
نور جوخدار
تلقي تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بظلالها مباشرة على سوق الطاقة العالمية، خصوصاً مع تعطل جزء كبير من صادرات النفط في الخليج العربي وتهديد الملاحة عبر مضيق هرمز.
ودفع التوتر العسكري في الشرق الأوسط ، بعض دول المنطقة إلى اتخاذ قرارات بوقف إنتاج النفط، ما تسبب بارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز على الصعيد العالمي.
وفي ظلّ هذه المتغيرات، يبرز تساؤل حول إمكانية استفادة سوريا اقتصادياً من الأزمة التي تعصف بسوق الطاقة، أو الاستعداد للعب دور في أزمات مشابهة مستقبلاً، سواء عبر زيادة إنتاجها النفطي أو من خلال استثمار موقعها الجغرافي كممر للإمدادات النفطية.
دينامو منظومة الطاقة العالمية
يعد الشرق الأوسط دينامو منظومة الطاقة العالمية، لوفرة موارده، ولأنه أيضاً يضم عدداً من أكبر منتجي ومصدري النفط والغاز في العالم، فالسعودية وإيران والعراق والإمارات والكويت وقطر من أكبر موردي الوقود الأحفوري في العالم، ما يجعله الشريان الحيوي الذي يغذي الاقتصاد العالمي، لا سيما في آسيا وأوروبا.
وتشير بيانات منظمة “أوبك” إلى أن دول المنطقة تمتلك نحو 55 بالمئة، أي نحو 871.18 مليار برميل، من احتياطات النفط الخام المؤكدة في العالم، البالغة 1569.52 مليار برميل، إضافة إلى 41 بالمئة من احتياطات الغاز العالمية المؤكدة.
ومع إغلاق أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعبّر من خلاله نحو خمس إجمالي النفط والغاز يومياً، توقفت حركة الشحن النفطي جزئياً، ما اضطر بعض الدول المنتجة إلى خفض إنتاجها.
وأشارت شركة “كيبلر” لتحليل البيانات إلى أن مرافق التخزين الرئيسة في السعودية والإمارات تمتلئ بسرعة، ومن المتوقع أن تصل سعتها إلى الحدّ الأقصى في أقل من ثلاثة أسابيع.
وبمجرد امتلاء مرافق التخزين، وهي حالة تعرف بـ”الخزانات الممتلئة”، يواجه المنتجون واقعاً مكلفاً تقنياً وسياسياً يتمثل في وقف الإنتاج.
وقال خبير استراتيجيات السلع في بنك “يو بي إس” جيوفاني ستونوفو: “لن تعود الأمور إلى طبيعتها في اليوم نفسه الذي تستأنف فيه الصادرات”.
المتغيرات تفتح نافذة الفرص
أمام هذا الواقع، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال، أن هذه المتغيرات، رغم تداعياتها السلبية على الاقتصاد العالمي، قد تفتح نافذة فرص محدودة لدول مثل سوريا، حتى مع محدودية إنتاجها النفطي الحالي، وذلك بفضل الموارد المتبقية وموقعها الجغرافي الاستراتيجي.
وأوضح رحال لصحيفة “الثورة السورية”، أن الإنتاج النفطي السوري، وفق الواقع والإمكانيات، كان قبل عام 2011 يبلغ نحو 380-400 ألف برميل يومياً، وكان النفط يشكل قرابة 20-25 بالمئة من إيرادات الدولة، قبل أن يتراجع الإنتاج بشكل حاد منذ عام 2011 ليصل إلى نحو 40 ألف برميل يومياً عام 2023.
وأشار رحال إلى تقديرات رسمية تفيد بإمكانية رفع الإنتاج إلى 100-120 ألف برميل يومياً خلال أربعة أشهر مع عودة بعض الحقول للعمل في المدى المنظور، كما تبلغ الاحتياطيات النفطية المؤكدة حوالي 2.5 مليار برميل، ما يتيح فرصة لزيادة الإنتاج تدريجياً.
الإنتاج النفطي
في مؤشر على تعافي قطاع الطاقة تدريجياً، صدرت سوريا في أيلول الماضي، 600 ألف برميل من النفط الخام الثقيل من ميناء طرطوس، لتكون أول صفقة تصدير نفط رسمية منذ 14 عاماً.
ورأى الخبير رحال أن إعادة تأهيل الحقول النفطية الرئيسة في الجزيرة يمكن أن ترفع مستوى الإنتاج، موضحاً أن حقل العمر في دير الزور قد يرتفع إنتاجه من 40 ألف برميل يومياً إلى 100 ألف برميل بعد تأهيله، أما حقل الرميلان في الحسكة فقد يرتفع من 25 ألف برميل إلى 70 ألف برميل يومياً، كما يُتوقع أن ترتفع طاقة الإنتاج في الحقول الصغيرة في دير الزور من 15 ألف برميل إلى 30 ألف برميل يومياً، وبذلك قد يصل إجمالي الإنتاج المحتمل بعد التأهيل إلى 200 ألف برميل يومياً خلال 3-5 سنوات.
ووصلت مساء الأحد، إلى خزانات الشركة السورية للبترول في مدينة حمص، دفعة جديدة من صهاريج النفط الخام القادمة من حقول رميلان في محافظة الحسكة، وتضم 92 صهريجاً، بعد الدفعة الأولى يوم الجمعة والتي بلغت 72 صهريجاً، ومن المتوقع وصول دفعة ثالثة.
وأشار رحال إلى أن ارتفاع أسعار النفط العالمية في حال وصولها إلى 150 دولاراً للبرميل نتيجة الحرب في الشرق الأوسط سيجعل الإيرادات النفطية السورية أكثر جاذبية، فالإنتاج الحالي البالغ 80 ألف برميل قد يحقق نحو 12 مليون دولار يومياً، أي ما يعادل نحو 4.38 مليار دولار سنوياً.
أما بعد التأهيل ورفع الإنتاج إلى 200 ألف برميل يومياً، فقد ترتفع الإيرادات إلى نحو 30 مليون دولار يومياً، أي ما يقارب 10.95 مليار دولار سنوياً.
وكانت الإيرادات النفطية السنوية قبل عام 2011 تتراوح بين 15 و20 مليار دولار عند أسعار 100 دولار للبرميل مع إنتاج 380-400 ألف برميل يومياً، بحسب رحال.
ممر استراتيجي
بالحديث عن الطاقة في الإقليم، يبرز موقع سوريا الاستراتيجي بين حقول النفط في العراق ودول الخليج كأحد أهم العوامل التي قد تعزز دورها كدولة عبور للإمدادات النفطية.
كما يتيح هذا الموقع إمكانية استثماره في نقل النفط عبر خطوط الترانزيت، تمهيداً لتصديره مباشرة من الساحل السوري إلى الأسواق الأوروبية والغربية عبر البحر المتوسط.
وقد لعبت سوريا تاريخياً دوراً مهماً في نقل النفط عبر خطوط الأنابيب، أبرزها خط “كركوك-بانياس” الذي استخدم لتصدير النفط العراقي إلى أوروبا.
وتم تشييد هذا الخط عام 1952، بطول يقارب 800 كيلومتر وطاقة ضخ تصل إلى 300 ألف برميل يومياً.
لاحقاً، أصبح الخط جزءاً من الخلافات السياسية بين العراق وسوريا، فتم إغلاقه عام 1982 بعد تحالف النظام المخلوع مع إيران خلال الحرب العراقية-الإيرانية، كما توقف مرة أخرى بسبب خلافات تتعلق برسوم “الترانزيت”.
وبعد التحرير، كشف وزير الطاقة محمد البشير، عن توجه لدراسة إعادة تأهيل خط “كركوك-بانياس”، الأمر الذي من شأنه أن يعيد لسوريا دورها كحلقة وصل مهمة في تجارة الطاقة الإقليمية.
وتُقدر الكلفة التقديرية الأولية لإعادة تأهيل الأنبوب، الذي تضرر عام 2003 وتعرض للإهمال منذ ذلك الحين، بين 300 و600 مليون دولار.
ومن المتوقع أن يدر خط “كركوك-بانياس” النفطي على سوريا إيرادات سنوية تتراوح بين 150 و200 مليون دولار، بحسب تقديرات خبراء الطاقة.
ورأى الخبير الاقتصادي رحال أن الميزة الاستراتيجية لسوريا تكمن في موقعها الجغرافي بين الخليج والعراق وتركيا وأوروبا، إضافة إلى البحر المتوسط، ما يمنحها فرصة للاستفادة من دور الترانزيت في نقل النفط والمشتقات النفطية من دول المنطقة.
وبحسب تقديراته، فإن نقل مليون برميل يومياً عبر الأراضي السورية برسوم قدرها دولاران للبرميل قد يحقق إيرادات تصل إلى مليوني دولار يومياً، ونحو 730 مليون دولار سنوياً.
وفي حال تضاعف حجم النقل إلى مليوني برميل يومياً بسبب الحرب في الخليج، يمكن أن تصل الإيرادات إلى نحو 1.46 مليار دولار سنوياً.
وهنا يمكن استغلال موانئ بانياس وطرطوس كمراكز إقليمية للتخزين والتصدير، ورفع الرسوم الجمركية والخدمات اللوجستية.
13.5 مليار دولار سنوياً
قدّم الخبير الاقتصادي رحال، مجموعة من المقترحات الاقتصادية لدعم قطاع الطاقة في سوريا، أبرزها إعادة تأهيل الحقول النفطية الرئيسة: العمر، الرمّيلان وحقول دير الزور الصغيرة، مع العمل على رفع الإنتاج تدريجياً ليصل إلى نحو 200 ألف برميل يومياً خلال 3-5 سنوات.
وكشفت الشركة السورية للبترول مؤخراً، أنها تعمل على تأهيل حقول حقول رميلان والسويدية وغيرها في محافظة الحسكة، وزيادة إنتاجها من خلال اتفاق مع شركة أميركية عالمية متخصصة في إدارة وتشغيل الحقول، وفق معايير فنية وتشغيلية تضمن أعلى درجات الكفاءة وتعزيز القدرات الإنتاجية.
وشدد رحال أيضاً على أهمية تطوير الموانئ وخطوط الأنابيب الخاصة بالترانزيت لزيادة الرسوم والعوائد، وتشجيع الشركات الأجنبية على تقديم خدمات تقنية وخبرات استخراج، إلى جانب تنويع مصادر الطاقة بين الغاز والكهرباء والطاقة المتجددة لتخفيف الاعتماد على الواردات.
وبحسب التقديرات التي قدّمها رحال، فإن الإيرادات المحتملة من إنتاج النفط قد تبلغ نحو 11 مليار دولار سنوياً، والإيرادات المحتملة من دور سوريا كممر ترانزيت قد تتراوح بين 0.7 و1.5 مليار دولار سنوياً، وبذلك يصل مجموع الإيرادات المحتملة إلى نحو 12-13.5 مليار دولار سنوياً، ما يمثل نحو 60-70 بالمئة من إيرادات النفط قبل عام 2011.
ورأى الخبير أن نجاح سوريا في تطبيق هذه الإجراءات بشكل سريع ومستقر قد يحوّل الأزمة في أسواق الطاقة العالمية من عبء اقتصادي إلى فرصة لتعزيز الإيرادات، مع تنشيط قطاع الطاقة وإعادة تفعيل الدور الجغرافي الاستراتيجي لسوريا في المنطقة.
الثورة







