
منهل عروب:
في سوريا، لا تبدأ أزمة الأسعار من السوق، بل من اللغة التي تُفسَّر بها. فبدلاً من سياسات تضبط الانفلات، يُستدعى «الضمير» ليقوم بدور الدولة، ويُطلب من التاجر أن يعالج ما عجزت عنه المؤسسات. هكذا تتحول الأزمة المعيشية من خلل اقتصادي إلى اختبار أخلاقي، ويصبح السؤال الحقيقي: من يدير الأسعار؟ الدولة الممثلة بالجهات المعنية والتي تعمل وفق معايير قابلة للقياس، أم الضمير الشعبي بكل ما تحمله هذه العبارة من معانٍ فضفاضة بهدف التهرب من تحميل المسؤولية لجهة محددة؟ وهل هذا اتهام غير مباشر للسوريين وتحميلهم مسؤولية الفشل الاقتصادي، أم إعلان عجز الدولة عن وضع سياسات اقتصادية فاعلة؟
ففي كل موسم رمضاني، يتكرر المشهد ذاته في الخطاب الاقتصادي الرسمي في سوريا: دعوات إلى الضمير، نداءات إلى المسؤولية الشخصية، وتذكير التجار بأنهم أمام اختبار أخلاقي لا ينبغي أن يفشلوا فيه. هذا العام لم يكن استثناءً. فقد شدّد وزير الاقتصاد على ضرورة التزام التجار بالتسعير العادل خلال رمضان، وعدم استغلال حاجة الناس، مؤكدًا أن «الاقتصاد الحر» يقوم على المنافسة الشريفة وعلى ضمير المنتجين والموردين.
في الظاهر، تبدو هذه الرسالة طبيعية، بل وربما محمودة. من يعارض الدعوة إلى العدالة في الأسعار؟ ومن يرفض أن يتحلّى التجار بالضمير؟ لكن المشكلة لا تكمن في الدعوة ذاتها، بل في ما تخفيه: تحويل أزمة اقتصادية بنيوية عميقة ومهمات مؤسسية حكومية إلى مسألة أخلاقية فردية، وإعادة تعريف دور الدولة من جهة منظِّمة للسوق إلى جهة واعظة أخلاقياً للتجار، من دون أن تتحمّل مسؤولياتها.
حين ترتفع الأسعار في أي اقتصاد، تُطرح أسئلة واضحة: ماذا عن التضخم؟ ماذا عن السياسة النقدية؟ ماذا عن الأجور؟ ماذا عن الاحتكار وسلاسل التوريد؟ في الحالة السورية، هذه الأسئلة تختفي من الخطاب الرسمي، ليحل مكانها تفسير مبسّط: المشكلة في جشع بعض التجار وغياب الضمير.
هذه النقلة ليست بريئة. إنها عملية سياسية واعية تنقل مركز المسؤولية من بنية الاقتصاد ودور السياسات والخطط الاقتصادية التي تضعها الوزارة إلى سلوك الأفراد. فبدلاً من أن تكون الأسعار نتيجة خلل في السياسات العامة، تصبح نتيجة لانحراف أخلاقي في السوق المتمثّل في المجتمع. وبدلاً من مساءلة الدولة عن أدواتها الاقتصادية، يتم استدعاء الضمير الفردي كأداة بديلة لضبط السوق. بهذا المعنى، لا يعود التضخم أزمة سياسات، بل أزمة أخلاق. ولا تعود الدولة مطالبة بإصلاح أدواتها، بل يطالب التاجر بإصلاح ضميره.
اقتصاد حر شروطه غير متوفرة
يشير الخطاب الرسمي إلى أن التسعير يتم ضمن «اقتصاد حرّ» يقوم على المنافسة العادلة. لكن هذا الافتراض يتجاهل السؤال الجوهري: هل تتوافر في سوريا شروط اقتصاد حر فعلاً؟
الواقع الملموس يشير إلى العكس. السوق يعاني من تركّز واضح في سلاسل التوريد، وتداخل عميق بين رأس المال والسلطة، وغياب شبه كامل للرقابة المستقلة، إضافة إلى ضعف أجهزة حماية المستهلك. في مثل هذه البيئة، لا يمكن الحديث عن منافسة عادلة، لأن السوق نفسه غير متكافئ. فمثلاً أعلنت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك عن 59 ضبطًا في مدينة حمص، وفق ما أوردته الإخبارية السورية، في مسعى منها للقول إن جهاز حماية المستهلك يقوم بواجبه. لكن هذا الرقم صغير جدًا بالمعيار الاقتصادي والقانوني، في ظل فلتان الأسعار الذي تعيشه سوريا في شهر رمضان ومحاولة ضبطه.
وبالتالي، يصبح الحديث عن «اقتصاد حر» خطابًا تبريريًا أكثر منه توصيفًا واقعيًا أو منهجًا اقتصاديًا تتبناه الدولة. إذ يجري استخدام مفهوم نظري لتغطية واقع احتكاري، ثم يُطلب من الأفراد أن يتصرفوا وكأنهم يعملون ضمن سوق تنافسية سليمة.
الأخطر: ربط الأسعار بالضمير والمسؤولية الوطنية
الأخطر في الخطاب الأخير ليس فقط دعوة الضمير، بل ربطها بالمسؤولية الوطنية، وحتى بتضحيات السوريين. هنا يحدث تحول نوعي في وظيفة الأخلاق داخل الخطاب العام. لم تعد الأخلاق إطارًا شخصيًا، بل أصبحت أداة سياسية. فحين يُقال للتاجر إن التسعير العادل هو وفاء لتضحيات الوطن، تتحول علاقة السوق من علاقة اقتصادية إلى علاقة أخلاقية وطنية. بذلك، يصبح خفض الأسعار علامة على الانتماء، ورفعها مؤشرًا على نقص الوطنية، وليس على العرض والطلب أو الربح والخسارة.
هذه الصياغة ليست محايدة. إنها تعيد تعريف السلوك الاقتصادي بلغة سياسية، وتفتح الباب أمام استخدام الشرعية الوطنية كأداة ضغط اقتصادي. هنا تتحول الأخلاق من قيمة إنسانية إلى وسيلة، أو بالأحرى محاولة لإدارة السوق في ظل غياب أدوات تنظيم فعالة.
الدولة تطلب من السوق أن يقوم بدورها
في أي نموذج اقتصادي مستقر، تقوم الدولة بدور واضح: تنظيم السوق، منع الاحتكار، حماية المستهلك، وضمان حد أدنى من العدالة في توزيع الأعباء. أما في الحالة السورية، فيبدو أن هذه الوظائف يتم تفويضها ضمنيًا إلى السوق نفسه.
بدلاً من سياسات تسعير واضحة، أو دعم فعلي للسلع الأساسية، أو رقابة فعالة على سلاسل التوريد، يكتفي الخطاب الرسمي بنداءات أخلاقية. أي بدلاً من أن تقول الدولة: «سنضبط الأسعار وفق آلية محددة وواضحة وقابلة للقياس والمساءلة»، تقول: «اضبطوا أنفسكم!» هذه المفارقة تكشف خللاً عميقًا: كلما تراجعت قدرة الدولة على التدخل، ارتفع منسوب الخطاب الأخلاقي. وكأن الضمير يتحول إلى بديل عن القانون، والوعظ إلى بديل عن السياسة العامة.
هنا تكمن المفارقة الأساسية: الضمير قيمة فردية، بينما العدالة الاقتصادية مسؤولية مؤسسية. وعندما يختلط المستويان، تضيع الحدود بين ما هو أخلاقي وما هو سياسي، وتتحول القيم إلى بديل هشّ عن السياسات.
الأسواق لا تُدار بالنوايا الحسنة، بل بالقوانين والمؤسسات وتوازنات القوة بين العرض والطلب، والتاجر والمستهلك والوسيط المحايد بينهما، وهو الدولة. أما الضمير، مهما كان مهمًا، فيبقى خيارًا فرديًا لا يمكن أن يشكّل أساسًا لسياسة اقتصادية عامة. وفي بلد يعيش واحدة من أعمق أزماته المعيشية، لا يبدو أن المشكلة هي نقص الضمير بقدر ما هي غياب السياسة.
تلفزيون سوريا







