
تكشف عملية نقل ملكية السيارات في سوريا عن واقع إداري معقّد يواجهه المواطنون عند محاولة إتمام معاملة يفترض أن تكون روتينية، إذ تتحول هذه الخطوة إلى مسار طويل من الإجراءات والانتظار، في ظل صعوبات تقنية وتنظيمية متكررة.
وتُظهر التجربة اليومية فجوة واضحة بين ما يُعلن عن تطوير للخدمات والتحول الرقمي، وبين ما يواجهه المواطن على أرض الواقع، حيث تعاني المنصات الإلكترونية من أعطال متكررة، فيما تبقى المعاملات محكومة بإجراءات تقليدية تستهلك الوقت والجهد.
وتفتح هذه التعقيدات الباب أمام انتشار السماسرة ومعقّبي المعاملات، الذين أصبحوا جزءاً من مشهد مديريات النقل، مستفيدين من تعقيد الإجراءات، مقابل مبالغ مالية إضافية يتحملها المواطن لتسريع إنجاز معاملته.
حين تصبح “الفراغة” عقبة
تبدأ رحلة المعاناة منذ لحظة الاتفاق على البيع، إذ تتلاشى فرحة اقتناء المركبة الجديدة فور وقوف المشتري أمام بوابة مديرية النقل، ويتطلب نقل الملكية، أو ما يُعرف شعبياً بـ”الفراغة”، سلسلة من الخطوات الإجرائية، تشمل الحصول على براءة ذمة من إدارة المرور، والتأكد من عدم وجود حجوزات قضائية أو إدارية، ودفع ضريبة الرفاهية، إضافة إلى رسوم نقابة معقبي المعاملات.
هذه الإجراءات التي صُممت نظرياً للتنظيم، تحولت عملياً إلى عوائق، إذ يؤكد كثير من المواطنين أن تعدد النوافذ وتعقيد الإجراءات الإدارية خلقا بيئة خصبة لظهور الوسطاء، الذين باتوا جزءاً من المشهد أمام مديريات النقل، حيث تصبح المعاملة شبه مستحيلة دون تدخلهم.
ويطرح الشارع تساؤلات حول مصير المبالغ الكبيرة التي تُدفع خلال هذه العملية، ففي الوقت الذي رفعت فيه الحكومة رسوم التسجيل ونقل الملكية لرفد الخزينة العامة، لا تزال المعاملة تتطلب تكاليف إضافية خارج الإطار الرسمي، وتتراوح الأتعاب التي يتقاضاها معقبو المعاملات بين مبالغ مرتفعة، تصل في كثير من الأحيان إلى ما بين 100 و150 دولاراً، لإنهاء إجراءات بسيطة أو تجاوز عقبات المنصة، ما يمثل هدراً لموارد كان يمكن أن تسهم في تحسين الخدمات العامة.
وتشير شهادات إلى أن تعقيدات نقل الملكية ساهمت في ركود حركة البيع والشراء بشكل ملحوظ، إذ لم يعد المشتري يسأل عن جودة المركبة بقدر ما يسأل عن تكلفة نقل ملكيتها، ويشترط خصم تكاليف المعقبين من السعر، ما خلق حالة من الإرباك في السوق، كما لا يمكن فصل هذه الأزمة عن الارتفاع الكبير في أسعار السيارات، الذي جعل امتلاك مركبة أمراً يفوق القدرة الشرائية لغالبية المواطنين، لتتحول رسوم نقل الملكية إلى عبء إضافي يزيد من حالة الركود.
وللوقوف على عمق المشكلة، رصدت “الثورة السورية” عدداً من الشهادات، يقول شاكر الجميل: “قضيت ثلاثة أيام بلياليها أحاول الدخول إلى المنصة الإلكترونية، والموقع دائماً خارج الخدمة، وفي النهاية اضطررت لدفع مبلغ إضافي لمعقب معاملات لينهي لي الحجز خلال دقائق”.
أما محسن الصبحي (سرمدا) فيقول: “زعموا أن الرابط متوقف، لكن إذا دفعت 100 دولار لسماسرة معينين يتم الحجز لك فوراً.. فكيف يفتح المال ما تغلقه الشبكة؟”.
من جهته يقول ميسم المحمد (تاجر): “أصبحنا نفقد الثقة بسبب تعقيدات الفراغ، والمشتري يشترط خصم تكلفة المعقب من قيمة المركبة”.
وجهة نظر الجهات المعنية
في محاولة لتقديم صورة متكاملة، تواصلت صحيفة “الثورة السورية” مع مدير مديرية التسجيل المؤقت للمركبات في إدلب، أحمد طه، الذي أوضح التوجه الرسمي للمديرية حيال هذه التحديات.
ورداً على الأسئلة المتعلقة بالجوانب التقنية، أشار طه إلى وجود مشكلات سابقة في عمل رابط المنصة، مؤكداً أنه تم تحديثه من قبل مديرية المعلوماتية في وزارة النقل وربطه مع تطبيق “شام كاش” بهدف تحسين الخدمة.
وحول الضغط المتزايد على الخوادم، أوضح أن المديرية اعتمدت التوسع المكاني عبر افتتاح صالات جديدة، حيث تم افتتاح صالة مخصصة لمعاملات نقل الملكية قبل نحو شهرين، مع خطة لافتتاح صالات إضافية قريباً، مشيراً إلى أن المديرية تستقبل يومياً ما لا يقل عن 450 معاملة نقل ملكية، مع العمل على زيادة هذا العدد تدريجياً.
أما فيما يتعلق بظاهرة الوسطاء، شدد طه على أن التعامل معهم يتم من خلال تحويلهم إلى الجهات المختصة لمتابعة وضعهم قانونياً وفق الأنظمة المعمول بها، وفيما يخص ربط براءة الذمة إلكترونياً، أوضح أن هذا الملف قيد العمل بالتعاون بين مديرية المعلوماتية والجهات المعنية.
وبشأن أتمتة نقل الملكية بشكل كامل، أكد أن الفكرة مطروحة قيد الدراسة، مع وجود بعض الصعوبات التي يجري العمل على تجاوزها تمهيداً لتطبيقها.
وتشير المعطيات إلى وجود فجوة مستمرة بين الوعود التقنية والتجربة الفعلية للمواطن، إذ لا تزال الإجراءات الحالية غير كافية للحد من دور المعقبين أو إنهاء مظاهر الاستغلال المرتبطة بالمعاملات.
ويبدو أن إصلاح منظومة نقل ملكية السيارات يتطلب تسريع خطوات الربط الإلكتروني الشامل بين الجهات المعنية، وتحويل خطط التطوير إلى إجراءات ملموسة، بما يخفف الأعباء عن المواطنين ويحد من ازدواجية التكاليف.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تبسيط الإجراءات الإدارية وتوحيدها ضمن نافذة واحدة، بما يقلل من عدد المراحل ويحد من التعقيدات، إلى جانب تطوير البنية التقنية للمنصات الإلكترونية لضمان استقرار الخدمة وفعاليتها، كما يظل تعزيز الرقابة عاملاً أساسياً في الحد من ظاهرة السماسرة، من خلال تنظيم عمل معقبي المعاملات وتفعيل آليات الشكاوى والمساءلة، بما يسهم في حماية المواطنين وإرساء بيئة أكثر شفافية وعدالة في تقديم الخدمات.
الثورة السورية – حسن الأحمد









