
شهدت سوريا خلال الموسم الحالي هطولات مطرية غزيرة ومستمرة، امتدت من بداية الشتاء وحتى نيسان الجاري، في ظاهرة اعتبرها كثير من المزارعين “استثنائية” مقارنة بالسنوات السابقة، وهذه الأمطار حملت معها وجهاً مزدوجاً، فقد كانت “نعمة” على بعض المحاصيل التي تعتمد على وفرة المياه، وفي المقابل تحولت إلى “نقمة” على محاصيل أخرى لا تتحمل الرطوبة العالية.
وخلال جولة ميدانية لموقع تلفزيون سوريا في مناطق شمال ووسط البلاد، بدا واضحاً أن حالة من التفاؤل تسود بين الفلاحين، الذين ينتظرون موسماً زراعياً واعداً في عدد من المحاصيل الأساسية، ويؤكد المزارعون أن غزارة الأمطار هذا العام خففت بشكل كبير من تكاليف الري، بل إن كثيراً من الأراضي لم تحتج إلى أي عمليات سقاية إضافية، وهو ما انعكس إيجاباً على كلفة الإنتاج.
وفي المقابل، لم تكن جميع المحاصيل على نفس القدر من الحظ، إذ تضررت أنواع معينة بشكل ملحوظ، خاصة تلك الحساسة للرطوبة، ما دفع بعض المزارعين إلى إعادة النظر بخططهم الزراعية خلال الموسم ذاته، وذلك من خلال الاستعاضة عنها بمحاصيل أخرى كالخضراوات الصيفية.
المحاصيل العطرية: الكمون الأكثر تضرراً
تعد المحاصيل العطرية من أكثر القطاعات الزراعية حساسية للتقلبات المناخية، ولا سيما ما يتعلق بمعدلات الهطول المطري وارتفاع نسبة الرطوبة، وهو ما انعكس بشكل واضح خلال الموسم الحالي في مناطق ريف حماة الشمالي وشمالي حلب، فعلى الرغم من أن الأمطار الوفيرة كانت إيجابية لكثير من المحاصيل، إلا أنها شكلت تحدياً حقيقياً للمحاصيل العطرية التي تحتاج إلى توازن دقيق في الظروف المناخية.
ويقول عبد الجبار الواصل، أحد كبار المزارعين في مدينة اللطامنة، إن محاصيل مثل الكمون والكزبرة وحبة البركة تعرضت لأضرار متفاوتة نتيجة الرطوبة العالية، إلا أن الكمون كان الأكثر تأثراً بينها، نظراً لطبيعته الحساسة تجاه المياه الزائدة، ويضيف خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن الكمون لا يتحمل التربة المشبعة بالمياه، ما يؤدي إلى تعفن الجذور وضعف النمو، وصولاً في كثير من الحالات إلى تلف المحصول بالكامل.
ويشير الواصل إلى أن زراعة الكمون، التي تعد من الزراعات المنتشرة والمرغوبة في ريف حماة، أصبحت هذا الموسم محفوفة بالمخاطر، حيث اضطر عدد من المزارعين إلى اتخاذ قرارات صعبة، من بينها فلاحة الأراضي المزروعة قبل نضوج المحصول، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر إعادة استثمار الأرض بمحاصيل بديلة أقل تأثراً بالرطوبة.
ولا يختلف الوضع كثيراً في مناطق شمالي حلب، حيث يؤكد مزارعون أن الأضرار تركزت بشكل أساسي في محصول الكمون، بينما حافظت محاصيل أخرى مثل حبة البركة على وضع جيد نسبياً، بفضل قدرتها الأكبر على تحمل الظروف المناخية، ويقول أبو بسام، أحد المزارعين في مارع شمالي حلب، إنه لم يجد خياراً سوى حراثة أرضه المزروعة بالكمون بعد تعرضها لتلف كبير، مضيفاً أنه يعتزم زراعتها بمحصول الحمص الربيعي لتعويض جزء من الخسائر.
الحبوب والبقوليات: المستفيد الأكبر رغم التحديات
تعد محاصيل الحبوب والبقوليات الرابح الأكبر من الموسم المطري الحالي في سوريا، إذ انعكست وفرة الأمطار بشكل مباشر على نموها وحيويتها، خاصة في مناطق شمال ووسط البلاد، فقد استفادت محاصيل القمح والشعير والفول بشكل واضح، ما خفف عن المزارعين أعباء الري ورفع من جودة النمو، وسط توقعات بإنتاج وفير هذا العام.
ويؤكد المزارع عبد الجبار الواصل أن القمح والشعير يبدوان بحالة ممتازة مقارنة بالمواسم السابقة، مشيراً إلى أن الغطاء النباتي الكثيف وتجانس النمو يعكسان موسماً واعداً من حيث الإنتاج. في المقابل، كان الحمص الشتوي الاستثناء الأبرز، حيث تضرر بشكل كبير نتيجة الرطوبة الزائدة، إذ إن ارتفاع نسبة الرطوبة في التربة يؤدي إلى زيادة الحموضة داخل النبات خلال مراحل نموه، ما يتسبب بتسربها إلى الجذور وحدوث تلف تدريجي قد يصل إلى فقدان المحصول بالكامل.
أما محصول الفول، فقد سجل هذا الموسم أداء لافتاً، إذ يقول المزارع أديب كشيمة، وهو مزارع من ريف حماة الشمالي، لموقع تلفزيون سوريا، إن نباتات الفول في ريف حماة الشمالي وصلت إلى أطوال غير مسبوقة، بفضل غزارة الأمطار وتوزعها الزمني المناسب، ما يعزز التوقعات بإنتاج جيد من حيث الكمية والنوعية، ويرى مختصون أن الهطولات العالية قد تسهم في زيادة كميات الإنتاج وتعزيز مخزون الحبوب في البلاد، في حال استمرت الأجواء المستقرة حتى نهاية الموسم، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل التحديات الاقتصادية والغذائية التي تمر بها سوريا.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لم تخل زراعة الحبوب والبقوليات من تحديات مرافقة للموسم المطري الغزير، فقد أدى ارتفاع معدلات الهطول إلى انتشار واسع للحشائش والنباتات الضارة بين المزروعات، ما أجبر المزارعين على تنفيذ عمليات تعشيب إضافية، ترتب عليها زيادة في التكاليف، سواء من حيث أجور العمالة أو الجهد المبذول في تنظيف الأراضي.
كما تسببت السيول الناتجة عن الأمطار الغزيرة بغمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، خاصة في المناطق المنخفضة، ففي ريف حماة الشمالي، ولا سيما في سهل الغاب، امتدت مياه السيول لتغطي مساحات كبيرة من الأراضي المزروعة بالقمح والشعير والفول، ما أدى إلى تلف أجزاء منها، وفي شمالي حلب، تكررت هذه المشاهد على ضفتي نهر قويق في مناطق مثل مارع وأخترين، حيث تعرضت أراض زراعية للغمر.
وفي محاولة لتقليل الخسائر، يلجأ بعض المزارعين إلى إعادة استثمار هذه الأراضي بزراعة محاصيل صيفية، مثل الخضراوات، لتعويض جزء من الخسارة التي لحقت بالموسم الشتوي، وبين الفوائد الكبيرة التي جلبتها الأمطار والتحديات التي رافقتها، يبقى هذا الموسم مثالاً واضحاً على الطبيعة المركبة للقطاع الزراعي، الذي يتأثر بشكل مباشر بكل تغير مناخي، مهما بدا في ظاهره إيجابياً.
الخضراوات بين الوفرة وضعف الأسعار
لم تقتصر فوائد الأمطار على الحبوب، بل شملت أيضاً محاصيل الخضراوات، وعلى رأسها البطاطا، التي استفادت بشكل كبير من وفرة المياه، ما خفف عن المزارعين عبء تكاليف الري، التي تشكل جزءاً أساسياً من كلفة الإنتاج، وتشتهر مناطق شمالي حماة ومناطق شمالي حلب بزراعة البطاطا، وهي من الأصناف الجيدة والمرغوبة جداً بالنسبة للموائد السورية.
ويشير مزارعون التقاهم موقع تلفزيون سوريا، إلى أنه في حال توقف هطول الأمطار خلال نيسان/أبريل، فإن المحصول لن يحتاج سوى إلى عدة سقايات خلال شهري أيار وحزيران، قبل بدء موسم الحصاد في تموز شمالي حلب، وقبل ذلك بنحو أسبوعين في مناطق ريف حماة، هذا بطبيعة الحال بالنسبة لمحصول البطاطا.
وبدا أن محصول البصل هو الآخر قد انتعش، وذلك بفضل الهطولات العالية، إلا أن التحدي الأكبر الذي يواجه المزارعين لا يتعلق بالإنتاج، بل بالأسعار، إذ يؤكد العديد منهم أن أسعار الخضراوات الحالية لا تغطي تكاليف الإنتاج، ما يثير مخاوف من خسائر مالية رغم وفرة المحصول، ويأملون بأن تكون الأسعار مناسبة خلال أشهر القطاف، أي خلال أشهر الصيف ليتمكنوا من تغطية مصاريف الزراعة ويحققون هامشاً من الربح، ويطالب المزارعون الحكومة باتخاذ إجراءات لحماية الإنتاج المحلي، وعلى رأسها الحد من استيراد الخضراوات خلال الموسم، بما يضمن تحقيق أسعار عادلة تشجع على الاستمرار في الزراعة.
الأشجار المثمرة: أضرار جزئية وفرص لموسم واعد
لم تكن الأشجار المثمرة بمنأى عن تأثيرات الموسم المطري الغزير، إذ بدت الصورة فيها أكثر توازناً بين الفائدة والضرر، فقد أدى ارتفاع معدلات الرطوبة واستمرار الهطولات لفترات طويلة إلى تسجيل أضرار جزئية في عدة أصناف، مثل الزيتون والكرز والتين والكرمة، وهي محاصيل تتأثر بشكل مباشر بزيادة الرطوبة، التي تهيّئ بيئة مناسبة لانتشار الأمراض الفطرية، كالعفن وبعض الإصابات الورقية التي قد تؤثر على جودة الثمار وإنتاجيتها.
ويؤكد مزارعون التقاهم موقع تلفزيون سوريا في منطقة عفرين شمالي حلب أن هذه الأضرار، رغم حضورها، ما تزال ضمن الحدود التي يمكن السيطرة عليها، خاصة في حال التدخل المبكر، ويشيرون إلى أن استخدام المبيدات الزراعية المناسبة، إلى جانب عمليات التقليم والتهوية الجيدة للأشجار، يسهم بشكل كبير في الحد من انتشار الأمراض وتقليل الخسائر.
يقول أبو أحمد، وهو مزارع زيتون في ريف عفرين: “هذا الموسم مختلف، الأشجار ارتوت بشكل جيد، وهذا شيء إيجابي، لكن الرطوبة العالية سببت لنا بعض المشكلات، مثل ظهور بقع على الأوراق وانتشار أمراض فطرية، ننتظر أن تتوقف الهطولات المطرية ويصبح الطقس مناسباً لرش المبيدات أكثر من مرة، وهذا بطبيعة الحال يزيد التكاليف، لكن بشكل عام نتوقع موسماً جيداً إذا استقرت الأجواء في الفترة القادمة”.
ويرى المهندس الزراعي محمد عبد الله أن الموسم المطري الحالي قد يكون من المواسم الإيجابية للأشجار المثمرة على المدى العام، خاصة بالنسبة للزيتون والرمان، اللذين يستفيدان من توفر المياه في التربة خلال مراحل النمو المبكرة، ويؤكد أن هذه الوفرة المائية تعزز من قوة الأشجار وتحسن من عقد الثمار، ما ينعكس لاحقاً على حجم الإنتاج، وبحسب عبد الله، يشمل ذلك أيضاً مختلف أنواع الأشجار المثمرة التي تشتهر بها مناطق وسط وشمالي سوريا.
ويشدد عبد الله على أن العامل الحاسم في تحديد نتائج الموسم لن يكون كمية الأمطار بحد ذاتها، بل طريقة تعامل المزارعين مع آثارها، خصوصاً ما يتعلق بمكافحة الأمراض الفطرية وإدارة الري لاحقاً، فالتدخل السريع والوعي الزراعي يمكن أن يحولا هذا الموسم إلى فرصة حقيقية لتحقيق إنتاج وفير.
يعكس الموسم المطري الاستثنائي في سوريا صورة متشابكة لواقع الزراعة، حيث لا تكفي وفرة الأمطار وحدها لضمان موسم ناجح، بقدر ما يتطلب الأمر إلى إدارة ذكية لهذه الوفرة وما تفرضه من تحديات، ومع اقتراب مواسم الحصاد، تتجه أنظار المزارعين إلى عامل الأسعار بقدر ما تترقب حجم الإنتاج، إذ أن تحقيق موسم جيد لا يقاس فقط بغزارة المحصول، بل بقدرة الفلاح على تسويق إنتاجه بعائد جيد يغطي تكاليفه ويضمن استمراره.
تلفزيون سوريا









