
مجد عبيسي
تتجه السوق العقارية نحو تعزيز حضورها ضمن المشهد الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة، في ظل تقاطع مؤشرات إعادة الإعمار مع توسّع المشاريع السكنية والتجارية وارتفاع الاهتمام الاستثماري في عدد من المدن والمناطق، ضمن سياق تغيّر تدريجي في الطلب مدفوع بعودة جزئية للسكان وتنامي دور الاستثمارات الخارجية، إلى جانب تطور الأطر القانونية الناظمة للملكية والتطوير العقاري.
وبحسب تقرير صادر عن البنك الدولي، فإن تكلفة إعادة إعمار سوريا قد تتراوح بين 140 و345 مليار دولار، ويُعدّ 216 مليار دولار تقديراً متحفظاً، بينها عشرات المليارات لقطاعات السكن والبنية التحتية.
ويرى خبير التطوير العقاري سامر حوري، أن الاستثمار العقاري، بما يشمل شراء الشقق والفلل والأراضي والمشاريع التجارية، يُصنّف ضمن الأدوات القادرة على الحفاظ على قيمة رأس المال بشكل نسبي، مشيراً إلى أن السوق العقارية السورية تشهد تحركاً تدريجياً مرتبطاً بعودة المغتربين وارتفاع الطلب على السكن الحديث وتوسع مشاريع إعادة الإعمار، وهو ما ينعكس على اتجاهات الأسعار ضمن مسار تصاعدي تدريجي خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح حوري لصحيفة “الثورة السورية” أن عام 2026 يمثل نقطة تحول في سوق العقارات، مع تركز النسبة الأكبر من الفرص في دمشق وحلب والساحل السوري، مشيراً إلى بروز المناطق المنظمة المرتبطة بالمشاريع الكبرى مثل ماروتا سيتي في دمشق والأحياء الغربية في حلب، إلى جانب مناطق تنظيمية أخرى بأسعار أقل نسبياً تستقطب شريحة الباحثين عن استثمار برؤوس أموال محدودة.
وأضاف أن الاستثمار طويل الأمد ضمن إطار زمني يتراوح بين 3 و7 سنوات يرتبط بمتابعة موجة إعادة الإعمار وتطور الاستثمارات الخارجية وتحسن مؤشرات الاستقرار، كما يرتبط بتحليل دقيق للعقار من حيث الموقع الجغرافي بوصفه عاملاً مؤثراً بشكل مباشر على الأداء الاستثماري، إلى جانب الإلمام بالتشريعات القانونية المتعلقة بالملكية والتوثيق باعتباره جزءاً أساسياً من القرار الاستثماري، مع الحاجة إلى تقييم العائد الاستثماري عبر مقارنة الكلفة الإجمالية بالعوائد الشهرية أو السنوية المتوقعة.
أبرز مناطق الاستثمار
تتفاوت مستويات الأداء بين المناطق السورية وفق عوامل مرتبطة بدرجة الاستقرار وتوافر الخدمات ووضوح الملكية ومستوى المشاريع التنموية، حيث تتصدر دمشق وريف دمشق قائمة المناطق الاستثمارية الأكثر نشاطاً، مع تسجيل مناطق ماروتا سيتي ومشروع دمر وتنظيم كفرسوسة وضاحية قدسيا ويعفور والصبورة وجديدة عرطوز وصحنايا مستويات طلب مرتفعة من العائلات والمغتربين، نتيجة توافر الخدمات الأساسية والبنى التحتية وتوسع المشاريع العمرانية في هذه المناطق.
وأشار حوري إلى أن أسعار المتر المربع في بعض أحياء دمشق تتراوح بين 1500 و4500 دولار، وتشمل مناطق المالكي وأبو رمانة ومشروع دمر وتنظيم كفرسوسة، فيما تتراوح أسعار الضواحي المنظمة بين 800 و1500 دولار في مناطق مثل ضاحية قدسيا وقرى الشام وجديدة عرطوز.
ورأى أن الغوطة الغربية تشكل محوراً استثمارياً نشطاً ضمن عام 2026، ويرتبط هذا الاتجاه بالقرب من دمشق وتوفر المشاريع التنظيمية وارتفاع الطلب من المغتربين والعائلات، وتشمل المناطق يعفور والصبورة وضاحية قدسيا وجديدة عرطوز وصحنايا والهامة وجمرايا، مع تسجيل تحسن تدريجي في الخدمات مثل الطرق والكهرباء والمجمعات السكنية، إلى جانب توسع مشاريع الفلل والأبراج وظهور حركة سكانية عائدة من مركز دمشق.
وأوضح أن هذا المحور يسجل مستويات سعرية أدنى من مركز دمشق والضواحي المنظمة، باستثناء يعفور التي تصل فيها الأسعار إلى نحو 1500 دولار للمتر المربع، فيما تتراوح الأسعار ضمن نطاق عام بين 500 و700 دولار للمتر المربع، مع توقعات بزيادة تدريجية تتراوح بين 20 و50 بالمئة خلال 3 إلى 5 سنوات.
وتسجل مناطق وادي بردى مثل عين الفيجة وبسيمة نشاطاً مرتبطاً بأعمال ترحيل الأنقاض التي تبلغ نحو 15 ألف متر مكعب، ضمن مسارات إعادة التأهيل، مع استمرار تباين مستوى الخدمات مقارنة بالمناطق الأقرب إلى دمشق.
أما الغوطة الشرقية (دوما، حرستا، سقبا، كفربطنا، المليحة، عين ترما، جوبر، زملكا)، فتسجل حركة متدرجة ترتبط بإزالة الأنقاض واستعادة الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والطرق، مع عودة تدريجية للسكان ضمن بيئة تنظيمية محدودة التطور.
واعتبر حوري أن الاستثمار في هذه المناطق يرتبط بأفق زمني طويل يتراوح بين 5 و10 سنوات، ويتصل بمستوى المخاطر المتعلقة بالملكية والخدمات، مع توجيه هذا النمط الاستثماري نحو المستثمرين ذوي الخبرة.
وفي مناطق الغوطة الشمالية الغربية والشمالية (قدسيا، الهامة، مرج السلطان، وبعض مناطق وادي بردى الشمالية)، تسجل مستويات خدمات متوسطة مع تفوق نسبي في مناطق مثل قدسيا، إلى جانب استقطاب طلب على الشقق والفلل القريبة من دمشق، ما ينعكس على عوائد استثمارية متوسطة تترافق مع نمو تدريجي في الطلب.
بينما تسجل مناطق الغوطة الجنوبية (داريا، معضمية الشام، ببيلا، يلدا) مستويات نمو استثماري أقل نسبياً نتيجة تفاوت البنية التحتية، مع تركيز الاستخدام في هذه المناطق على الاحتياجات السكنية المحلية.
وبالانتقال إلى المحافظات الأخرى، تشير التقارير إلى تصاعد حضور مدينة حلب في المشهد الاستثماري باعتبارها ثاني أبرز مركز عقاري، مدعومة بمشاريع إعادة الإعمار والاستثمارات في البنية التحتية والمطارات والمناطق الصناعية، حيث تسجل أسعار مركز المدينة مستويات تتراوح بين 1000 و1800 دولار للمتر المربع، فيما تسجل مناطق مثل حلب الجديدة والفرقان والشهباء والجميلية والسليمانية أسعاراً بين 400 و1200 دولار للمتر المربع، مع نشاط ملحوظ في الطلب على العقارات السكنية والتجارية، وعوائد استثمارية تتراوح بين 10 و18 بالمئة في بعض المواقع.
ويسجل الساحل السوري (طرطوس، اللاذقية) حضوراً استثمارياً مرتبطاً بالطلب السياحي والمغتربين، مع أسعار تتراوح بين 100 و400 دولار للمتر المربع بحسب الإطلالة، إضافة إلى مشاريع منتجعات وتطوير موانئ ضمن اتفاقيات استثمارية، مع عوائد موسمية تتراوح بين 8 و15 بالمئة.
وفي حمص وحماة، تتراوح أسعار المتر المربع بين 400 و1000 دولار، وترتبط العوائد الاستثمارية بطبيعة الطلب المحلي وتحسن الخدمات تدريجياً.
أما في مناطق الجنوب (السويداء ودرعا والقنيطرة)، فتسجل هذه المحافظات مستويات استقرار اجتماعي محلي مع نشاط استثماري محدود، ويرتبط الاستخدام العقاري غالباً بالاحتياجات السكنية المحلية.
في حين تتجه منطقة الجزيرة (دير الزور، الحسكة، الرقة) نحو فرص استثمارية طويلة الأمد، مع تحديات مرتبطة بالبنية التحتية والخدمات والنزاعات الإدارية، رغم وجود موارد طبيعية وإمكانات اقتصادية مستقبلية.
المقارنة الإقليمية
يرى حوري أن أسعار العقارات في سوريا تُعد الأدنى ضمن مقارنة إقليمية تشمل لبنان والأردن وتركيا من حيث مستويات الخدمات، ويُعزى ذلك إلى انخفاض تكاليف اليد العاملة وتوافر فرص التطوير، في ظل مرحلة ما بعد الحرب، مع توقعات بارتفاع تدريجي للأسعار نتيجة الطلب الخارجي المتزايد.
ويؤكد أهمية التعامل مع التحديات المرتبطة بالملكية العقارية وضرورة الحصول على سندات طابو نظيفة، مع الاستعانة بخبراء قانونيين قبل إتمام أي عملية استثمارية.
تحديات قانونية
ينصح الخبير القانوني محمد العاشق، بتجنّب بعض أنماط الملكية غير الموثقة رسمياً، ومنها العقارات ذات الأحكام غير المفرزة، والملكيات المشتركة غير المنظمة، والعقود غير المسجلة في السجل العقاري، إضافة إلى حالات الاعتماد على عدادات المياه والكهرباء كبدائل غير قانونية للملكية العقارية، لما قد يترتب على ذلك من خسائر محتملة.
ويشدد على أهمية التحقق من سند الملكية الرسمي (الطابو الأخضر) والتأكد من خلوه من الإشارات القانونية قبل دفع أي مبالغ أولية.
كما يشير إلى ضرورة الحصول على بيان قيد عقاري حديث يوضح حالة الملكية والإشارات المرتبطة بها مثل الرهن أو الحجز أو الدعاوى، مع الاستعانة بمحامٍ مختص لفحص السجل العقاري والمخططات التنظيمية ومحاضر التخوم، بما يسهم في خفض مستويات المخاطر الاستثمارية مقارنة بالكلفة المحدودة لهذه الإجراءات.
ويؤكد العاشق لصحيفة “الثورة السورية” أهمية ضبط التسعير العقاري ضمن حدود تتراوح بين 20 و30 بالمئة فوق التقييم الرسمي في مناطق التنظيم، مع طلب تخفيضات تتراوح بين 15 و30 بالمئة في المناطق المتضررة التي تحتاج إلى ترميم.
ويشير إلى أن المرسوم 114 لعام 2025 المعدّل لقانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 أتاح للأجانب التملك بنسبة 100 بالمئة للمشاريع، بما أسهم في توسيع نطاق الاستثمارات.
ويعتبر أن القاعدة الأساسية في الاستثمار العقاري تتضمن: “الملكية النظامية وبيان قيد ومحام وزيارة ميدانية = 90 بالمئة ضمان تقليل المخاطر”.
ويؤكد في السياق نفسه أن التعامل في السوق العقارية يتطلب الاعتماد على التوثيق الرسمي الكامل، مع اعتبار الدقة القانونية عاملاً حاسماً في تحويل الاستثمار من مستوى المخاطر إلى مستوى الاستقرار.
العائدون والعقارات
ضمن سياق التوجه نحو النهضة العمرانية وإعادة الإعمار في سوريا يبرز ملف اللاجئين والنازحين بشكل أساسي، لا سيما أن هذا المسار من المفترض أنه يهدف بالدرجة الأولى إلى دعم العودة والاستقرار.
وتُظهر بيانات الأمم المتحدة عودة أكثر من 3.3 مليون لاجئ ونازح طوعاً منذ نهاية 2024، مع توقعات بعودة نحو مليون آخر قبل نهاية العام الحالي.
وتشير المعطيات إلى عودة تدريجية في بعض مناطق الغوطة الغربية مع استمرار عمليات إزالة الأنقاض وتحسن جزئي في الخدمات، فيما تسجل الغوطة الشرقية وتيرة أبطأ نتيجة حجم الدمار الواسع وضعف البنية التحتية.
وفي مناطق مثل مخيم اليرموك ومخيم فلسطين وشارع 30 جنوب دمشق، تتواصل عمليات الترميم الفردي مع استمرار ضعف البنى الخدمية وتراكم الأنقاض، إلى جانب توجه بعض السكان نحو إعادة الإعمار الذاتي تمهيداً لفرص استثمارية مستقبلية مرتبطة بتطورات إعادة التنظيم.
ويحذر المحامي محمد العاشق، من الدخول في عمليات شراء عقارات دون التحقق القانوني الدقيق من الملكية، في ظل تعقيدات الطابو والأراضي المشاع والحالات المستملكة سابقاً.
ويرتبط مستوى استفادة المهجرين من التحولات العمرانية بمدى معالجة قضايا الملكية وإعادة التنظيم، مع توقعات بتفاوت في مستويات الاستفادة خلال المدى القريب، خصوصاً في ظل اختلاف جاهزية المناطق لعمليات إعادة الإعمار.
وتتزامن هذه التحديات مع طرح حكومي لمشاريع سكنية مدعومة وخطط لإعادة تخطيط بعض المناطق المتضررة، بما يفتح المجال أمام وحدات سكنية جديدة وفرص عمل مرتبطة بقطاع البناء والخدمات، مع انعكاسات محتملة على فئات من العائدين.
في المقابل، تبرز تحديات مرتبطة بنزاعات الملكية، في ظل غياب وثائق نظامية لدى عدد من المهجرين، خاصة في المناطق العشوائية والمخيمات، إضافة إلى تأثيرات ممتدة لبعض التشريعات السابقة مثل المرسوم 66 والقانون 10 على هيكل الملكية وإدارة العقارات.
كما تتزايد المخاوف في بعض المناطق من استحواذات استثمارية على الأراضي المتضررة بأسعار منخفضة، مع انعكاسات محتملة على فرص العودة والتعويض في بعض الحالات.
إذاً، قد تمثل المرحلة المقبلة نقطة تحول في سوق العقارات، مدفوعة بمشاريع الإعمار الكبرى والاستثمارات وتحسن نسبي في الاستقرار.
وترتبط فعالية النهضة العمرانية بقدرة السوق على استيعاب هذا التحول عبر تطوير سكن حديث وبنى تحتية وخدمات متكاملة تلبي احتياجات العائدين.
ومن المتوقع أن ينعكس نجاح هذا المسار على المشهد العمراني والإقليمي لسوريا من خلال مزيج يجمع بين التطوير الحضري والاستقرار الاقتصادي، ضمن عملية ممتدة لإعادة بناء الإنسان والمجتمع بالتوازي مع إعادة الإعمار.
الثورة









