلوماتها، خاصةً أن مؤسساتٍ اقتصادية كبيرة تعلن أرباحها السنوية على الملأ.
الإشكال في الحالة السورية أن الصحفي—وهو بشرـ يريد “أكثر” سبقاً صحفياً، ترنداً، أو “سيلفي” مع الوزير أو المحافظ أو المدير. وهذه من لعنات حداثة الصحافة وأمراضها. المشكلة ليست فردية، بل ترتبط بغياب قبول التنظيم من أبناء المهنة أنفسهم؛ فكل حامل بطاقة صحفية يريد منفذا خاصا، حتى لو تجاوز ذلك حدود القبول لدى صانع القرار وطاقته. ويُضاف إلى ذلك أن “هوس السيلفي” قد يفتح بابا لمفسدة بين السلطة التنفيذية وأبناء المهنة، لأن العلاقة غير المنضبطة وغير المقننة تضع الطرفين تحت شبهة تضارب المصالح، وهما في غنى عنها.
وظيفة “المكاتب الصحفية” بوصفها أوسع من علاقاتٍ عامة عابرة. عليها أن تتحول إلى وحدات شفافية، ونظامٍ إلكتروني لطلبات الصحفيين والرد على أسئلتهم، مع توفير قاعدة بيانات عامة. فالصحفي منهمك بعمله، يريد رضا جمهوره، وإنجاز تقريره، والحضور الدائم على صفحات الجريدة أو في البرنامج الإذاعي أو التلفزيوني. عندها يتحول مسار “السيلفي” إلى الهامش، وتصبح الصورة مع الوزير في المراتب الأخيرة.







