
مع تزايد الضغوط المعيشية وارتفاع كلفة الطاقة الكهربائية، بات استهلاك الأجهزة المنزلية يشكّل أحد أبرز التحديات اليومية التي تواجه الأسر، ولا سيما في ظل الاعتماد على أنظمة تقنين الكهرباء أو البدائل مثل الأمبيرات والطاقة الشمسية.
وبين تعدد الأجهزة داخل المنزل واختلاف كفاءتها واستهلاكها، يتبادر إلى الأذهان تساؤل أساسي حول أكثر هذه الأجهزة استهلاكاً للطاقة، ومدى تأثير طريقة الاستخدام والأعطال الفنية في ارتفاع الاستهلاك، إضافة إلى السبل الممكنة لترشيد الكهرباء دون المساس بالاحتياجات الأساسية.
أي الأجهزة تستهلك الكهرباء أكثر؟
في هذا السياق، أوضح مهندس الكهرباء محمد الخطيب لصحيفة “الثورة السورية” أن الأجهزة المنزلية ذات الاستطاعة الحرارية العالية تُعد الأكثر استهلاكاً للكهرباء داخل المنازل، وفي مقدمتها أجهزة التدفئة الكهربائية والمكيفات وسخانات المياه، تليها الأجهزة التي تعمل لفترات طويلة مثل البرادات، ثم بقية الأجهزة كالغسالات والمكاوي والمجففات، والتي يرتبط استهلاكها بعدد ساعات التشغيل وطريقة الاستخدام.
وأضاف الخطيب أن الفروقات في الاستهلاك لا تقتصر على نوع الجهاز فقط، إنما تمتد إلى جودة التصنيع وكفاءة التشغيل، مبيناً أن البرادات، على سبيل المثال، تختلف بشكل واضح من حيث الاستهلاك تبعاً للعمر والتصميم ونوع “الكمبروسر”، إذ إن الأجهزة الحديثة، ولا سيما الأوروبية، غالباً ما تكون أكثر كفاءة نتيجة تحسين العزل وتقنيات التشغيل، في حين تستهلك الأجهزة القديمة أو الأقل جودة طاقة أكبر لتحقيق المستوى ذاته من التبريد.
وفيما يتعلق بالمكيفات والسخانات الكهربائية، بيّن أنها من أكثر الأجهزة حساسية لطريقة الاستخدام، موضحاً أن أي خلل في الصيانة، مثل اتساخ الفلاتر أو ضعف التبريد أو وجود ترسبات داخل السخان، يؤدي إلى زيادة زمن التشغيل، وبالتالي ارتفاع الاستهلاك بشكل مباشر.
وأشار إلى ما يُعرف بالاستهلاك الخفي، حيث تواصل بعض الأجهزة سحب الطاقة حتى في وضعية الإيقاف الظاهري، مثل أجهزة التلفاز والرسيفر والشواحن، لافتاً إلى أن تأثيرها يكون محدوداً بشكل فردي، لكنه يتضاعف عند تراكم عدد كبير من الأجهزة داخل المنزل، خاصة في البيوت التي تعتمد على البطاريات أو مصادر طاقة محدودة.
وأضاف أنه يمكن تقدير الاستهلاك الكهربائي لأي جهاز بشكل تقريبي عبر ضرب استطاعته (بالواط) بعدد ساعات التشغيل، ومن ثم قسمة الناتج على ألف للحصول على الاستهلاك بالكيلوواط/ساعة، مشدداً على أن هذا التقدير يبقى نظرياً في كثير من الحالات داخل سوريا، نتيجة اختلاف أنظمة التغذية الكهربائية واعتماد شريحة واسعة من السكان على أنظمة الأمبيرات.
وفيما يتعلق بترشيد الاستهلاك، أوضح الخطيب أن أفضل الوسائل العملية تتمثل في استخدام الأجهزة ذات الكفاءة العالية، والاعتماد على الإضاءة الموفرة للطاقة من نوع LED إلى جانب ضبط درجات حرارة المكيف بشكل معتدل، وتجنب تشغيل الأجهزة ذات الاستطاعة العالية في الوقت نفسه، مؤكداً أهمية الصيانة الدورية للأجهزة لتفادي ارتفاع الاستهلاك الناتج عن الأعطال غير الظاهرة.
وأشار إلى أن التحول نحو الطاقة الشمسية والأمبيرات غيّر نمط استهلاك الكهرباء داخل المنازل، حيث باتت الأسر تركز على تشغيل الأجهزة الأساسية فقط خلال فترات توفر الطاقة، ما جعل الترشيد اليوم سلوكاً ضرورياً فرضه الواقع أكثر من كونه خياراً، مضيفاً أن هذا التحول دفع العديد من الأسر إلى إعادة ترتيب أولويات الاستهلاك اليومي، بحيث تُعطى الأولوية للأجهزة الضرورية مثل البراد والإنارة، مقابل تقليل الاعتماد على الأجهزة ذات الاستطاعة العالية إلا عند الحاجة.
وفيما يتعلق بمعدلات استهلاك الأجهزة الكهربائية المنزلية، أوضح الخطيب أن الاستهلاك يختلف حسب نوع الجهاز وطبيعة تشغيله داخل المنزل، مبيناً أن الأجهزة ذات الاستطاعة الحرارية، مثل السخانات الكهربائية والمدافئ والمكيفات، تُعد الأعلى استهلاكاً، إذ تتراوح استطاعتها غالباً بين 1000 و3000 واط.
وأضاف أن الأجهزة التي تعمل لفترات طويلة، مثل البرادات، تستهلك وسطياً بين 100 و300 واط، إلا أن استهلاكها الفعلي يكون أعلى نتيجة استمرار عملها لساعات طويلة يومياً، في حين تتراوح استطاعة الغسالات بين 500 و1000 واط، وقد ترتفع عند استخدام برامج التسخين، كما تستهلك أجهزة التلفاز بين 50 و150 واط، وتكون أعلى في شاشات البلازما، بينما تختلف الإضاءة بشكل واضح بين الأنواع، إذ تستهلك المصابيح التقليدية طاقة أكبر بكثير مقارنة بمصابيح LED.
وتابع أن بقية الأجهزة، مثل الميكرويف والمكواة ومضخات المياه، تقع ضمن الاستهلاك المتوسط إلى المرتفع بحسب مدة التشغيل، في حين تُعد المراوح من الأجهزة الأقل استهلاكاً للطاقة، أما شواحن الهواتف والحواسيب المحمولة فتستهلك كميات بسيطة جداً، لكنها قد تساهم في زيادة الاستهلاك عند تركها موصولة بشكل دائم، بسبب ما يُعرف بالاستهلاك الخفي، مؤكداً أن تقييم الاستهلاك لا يعتمد فقط على استطاعة الجهاز، بل أيضاً على عدد ساعات التشغيل وطبيعة الاستخدام اليومي.
الأجهزة الموفّرة
في سياق متابعة حركة السوق، أوضح أدهم الرائد، صاحب محال لبيع الأجهزة الكهربائية، أن السوق ما زال يعتمد بشكل أساسي على الطلب على البرادات والغسالات والمراوح، إضافة إلى المكيفات خلال فصل الصيف، مشيراً إلى أن نمط الطلب لم يتغير جذرياً، لكنه أصبح أكثر حذراً من حيث الاهتمام باستهلاك الكهرباء في ظل ارتفاع التكاليف واعتماد كثير من الأسر على الأمبيرات والطاقة الشمسية.
وأضاف أن العامل الأساسي في قرار الشراء لا يزال السعر، إذ يركّز معظم الزبائن عليه أولاً، بينما يأتي موضوع كفاءة استهلاك الكهرباء في مرتبة لاحقة لدى فئة محدودة من المشترين، خاصة أولئك الذين يعتمدون على أنظمة طاقة بديلة أو يمتلكون خبرة سابقة في هذا المجال.
وبيّن أن الأجهزة الحديثة الموفرة للطاقة تحظى بطلب جيد، إلا أن الأجهزة التقليدية الأرخص سعراً ما تزال الأكثر انتشاراً، بسبب الفارق السعري الواضح، ما يدفع بعض الزبائن إلى اختيار الخيار الأقل كلفة رغم استهلاكه الأعلى على المدى الطويل.
كما أشار إلى أن من أكثر الأخطاء الشائعة لدى الزبائن اختيار أجهزة غير مناسبة للاستخدام الفعلي، سواء من حيث الحجم أو المواصفات، أو الاعتماد على السعر فقط دون الانتباه إلى جودة الجهاز وكفاءته، الأمر الذي ينعكس لاحقاً على الأداء والاستهلاك.
وختم بالإشارة إلى أن أكثر ما يطرحه الزبائن عند الشراء يتعلق باستهلاك الكهرباء، خصوصاً للأجهزة الأساسية مثل البراد والمكيف والغسالة، إضافة إلى التساؤل حول الفرق بين الأجهزة الحديثة والقديمة، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الزبائن يعتمد على خبرة التاجر في هذا الجانب لعدم امتلاكهم معرفة تقنية دقيقة.
وفيما يتعلق بواقع صيانة الأجهزة المنزلية، قال عواد الحسين، الفني في صيانة الأجهزة الكهربائية، إن طبيعة الأعطال التي يتعامل معها يومياً باتت تميل إلى الأعطال الناتجة عن تقلبات التغذية الكهربائية وعدم استقرار التيار، مشيراً إلى أن هذه المشكلة تؤثر بشكل مباشر في بعض القطع الحساسة داخل الأجهزة، مثل لوحات التشغيل والمكثفات، ما يؤدي إلى توقف مفاجئ أو ضعف في الأداء.
وأضاف أن جزءاً من الأعطال لا يعود إلى تدهور الجهاز بحد ذاته، إنما إلى تشغيله في ظروف كهربائية غير مستقرة أو تحت ضغط مرتفع، لافتاً إلى أن الإصلاح في كثير من الحالات لا يقتصر على تبديل قطعة، ويتطلب معالجة السبب الأساسي لتجنب تكرار العطل.
في المحصلة، يبقى استهلاك الأجهزة الكهربائية عاملاً أساسياً في تحديد كلفة الطاقة داخل المنازل، ما يجعل ترشيد الاستخدام وتحسين كفاءة التشغيل والصيانة ضرورة في ظل الظروف الحالية.
الثورة السورية









